أفق نيوز
آفاق الخبر

لإنجاز أسرع وبكلفة أقل.. صنعاء تفعِّل استراتيجية “الزراعة السهلة”

202

أفق نيوز../

 

عُرفت اليمن بزراعة وإنتاج القمح منذ زمن طويل جداً، ولم يستورد اليمنيون غذاءهم إلا في العقود الخمسة الأخيرة، حين تلقى اليمن أول شحنة قمح في العام 1959م، كمنحة من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بلغت حوالي 14,000 ألف طن، تلتها شحنات كثيرة ومتوالية من القمح والدقيق على شكل هبات أو بأسعار رخيصة -حسب تقارير وزارة التخطيط اليمنية- وعقب ذلك، تنامى الاعتماد على القمح والدقيق المستورد لتلبية المتطلبات الاستهلاكية للسكان، حتى وصل إلى حوالي 3.4 مليون طن متري في العام 2014م.

 

الحقيقة حينها كانت تقول بصريح العبارة إن اليمن بلد زراعي، بلد ينتج ما يحتاج إليه من الغذاء، خاصة فيما يتعلق بالحبوب والخضرة واللحوم والأسماك، والعسل والسمن وحتى البن؛ ليس اكتفاء وحسب، وإنما كان يصدر الفائض من الذرة الرفيعة والدخن والشعير والبن وأنواعا من العنب والبخور والمنسوجات وكذلك الجلود والسمن إلى أنحاء كثيرة من العالم.

 

ولم يكن متوقعا في المؤشر المستقبلي الذي تنبأت به أول شحنة قمح دخلت اليمن في 1959م أن نرى اليمن كما هي اليوم تستورد 95% من احتياجاتها الغذائية! وأن أمنها الغذائي لن يتجاوز مخزون ستة أشهر من القمح! بل إن أمنها الغذائي بات مهددا بشكل كلي، فيما إذا أغلقت البحار أمامنا أبواب الاستيراد، وهو المحتمل وقوعه في ظل ما يشهده الاقتصاد العالمي منذ الربع الأخير من العام الماضي من ارتفاع متصاعد وغير مسبوق في معدلات التضخم، خاصة بعد الآثار السلبية لجائحة كورونا التي أدت إلى إغلاق كامل في العديد من دول العالم، وما ترتب على ذلك من نقص المخزون الاستراتيجي العالمي، ونقص في الإنتاج بالإضافة إلى أزمة نقص في الطاقة في الأسواق العالمية، وتعثر عمليات الشحن الدولية التي طالت أسواق أوروبا وأمريكا وبريطانيا والصين، إضافة إلى التغيُّرات المناخية الحادة التي أثرت على الإنتاج الزراعي العالمي.

 

ولم يكن متوقعا أن الأزمة الروسية – الأوكرانية ستأتي لتعصف بالأسعار هي الأخرى، وقد شهدت دول الأزمة ذاتها ارتفاعا في معدلات التضخم بمستويات قياسية خلال أيام قليلة مضت، حيث وصل معدل التضخم في أوكرانيا إلى 20%، وارتفع بنسبة 12.5% في روسيا، وهو أعلى مستوى تضخم يشهده البلدان منذ 2015م. هذا هو معدل التضخم في بلدان المنشأ، فما المحتمل أن يكون عليه التضخم في بلدان تستورد حاجاتها من الإبرة إلى الطائرة؟ بالنسبة لليمن فقد حلت في المرتبة “الثامنة”، حيث ارتفعت معدلات التضخم بنسبة 50%، من بين أسوأ عشرة اقتصادات في العالم- وفقاً لبيانات نشرة هانك الأسبوعية المتابعة للتضخم الاقتصادي في العالم.

 

مأساة الحكاية

 

تمكنت الشركات الأمريكية ومعها شركات دول الإنتاج الغذائي العالمي من تغيير النمط الغذائي لليمنيين سواء عبر ما قدمت من هبات ومساعدات ومعونات غذائية أو من خلال استسلام الحكومات السابقة لسياسات البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية في إغراق الأسواق المحلية ببضائع كلفتها أقل بأضعاف كلفة المنتج المحلي كي تحقق هدفها، فصار المواطن اليمني يعتبر القمح الأجنبي سلعة استراتيجية ومكوناً أساسياً في وجباته الغذائية كمستهلك بمختلف شرائحه ومناطقه، ولم يتمكن الإنسان اليمني في المقابل من زيادة إنتاج القمح المحلي، وإنما على العكس من ذلك أصبح إنتاجه من القمح المحلي محدوداً ومتناقصاً في مقابل تنامي الاحتياجات الاستهلاكية حتى انخفضت نسبة الاكتفاء الذاتي من محصول القمح إلى أقل من 5%.

