أفق نيوز
الخبر بلا حدود

تراجع أسعار التفاح وسط غزارة المعروض في الأسواق

45

أفق نيوز|

تتكرر معاناة المزارعين والتجار مع حلول موسم حصاد التفاح رغم وفرة الإنتاج وتحسن جودة المحصول عاماً بعد آخر، فبينما نجح المزارعون في توسيع المساحات المزروعة، وأثبتت الأصناف الجديدة، وعلى رأسها التفاح السكري، قدرتها على منافسة المستورد من حيث الجودة والطعم، لا تزال أزمة التسويق، وانخفاض الأسعار، وغياب أسواق التصدير، ونقص منشآت التخزين المبرد، تلقي بظلالها على هذا القطاع الزراعي الواعد.

ويجمع المزارعون والتجار على أن الموسم الحالي يعد من أفضل المواسم إنتاجاً، إلا أن زيادة المعروض داخل السوق المحلية، في ظل محدودية منافذ التسويق، أدت إلى انهيار الأسعار، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على دخل المزارعين، وأجبر بعض التجار على العزوف عن شراء المحصول لأول مرة منذ سنوات طويلة.

وفي السياق، يؤكد المزارع مطر الزريبي، أحد مزارعي التفاح في مديرية سحار بمحافظة صعدة، أن موسم التفاح الحالي شهد إنتاجاً جيداً من حيث الكمية والجودة، إلا أن التراجع الحاد في أسعار المحصول خلال فترة الحصاد ألقى بظلاله على المزارعين وأثر بشكل كبير على عائداتهم.
وقال الزريبي إنه تمكن هذا الموسم من حصاد ما يقارب 2000 سلة من التفاح، مشيراً إلى أن بداية الموسم كانت مبشرة، حيث تراوح سعر السلة الواحدة بين 7000 و8000 ريال، وهو سعر شجع المزارعين على مواصلة عمليات الحصاد وتسويق منتجاتهم.
ويضيف أن الأسعار لم تستمر عند هذا المستوى، إذ شهدت انخفاضاً كبيراً مع دخول الموسم ذروته وزيادة المعروض في الأسواق، لتتراجع إلى ما بين 3000 و3500 ريال للسلة الواحدة، وهو ما وصفه بأنه انخفاض كبير لا يتناسب مع تكاليف الإنتاج التي يتحملها المزارعون طوال العام، بدءاً من تجهيز الأراضي وشراء الشتلات والأسمدة ومستلزمات الري، وصولاً إلى عمليات الخدمة والحصاد.

ويوضح الزريبي أن التسويق يمثل التحدي الأكبر الذي يواجه مزارعو التفاح، لافتاً إلى أن وفرة الإنتاج دون وجود آليات فعالة لتسويق المحصول تؤدي إلى انخفاض الأسعار وتكبّد المزارعين خسائر مالية، داعياً الجهات المختصة إلى التدخل لوضع حلول عملية لتنظيم عملية التسويق، وفتح منافذ وأسواق جديدة لاستيعاب الإنتاج المحلي، بما يحقق عائداً عادلاً للمزارعين ويشجعهم على الاستمرار في زراعة التفاح.

وفيما يتعلق بالتوسع في زراعة التفاح السكري، يؤكد المزارع الزريبي أن هذا الصنف أثبت نجاحاً كبيراً في عدد من المناطق الزراعية بمحافظة صعدة، ويتميز بجودة عالية وطعم حلو يجعله منافساً قوياً للتفاح المستورد، الأمر الذي يشجع العديد من المزارعين على التوسع في زراعته خلال المواسم المقبلة.
ويطالب الجهات المختصة ومكاتب الزراعة والاتحاد التعاوني الزراعي بتكثيف البرامج الإرشادية، وإيفاد فرق فنية متخصصة إلى المناطق الزراعية لتدريب المزارعين على الطرق الصحيحة لزراعة التفاح السكري، وتعريفهم بالأصناف الأكثر ملاءمة لطبيعة التربة والمناخ في كل منطقة، إضافة إلى تقديم الإرشادات المتعلقة بعمليات الخدمة والري والتقليم ومكافحة الآفات، بما يسهم في تحسين الإنتاج ورفع جودة المحصول.

