أفق نيوز
الخبر بلا حدود

في ذكرى مولد سيد الخلق

50

أفق نيوز| آسيا الأهدل

​ليس محمد -صلوات الله عليه وعلى آله وسلم- ذكرى تعبرها الأيام ثم تمضي، ولا سيرة تودعها الكتب بين دفتيها؛ إنما هو النور الذي أشرق في ظلمات التاريخ، فاستيقظت به الأرواح من غفلتها، وانفتح به للإنسان طريقٌ إلى الله، وإلى نفسه، وإلى معنى أن يكون الإنسان إنسانًا.
​ولد المصطفى -صلوات الله عليه وعلى آله- فولد معه فجرٌ جديد. جاء إلى عالمٍ أثقلته الجاهلية بأوهامها، وفرّقت القلوب فيه عصبياتها، واستبدت بالقوي فيه سطوته، فجاء رحمةً تمشي على الأرض، وقلبًا يسع الضعيف واليتيم والمحروم، ولسانًا لا ينطق إلا بما يهدي، ويدًا تمتد بالخير حتى إلى من آذاها.
​كان محمد -صلوات الله عليه وعلى آله- أعظم من أن تختصره الكلمات، وأجلّ من أن يحيط به المديح؛ فهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. رحمةٌ لم تكن شعارًا يُرفع، بل حياةً تُعاش؛ رحمةً ظهرت في عفوه حين قدر، وفي تواضعه حين انتصر، وفي عدله حين اختلف الناس، وفي دمعة قلبه على أمته، وفي خوفه عليها من طريق الضلال.
​وإذا أقبلت ذكرى مولده الشريف، فإن إحياءها في أسمى معانيه ليس مجرد استحضارٍ لتاريخٍ مضى، ولا مناسبةً تزدحم فيها الكلمات ثم تنطفئ بانطفاء أيامها؛ بل هو دعوةٌ إلى أن نُحيي فينا شيئًا من محمد -صلوات الله عليه وعلى آله-؛ أن نُحيي الصدق حين كثر الكذب، والرحمة حين قست القلوب، والعفو حين استسهل الناس الانتقام، والأمانة حين أصبحت المصالح ميزانًا، وحسن الخلق حين صار كثيرون يعرفون الدين قولًا وينسونه سلوكًا.
​إن أعظم احتفاءٍ بالمصطفى -صلوات الله عليه وعلى آله- أن نقرأ سيرته بقلوبٍ لا بعقولٍ فقط، وأن نقترب من سنته وعترته وآل بيته الأطهار محبةً واقتداءً، وأن نجعل صلاتنا وسلامنا عليه جسرًا يصل بين محبتنا له وبين أخلاقنا في الحياة. فما قيمة أن تهتز الأصوات بالصلاة عليه ثم تبقى القلوب قاسية؟ وما قيمة أن نذكر شمائله ثم لا يكون في شمائلنا شيءٌ من هديه؟ وما أجمل أن تتحول ذكرى مولده من مناسبةٍ في التقويم إلى ولادةٍ جديدةٍ للرحمة في نفوسنا.
​يا رسول الله، يا من أشرقت الدنيا بمولدك، ما زالت البشرية تبحث عن الرحمة التي حملتها، وعن العدل الذي أقمت بنيانه، وعن النور الذي أخرجت به الإنسان من ظلمة التيه إلى سكينة اليقين.
​صلّى الله عليك كلما أشرقت شمس، وكلما رفرف قلبٌ بحبك، وكلما ارتفع اسمك على لسان مؤمنٍ فقال: اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد.
​وسلامٌ عليك يوم جئت إلى الدنيا رحمةً، ويوم حملت الرسالة أمانةً، ويوم أديت الأمانة وبلّغت الرسالة، ويوم لقيت ربك وقلبك على أمتك، ويوم نلقاك على الحوض، فنقول من أعماق أرواحنا: يا رسول الله، ما نسيناك، وما انطفأ حبك في قلوبنا.
​فاللهم ارزقنا حب نبيك، وصدق اتباعه، وحسن الاقتداء به، واجعل ذكرى مولده الشريف ميلادًا للرحمة في قلوبنا، والنور في دروبنا، والصلاح في أعمالنا، واجمعنا به في مستقر رحمتك، غير خزايا ولا مفتونين.
​اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وعترة بيته الأطهار إلى يوم الدين.