 

هذا بالإضافة إلى أسباب جوهرية عديدة أدت إلى تدهور الزراعة في اليمن بشكل عام انحصرت في تراكمية الإهمال الرسمي لعقود طويلة لم تعط الحكومات المتعاقبة خلالها الاهتمام الحقيقي لزراعة القمح ومواجهة الطلب المتنامي عليه في الأسواق المحلية، وإنما اكتفت بتغطية العجز في الطلب بالاعتماد على الاستيراد الخارجي، ما أدى إلى وقوع معظم سكان اليمن تحت تبعات انعدام الأمن الغذائي.

 

سياسات انتهجتها الحكومات اليمنية المتعاقبة كان لها الأثر البالغ في تدهور الإنتاج المحلي للقمح بصورة خاصة، فهي لم تشهد تنفيذ أي خطط استراتيجية مجدولة زمنياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي بحيث تحشد لها الموارد اللازمة والبرامج المناسبة بقدر ما أنها اكتفت باتباع سياسة سد الفجوة الغذائية للقمح والمقدرة بأكثر من 3 ملايين طن متري سنوياً، بالاستيراد من الخارج، وحسب نشرة وزارة التخطيط، فقد شكلت واردات القمح في اليمن المرتبة الأولى بين أهم 30 سلعة مستوردة لعام 2016م، ما جعل فاتورة استيراد القمح تؤرق الاقتصاد اليمني والعملة الوطنية، متجاوزة بذلك 3 مليارات دولار سنويا، حسب تقارير الإعلام الزراعي والسمكي، وهو أمر جعل القوت الضروري للسكان والأمن الغذائي في البلاد عرضة لصدمات سعر الصرف وتقلبات الأسعار الدولية للقمح، إذ يواجه المستورد اليمني العديد من الصعوبات أثناء الحرب والعدوان على اليمن، بما فيها ارتفاع تكلفة التأمين على الشحنات المستوردة، بالإضافة للتأخر في إصدار تصاريح الموانئ وإجراءات التخليص الجمركي، وانخفاض قدرات الموانئ المستقبلة في عدن والمكلا نتيجة الظروف الراهنة، ناهيك عن تعقد الوضع أكثر مع الإجراءات التعسفية برفع الريال الجمركي وإغلاق ميناء الحديدة، وإغلاق طرق الشحن البري في الضالع ولحج وعفار كي تبدأ بذلك معاناة القطاع التجاري مع الإتاوات غير القانونية التي تفرضها المليشيات المسلحة على سائقي النقل الثقيل الذين يعملون على نقل الإمدادات المستوردة عبر ميناء عدن إلى المحافظات الحرة عبر خط السير البديل الذي يصل إلى 1600 كيلو متر، ويمتد من “عدن ــ أبين ــ شبوة ــ مارب ــ الجوف “، لتصل إلى مليوني ريال على كل قاطرة مواد غذائية وكمالية، وأكثر من 3 ملايين ريال على المواد البترولية.

 

وعلى خط الإمداد، -الذي يربط مينائي المكلا ونشطون- تفرض المليشيات المسلحة التابعة لحزب الإصلاح والانتقالي جبايات غير قانونية تصل إلى مليون ونصف على القاطرات التي تحمل مواد غذائية وكمالية، وثلاثة ملايين على القاطرات التي تحمل مواد بترولية، كما تقوم- حاليا- مليشيات العدوان والارتزاق بالتقطع لقاطرات النفط والغذاء على طريق الإمداد الجديد في مداخل الجوف وتمنعها من دخول المناطق الحرة، في تحرك إجرامي واضح يرمي إلى تشديد الخناق على أبناء المناطق الحرة لأهداف وغايات قذرة يعلمها القاصي قبل الداني.