ويشير الزريبي إلى أن دعم مزارعي التفاح لا يقتصر على توفير الشتلات المحسنة، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل الإرشاد الزراعي، وتحسين خدمات التسويق، وإنشاء مراكز للفرز والتعبئة والتخزين المبرد، بما يحافظ على جودة المنتج ويعزز قدرته على المنافسة في الأسواق المحلية، ويحقق قيمة مضافة لمحصول التفاح الذي يُعد من أهم المحاصيل الاقتصادية في محافظة صعدة.

وفرة في الإنتاج وانخفاض في التسويق

بدوره يؤكد المزارع علي معجب أن موسم التفاح لهذا العام يُعد من المواسم الجيدة من حيث الإنتاج، مشيراً إلى أن عمليات الحصاد قد اكتملت في معظم مزارع المحافظة، وسط تفاؤل المزارعين بجودة المحصول وتحسن أصناف التفاح المزروعة محلياً.

ويقول المزارع علي معجب إن إجمالي ما تم حصاده حتى الآن في هذا الموسم بلغ نحو 2500 سلة من التفاح، موضحاً أن محصول هذا العام تميز بجودة الثمار وتحسن الطعم مقارنة بالأعوام السابقة.
ويضيف أن صنف “السكري” حقق نتائج مشجعة هذا الموسم، حيث يتميز بطعم حلو يشبه إلى حد كبير التفاح المستورد، لافتاً إلى أن مكتب الزراعة سبق أن شجع المزارعين على زراعة هذا الصنف بعد التأكد من نجاحه وجودته العالية، حتى إن كثيراً من المزارعين يصفون مذاقه بأنه “كالعسل، مشيراً إلى أن الظروف المناخية ساعدت على إنتاج ثمار ذات جودة جيدة، إلا أن التحديات الأبرز التي يواجهها المزارعون تتمثل في انخفاض الأسعار وضعف التسويق، الأمر الذي ينعكس سلباً على العائد الاقتصادي للمزارعين رغم وفرة الإنتاج.
ويدعو المزارع علي معجب الجهات المعنية إلى الاهتمام بمشكلات المزارعين والعمل على إيجاد حلول للتسويق وتحسين أسعار المنتجات الزراعية، بما يضمن استدامة زراعة التفاح وتشجيع المزارعين على التوسع في زراعة الأصناف المحلية الناجحة.
وفرة الإنتاج تحتاج إلى أسواق جديدة

من جانبه، يرى تاجر التفاح عارف ناشر أن موسم التفاح الحالي في محافظة صعدة يُعد من المواسم الواعدة من حيث حجم الإنتاج وجودة الثمار، إلا أن وفرة المحصول لم تنعكس إيجاباً على المزارعين والتجار، في ظل استمرار المشكلات التسويقية التي يعاني منها القطاع الزراعي عاماً بعد آخر، وفي مقدمتها محدودية الأسواق، وغياب التصدير، وارتفاع تكاليف النقل، ونقص منشآت التخزين المبرد.

ويقول ناشر إن الأسواق المحلية استقبلت خلال الموسم الحالي كميات كبيرة من التفاح، الأمر الذي أدى إلى زيادة المعروض بشكل ملحوظ، في وقت لم تتوفر فيه قنوات تسويقية قادرة على استيعاب هذه الكميات. ويضيف أن غياب التصدير إلى الأسواق الخارجية، وخاصة أسواق دول الجوار التي كانت تستوعب جزءاً من الإنتاج في مواسم سابقة، أدى إلى بقاء معظم المحصول داخل السوق المحلية، وهو ما تسبب في انخفاض الأسعار بصورة كبيرة، وأثر على العائد الاقتصادي للمزارعين والتجار.

ويؤكد أن انخفاض الأسعار لا يعكس جودة المنتج، فالتفاح الصعدي يتمتع بمواصفات عالية من حيث الحجم والطعم واللون، ويستطيع منافسة كثير من المنتجات المستوردة، إلا أن ضعف التسويق يحول دون حصول المنتج على قيمته الحقيقية في السوق.

ويشير إلى أن تكاليف النقل والخدمات اللوجستية أصبحت تمثل تحدياً إضافياً، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الوقود وبعد المسافات بين مناطق الإنتاج والأسواق الرئيسية. ويوضح أن هذه التكاليف تستنزف جزءاً كبيراً من قيمة المحصول، الأمر الذي يقلص هامش الربح، بل ويجبر بعض التجار على تقليص كميات الشراء، فيما يضطر بعض المزارعين إلى بيع محصولهم بأسعار متدنية خوفاً من تعرضه للتلف.

