أفق نيوز
الخبر بلا حدود

حين يلتقي موكب الشهادة في معراج التشييع .. وتستمر الرسالة المحمدية

53

أفق نيوز| طارق الحمامي

لم يكن مشهد التشييع المهيب للإمام الشهيد علي الخامنئي مجرد حدث عاطفي ارتبط برحيل شخصية استثنائية، بل بدا وكأنه محطة تاريخية تتقاطع فيها مسيرة قرون طويلة من الجهاد والعلم والثبات، لتلتقي فيها مواكب الشهداء والعلماء الذين حملوا رسالة الإسلام المحمدي الأصيل، منذ صدر الإسلام وحتى يومنا هذا،
وفي قراءة رمزية لهذا المشهد، يبرز تقاطعٌ لافت بين موكب الإمام الشهيد علي الخامنئي في معراج التشييع الجماهيري، وموكب الإمام زيد بن علي عليه السلام، الذي خرج حاملاً مشروع الإصلاح ومواجهة الظلم، ليؤكد أن خط المواجهة بين الحق والباطل لم يكن حدثاً عابراً في التاريخ، بل هو مسار ممتد تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل.

 

موكب واحد عبر الزمن

التاريخ الإسلامي لا يُقرأ باعتباره أحداثاً منفصلة، وإنما باعتباره سلسلة مترابطة تتكامل فيها المواقف والمبادئ، فالإمام زيد عليه السلام لم يخرج طلباً لسلطان، وإنما خرج دفاعاً عن قيم الإسلام، مقدماً نفسه قرباناً للمبدأ، وهو ما جعل ثورته مدرسةً بقيت حية في ضمير الأمة،
وعندما يُستحضر مشهد التشييع المهيب للإمام الشهيد علي الخامنئي، فإن الحشود التي احتشدت لتوديعه تعكس ارتباطاً عميقاً بمنهج يرى أن القيادة الرسالية لا تُقاس بطول العمر أو بحجم السلطة، وإنما بما تتركه من أثر في بناء الوعي وصناعة الإنسان وترسيخ قيم الصمود. وهكذا يبدو أن موكب الإمام زيد وموكب الإمام الشهيد يلتقيان عند جوهر واحد، هو استمرار الرسالة المحمدية في مواجهة التحديات عبر مختلف العصور.

الرسالة المحمدية ليست محصورة بقوم

من أبرز الدلالات التي يبرزها هذا المشهد أن الإسلام منذ بداياته لم يكن مشروعاً قومياً أو عرقياً، وإنما رسالة عالمية مفتوحة أمام كل الشعوب، ففي الآية الكريمة يقول الله تعالى :  ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾، وقد وردت روايات في عدد من مصادر التفسير والحديث تذكر أنه عندما سُئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المقصود بهذه الآية، وضع يده على سلمان الفارسي وقال:  “هذا وقومه”، في إشارة إلى أن حمل الرسالة لا يرتبط بالنسب أو العرق، وإنما بالإيمان والالتزام والعمل، وقد وردت هذه الرواية بألفاظ متقاربة في عدد من كتب التفسير والحديث، مع وجود اختلاف بين العلماء في أسانيد بعض طرقها، إلا أن معناها ظل حاضراً في التراث الإسلامي بوصفه تأكيداً على عالمية الرسالة وأن التفاضل يكون بالتقوى والعمل.

فارس .. مساهمة حضارية كبرى

وعند التأمل في التاريخ الإسلامي، نجد أن بلاد فارس قدمت إسهامات علمية وفكرية واسعة في مختلف العلوم الإسلامية والإنسانية والطبيعية، فقد خرج منها علماء كبار في الحديث، والتفسير، والفقه، واللغة، والفلسفة، والرياضيات، والطب، والفلك، وأسهموا في بناء الحضارة الإسلامية بصورة يصعب تجاوزها عند دراسة تاريخ العلوم، كما برزت في العصر الحديث شخصيات دينية وسياسية مؤثرة مثل روح الله الموسوي الخميني، وعلي الحسيني الخامنئي، اللذين ينظر إليهما أتباعهما باعتبارهما امتداداً لمدرسة دينية وسياسية تستلهم مبادئ الثورة الإسلامية ومقاومة الهيمنة.

بين الشهادة وبناء الأمة

إن أحد أهم الدروس التي يقدمها التاريخ الإسلامي أن الدم وحده لا يصنع الانتصار، وإنما الوعي الذي يولده ذلك الدم،  ولهذا بقي ذكر الإمام زيد عليه السلام حياً رغم مرور أكثر من ألف عام، لأن مشروعه تجاوز حدود زمانه، وكذلك فإن الشخصيات التي تترك أثراً فكرياً أو إصلاحياً واسعاً تستمر في الذاكرة الجمعية بما قدمته من أفكار ومؤسسات وأجيال تربت على مبادئها، وهو ما يجعل تشييعها يتحول إلى حدث تتجاوز دلالاته حدود اللحظة الزمنية.

الامتداد الطبيعي للرسالة

إن الرسالة المحمدية أثبتت عبر التاريخ قدرتها على تجاوز الحدود الجغرافية والقومية، فالعرب حملوا الرسالة في بداياتها، ثم أسهمت شعوب أخرى في حفظها ونشر علومها والدفاع عنها، فكان ذلك تجسيداً عملياً لعالمية الإسلام التي أكدها القرآن الكريم، ومن هنا فإن الحديث النبوي المتعلق بسلمان الفارسي،  يُفهم في إطار الإشادة بأقوام يحملون مسؤولية الدين إذا قصّر غيرهم، وليس باعتباره تفضيلاً عرقياً، إذ إن القرآن الكريم يجعل معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح.

ختاما ..

إن قراءة مشهد التشييع المهيب للإمام الشهيد علي الخامنئي من منظور تاريخي ورمزي تفتح باب التأمل في استمرارية الرسالة الإسلامية عبر الأجيال، وفي تعاقب العلماء والمصلحين الذين تركوا بصماتهم في مسيرة الأمة، وبين موكب الإمام زيد عليه السلام وموكب الإمام الشهيد علي الخامنئي، يرى كثيرون صورةً لاستمرار قيم التضحية والثبات في الوعي الإسلامي، بينما يبقى الجامع الأكبر هو أن الرسالة المحمدية، منذ انطلاقتها، رسالة عالمية حملها امتداد الرسالة من ال بيت النبوة، وأسهمت أمم متعددة في حفظها وخدمة علومها وبناء حضارتها، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.