 

طريق الفلاح

 

رغم أن المعمعة هذا هو حالها، إلا أن حالنا اليوم- في ظل العدوان والحصار- لا يشبه حال الكثير من الدول التي ذهبت لتغوص في دهاليز البحث عن السوق البديل لتستورد منه غذاءها، وإنما انطلقت توجهات قائد الثورة السيدُ عبدُالملك بدر الدين الحوثي- يحفظه الله- من مبدأ الشعور بالمسؤولية والإدراك لأبعاد الكارثة القادمة، فركزت على ضرورة الاهتمام بالوضع الاقتصادي، باعتباره قضية مركزية لها علاقة مباشرة بالاستقلال والسيادة والعزة والكرامة، ورفض التبعية والارتهان إلى الخارج، حيث نجده دائم التوجيه بضرورة العمل على تطوير الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي والسعي للوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي بدلاً من الاعتماد على المنتجات الخارجية، بقوله “إن علينا أن نعيَ ضرورةَ الإنتاج المحلي، حَيثُ ونحن الآن نستوردُ كُـلَّ متطلبات حياتنا وبأموال كبيرةٍ جِـدًّا وبمليارات الدولارات سنويًّا”، ويضيف “إن مليارات الدولارات التي تذهبُ للخارج لو صُرفت نحوَ الداخل فهي ستشغِّلُ الفقراء بدلاً من ذهابِها إلى جيوب الأجانب”، وقد وجَّه الجانب الرسمي بالاهتمام بالإنتاج الداخلي على كُـلّ المستويات.

 

ويلفت- حفظه الله- إلى ضرورة “التركيز على أشياء مهمة جداً في العملية الزراعية، كإنتاج القمح والعناية بزراعته، إذ يفترض أن تكون مسألة مهمة جداً عند المزارعين وعند الدولة وفي الوعي العام؛ لأنها مسألة استراتيجية وأساسية، وكثير من البلدان تحرص على أن تمتلك الاكتفاء الذاتي فيها، وأن لا تكون تلك الأشياء الأساسية مستوردة من الخارج، في ظل ما تواجهه أمتنا من أخطار، من أعداء سيئين ومجرمين جداً، لدرجة أنهم لا يتحرجون عن أن يُضايقوا هذا الشعب أو ذاك البلد في معيشته وفي لقمة عيشه”.

 

الاقتصاد المقاوِم

 

على نفس الصعيد، وبناء على توجيهات رئيس المجلس السياسي الأعلى فخامة الرئيس مهدي المشاط القاضية بترجمة توجهات قائد الثورة إلى برامج وخطط عملية أعدت اللجنة الزراعية والسمكية العليا ووزارة الزراعة والري وبمساندة مؤسسة بنيان التنموية وبالشراكة مع السلطات المحلية والجهات الرسمية والشعبية استراتيجية “الزراعة السهلة” في إطار منهجية الاقتصاد المجتمعي المقاوم القائم على هدى الله في خلق تنمية مستدامة بمشاركة مجتمعية واسعة تعمل على خفض فاتورة الاستيراد والتركيز على الأولويات الوطنية في إنتاج الغذاء والدواء والملبس من خلال تفعيل مقومات الاقتصاد المجتمعي المقاوم بالتوازن مع الاقتصادات الأخرى، والدفع نحو الهجرة المعاكسة والحفاظ على الاستقرار في الريف وفق منهجيات فاعلة غير مكلفة تعتمد على تجميع الإمكانات وسد الخلل وتستفيد من الكادر الموجود في الإرشاد الزراعي المجتمعي وفرسان التنمية.

 

الاستراتيجية تعتمد في تنفيذ أهدافها على الطاقات المحلية البشرية والطبيعية والمالية والجغرافية والمناخية الواسعة التي يمتلكها اليمن، والتي ينبغي الاعتماد عليها لتنفيذ سياسات الاقتصاد المجتمعي المقاوم، انطلاقا من الاعتماد على النهج الجهادي الذي يعتمد على تخطيط ونهضة علمية وعزيمة وإدارة جهادية لإنجاز التحولات وتحقيق الأهداف من خلال التحَرك بفاعلية وحيوية نحو استغلال جميع الركائز الاقتصادية والثروات الممكنة والمتاحة في البلاد، وكذا التي لم تستغل بعد.

 

الزراعة السهلة

 

هي استراتيجية تتضمن في صيغتها الأولوية والطارئة رؤى مغايرة للسائد والمألوف في التخطيط والإدارة، خاصة فيما يخص توفير موارد دائمة ومتجددة لتمويل العمليات الإنتاجية، حيث ستعمل على استغلال جميع الركائز الاقتصادية المتاحة في البلاد، بحيث يتم العمل على توفير أساسيات إحداث الحراك الثوري الزراعي المجتمعي المقاوم من خلال البحث عن الإمكانات المتوافرة لدى المزارع اليمني من مخزون البذور بالبيع أو الإقراض، إضافة إلى ما تمتلكه مؤسسة البذور من بذور محسنة، كما يمكن أخذ الكميات التي جمعت من المواطنين في هيئة الزكاة كقروض بيضاء، أو بالبيع الآجل إلى ما بعد موسم الحصاد، وكذا إشراك تجار الحبوب في عملية توفير بذور القمح وأنواع الذرة الرفيعة والبقوليات على هيئة قروض عينية أو بيع بالآجل، على أن تتم تنقية الحبوب ثم نقلها إلى مخازن الجهات الزراعية لإعادة توزيعها على المزارعين.