ويضيف أن المشكلة تزداد تعقيداً مع محدودية الطاقة التخزينية في المحافظة، إذ لا تتوفر ثلاجات ومخازن مبردة بالعدد الكافي لاستيعاب الإنتاج الكبير خلال موسم الحصاد، وهو ما يجبر التجار على تسويق المحصول بشكل سريع، حتى وإن كانت الأسعار منخفضة. ويرى أن وجود منظومة متطورة للتخزين المبرد من شأنه أن يمنح المزارعين والتجار مرونة أكبر في تسويق المنتج على مراحل، بدلاً من طرحه دفعة واحدة في الأسواق، الأمر الذي سيسهم في تحقيق استقرار الأسعار والحد من الخسائر.

وفيما يتعلق بالتفاح السكري، يؤكد ناشر أن هذا الصنف أصبح يحظى باهتمام متزايد من قبل المزارعين والتجار والمستهلكين على حد سواء، نظراً لما يتمتع به من مذاق مميز وجودة عالية، فضلاً عن مظهره الجذاب الذي يجعله منافساً قوياً للتفاح المستورد. ويشير إلى أن الطلب على التفاح السكري يشهد نمواً مستمراً، الأمر الذي يدفع كثيراً من المزارعين إلى التوسع في زراعته خلال المواسم المقبلة.

ويرى أن نجاح تجربة التفاح السكري يفتح آفاقاً واسعة أمام تطوير هذا القطاع، لكنه يتطلب توفير الدعم الفني للمزارعين، وإنتاج الشتلات المحسنة، وتوسيع برامج الإرشاد الزراعي، بالتوازي مع بناء منظومة تسويقية متكاملة تضمن وصول المنتج إلى الأسواق المحلية والخارجية بجودة عالية.

ويشدد ناشر على أن مستقبل زراعة التفاح في صعدة لا يعتمد على زيادة الإنتاج وحدها، بل يرتبط بقدرة الجهات المعنية على تطوير سلسلة القيمة الزراعية، بدءاً من الحصاد والفرز والتعبئة، مروراً بالتخزين والنقل، وانتهاءً بالتسويق والتصدير. ويؤكد أن الاستثمار في هذه الجوانب سيحقق فوائد كبيرة للمزارعين والاقتصاد الوطني، وسيمكن التفاح الصعدي، ولا سيما التفاح السكري، من ترسيخ مكانته كمنتج وطني قادر على المنافسة في الأسواق الإقليمية.

المزارعون هم الحلقة الأكثر تضرراً وفي مشهد يعكس حجم التحديات التي يواجهها قطاع تسويق التفاح في محافظة صعدة، يكشف تاجر الفواكه أحمد العبيدي أنه اضطر إلى التوقف عن شراء وتسويق التفاح خلال الموسم الحالي، للمرة الأولى منذ أكثر من 28 عاماً من العمل المتواصل في هذه المهنة.

ويقول العبيدي إن هذا الموسم يعد الأصعب في مسيرته التجارية، موضحاً أنه اتخذ قراراً بعدم الدخول في تجارة التفاح نتيجة حالة الركود التي يشهدها السوق، وما يرافقها من انخفاض حاد في الأسعار وارتفاع حجم المخاطرة بالنسبة للتجار.

وأضاف أن قراره لم يكن سهلاً، لكنه جاء بعد قراءة لواقع السوق الذي يشهد زيادة كبيرة في حجم الإنتاج، بالتزامن مع تراجع القدرة على تصريف المحصول، الأمر الذي جعل شراء كميات كبيرة من التفاح مغامرة قد تترتب عليها خسائر مالية كبيرة.

ويشير إلى أن المواسم السابقة كانت تشهد حركة تجارية أكثر نشاطاً، وكان التجار يقبلون على شراء المحصول مباشرة من المزارعين بكميات كبيرة، إلا أن الوضع اختلف هذا العام مع دخول مساحات زراعية جديدة في الإنتاج وارتفاع حجم المعروض، في مقابل محدودية الأسواق المحلية وتوقف التصدير، ما أدى إلى تراجع الأسعار بشكل غير مسبوق.