 

وفي ما يخص معالجة إشكالية المحروقات تم التفاهم مع شركة النفط، بحيث يتم توفير مادة الديزل حسب إمكاناتها، ووفق آلية محكمة يتم ترتيب خط سيرها مع اللجنة الزراعية ومكاتب وزارة الزراعة والجمعيات الزراعية عبر مؤسسة الخدمات الزراعية وفرسان التنمية، كما تعمل اللجنة على شراء المادة وقت الوفرة حسب المبالغ المتوفرة لديها بغرض بيعها بالسعر الرسمي بعد البحث عن مخازن مناسبة، وذلك لضمان توفير نقل سهل للمدخلات إلى المزارع، ونقل الإنتاج للأسواق، وتوفير حراثة رخيصة، وحصاد رخيص يشجع الفقير على زراعة أرضه بأنواع الحبوب والبقوليات كأولويات، وكذا الغني على التوسع في استصلاح أراض جديدة.

 

ومن أجل ضمان الوصول بالمحاصيل المزروعة مطرياً إلى الحصاد نوهت الاستراتيجية بإمكانية إنشاء الحواجز والسدود بواسطة تفعيل المبادرات المجتمعية والإمكانات والجهود الذاتية المتاحة، على أن تقدم السلطات المحلية الديزل اللازم للآليات اللازمة للعمل بسعر يشجع على استمرار الناس في إطلاق المبادرات، بالإضافة إلى تشجيع الاستثمار في مولدات الطاقة الكهربائية الموجهة للزراعة على نطاق واسع، فهذه المولدات متوفرة بكثرة نتيجة عدم الحاجة إليها بسبب الوفرة في الطاقة لوجود الأجهزة المنزلية الحديثة، واستخدام الطاقة الشمسية للبيوت، كما توجد شبكات كهربائية جاهزة في عدد من المناطق.

 

كما ركزت استراتيجية الزراعة السهلة على تشجيع زراعة محاصيل بين محاصيل سابقة، للاستفادة من المساحات الموجودة، والخدمات المتوفرة لدى المزارع كزراعة الحبوب والبقوليات بين أشجار القات والفواكه والبن، وزيادة الكفاءة الإنتاجية لدى المزارعين الحاليين، وحشد أياد عاملة للأراضي غير المزروعة بسبب ضعف أصحاب الأرض وعدم قدرتهم على زراعتها رغم هطول الأمطار عليها، ثم يتم تحشيد الطلاب والفرسان وبقية المجتمع عبر الجايش والفزعة والنكف مع توفير البذور والديزل والأسواق اللازمة لذلك.

 

وتضمنت الاستراتيجية آلية توفير ضمانات لقروض مدخلات (أولويات المدخلات) كتوفير شبكات بلاستيك لإيصال الغيول ومياه الحواجز والآبار البعيدة إلى الأراضي الزراعية، وكذا توفير منظومات شمسية صغيرة فردية وجماعية، يشترك في توفيرها الشركاء التنمويون كالزكاة والتأمينات والصناديق والأوقاف والسلطات المحلية والبنوك وفق آليات يتم فيها تفعيل الجمعيات التعاونية لقيادة العمل التعاوني والزراعي في المناطق الريفية على طريق إنعاش الحراك الإنتاجي في القرى من أجل تشجيع الهجرة العكسية من المدن إلى الأرياف.

 

ونوهت الاستراتيجية بوجوب الاتّجاهُ نحو تطبيق سياسات جديدة وحديثة في تطوير الأداء المؤسّسي بجميع جوانبه التنموية، وفي هذا الخصوص وحتى انتهاء العدوان والحصار على اليمن يجبُ الاتّجاهُ نحو تطبيق الاقتصاد المقاوم؛ بهَدفِ حماية الاقتصاد الوطني من الانهيار وسد الاحتياجات الضرورية للمجتمع وحماية الإنتاج المحلي عن طريق الاهتمام بالمشاريع الصغيرة والأصغر، بالإضافة إلى ترشيدِ الاستهلاك وتخفيض فاتورة الاستيراد.

 

الثورة / استطلاع / يحيى الربيعي