ويؤكد العبيدي أن المزارعين هم الحلقة الأكثر تضرراً من هذا الواقع، إذ يجد كثير منهم أنفسهم مضطرين إلى بيع محصولهم بأسعار لا تغطي تكاليف الإنتاج، فيما يحجم التجار عن الشراء خشية تكبد خسائر نتيجة بطء حركة البيع وغياب وسائل التخزين التي تمكنهم من الاحتفاظ بالمحصول حتى تتحسن الأسعار.

ويوضح أن جودة التفاح هذا الموسم كانت متفاوتة، حيث تأثرت بعض الكميات بالظروف المناخية وشح المياه، إلا أن ذلك لا يقلل من جودة نسبة كبيرة من الإنتاج الذي يتميز بمواصفات جيدة، لكنه يحتاج إلى منظومة تسويقية أكثر كفاءة تضمن وصوله إلى الأسواق المناسبة.

ويرى العبيدي أن استمرار هذا الوضع قد يدفع المزيد من التجار إلى الانسحاب من تجارة التفاح في المواسم المقبلة، وهو ما سيضاعف من معاناة المزارعين ويؤثر على استقرار هذا القطاع الزراعي المهم.

ويدعو إلى تبني معالجات عاجلة لإنقاذ قطاع تسويق التفاح، تشمل إنشاء المزيد من المخازن والثلاجات المبردة، وفتح أسواق داخلية وخارجية جديدة، وتشجيع الصناعات التحويلية لاستيعاب فائض الإنتاج، إلى جانب تنظيم العلاقة بين المزارعين والتجار بما يحقق التوازن في السوق ويحفظ حقوق جميع الأطراف.

بدوره يؤكد عادل العزعزي، رئيس دائرة الإنتاج النباتي والحيواني في الاتحاد التعاوني الزراعي، أن التوسع في زراعة التفاح السكري خلال السنوات الأخيرة جاء نتيجة القناعة المتزايدة لدى المزارعين بجدوى هذا الصنف الاقتصادية، بعد أن تلقوا معلومات من الجهات الزراعية والمصدرين تفيد بإمكانية تصديره إلى الأسواق الخارجية، إلى جانب ما يتمتع به من جودة عالية ومذاق مميز.

ويوضح العزعزي أن التفاح السكري خضع لتجارب زراعية في عدد من المناطق بمحافظة صعدة، وقد أثبت نجاحاً كبيراً من حيث الإنتاج والجودة، الأمر الذي شجع المزارعين على التوسع في زراعته. وأشار إلى أن المساحة المزروعة بهذا الصنف تقدر حالياً بنحو 15 هكتاراً، مع توقعات بزيادة هذه المساحة خلال السنوات القادمة نتيجة تزايد الإقبال عليه.

ويضيف أن من أبرز العوامل التي ساهمت في انتشار التفاح السكري ارتفاع أسعاره مقارنة بالأصناف الأخرى، سواء في الأسواق المحلية أو الخارجية، فضلاً عن وجود طلب متزايد عليه في الأسواق الإقليمية، ما يجعله محصولاً واعداً من الناحية الاقتصادية.

ويشير إلى أن توجهات الدولة نحو إحلال المنتجات المحلية محل المستوردة، وتشجيع الصناعات التحويلية الزراعية، أسهمت أيضاً في تعزيز الاهتمام بهذا الصنف، لافتاً إلى أن مصانع الصناعات الغذائية تفضل التفاح السكري لما يتميز به من مواصفات مناسبة للتصنيع، الأمر الذي يفتح أمامه فرصاً إضافية للتسويق والاستثمار.

وفيما يتعلق بدور الجمعيات التعاونية، يوضح العزعزي أن مساهمة الجمعيات في دعم التوسع بزراعة التفاح السكري ما تزال دون المستوى المأمول، إلا أن هناك توجهاً خلال المرحلة المقبلة لتفعيل دورها بشكل أكبر من خلال توعية وإرشاد المزارعين، ونشر المعلومات الفنية المتعلقة بزراعة هذا الصنف عبر الميسرين الزراعيين والمجاميع التعاونية في مختلف المناطق الزراعية.

ويؤكد على أن التوسع في زراعة التفاح السكري يمثل فرصة واعدة لتعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين دخل المزارعين، وتقليل الاعتماد على التفاح المستورد، إلى جانب فتح آفاق جديدة أمام التصدير والصناعات التحويلية الزراعية.