أفق نيوز
آفاق الخبر

نظرة على تكوين “مجلس” المرتزقة .. بيئة مفتوحة للمزيد من الصراعات الداخلية

32

أفق نيوز../

 

في الوقت الذي يحاولُ فيه تحالُفُ العدوان الأمريكي السعوديّ الإماراتي الترويجَ لتشكيل ما يسمى “مجلس القيادة الرئاسي” للمرتزِقة، كخطوة لتوحيد صفوفهم وقيادتهم، تؤكّـد كُـلّ المعطيات والتفاصيل أن هذا المجلس جاء “مفخَّخًا” بالمزيد من مسببات الخلاف التي من شأنها أن تضاعفَ مستوى الانقسامات الداخلية بين أدوات العدوان، بما في ذلك أعضاء المجلس الذين تم تجريدُهم من “امتيَازاتهم” كقيادات عسكرية تملِكُ نوعاً من النفوذ على الأرض، وتحويلُهم إلى واجهاتٍ مشلولة لا تملِكُ حتى حقَّ اتِّخاذ أية قرارات.

 

من تلك التفاصيل أن الهيئاتِ والفِرَقَ التي تم تشكيلُها تحت مظلة ما يسمى “المجلس الرئاسي” للمرتزِقة مثل ما يدعى “هيئة المصالحة” و”الفريق الاقتصادي” و”القانوني”، تصطدمُ بوضوح مع مجلس نواب المرتزِقة وحكومتهم بكلها، وتخلق نزاعًا واضحًا على صلاحيات اتِّخاذ القرارات التي بات معروفاً أنها ترتبط بمصالح فصائل المرتزِقة وقياداتهم ولا تحكمها أية قوانين أَو اعتبارات جامعة، وبالتالي فَإنَّ “المجلس” بملحقاته يخلق ميدانَ صراعٍ جديداً ومحتدماً بين المرتزِقة الذين فشلت السعوديّة سابقًا وبشكل ذريع في توحيد صفوفهم؛ بسَببِ تضارب المصالح بين دول تحالف العدوان نفسها.

 

بالتالي، فَإنَّ معارك النفوذ والمصالح داخل سلطة المرتزِقة لن تستمر فحسب، بل ستزداد احتدامًا مع وجود “رؤوس” الفصائل المتناحرة داخل ما يسمى “المجلس الرئاسي” الذي يمثّل هو نفسُه ميدان صراع بين أعضائه؛ لأَنَّ من يحملون صفة “نواب الرئيس” فيه، لا يملكون في الحقيقة صلاحيات اتِّخاذ القرارات بشكل فردي، ما يعني أنهم سيخوضون صراعاً مع المرتزِق “العليمي” الذي لا يختلفُ عن الفارّ هادي في كونه محسوباً على طرف معين.

 

وإذا كانت التشكيلةُ السابقةُ للمرتزِقة قد مثّلت بيئةً لصراعات دموية واسعة بين أتباع السعوديّة والإمارات، فَإنَّ التشكيلة الحالية تمثل بيئةً لنُسخةٍ أكثرَ تعقيداً من هذا الصراع؛ لأَنَّ أعضاء مجلس المرتزِقة يملكون طموحاتٍ شخصيةً متباينة وولاءات متعددة حتى وإن كان بعضُهم محسوباً على طرف واحد.

 

في ظل هذا الواقع ستفضي أيةُ قرارات تعيينٍ لمسؤولين أَو محاولات لتشكيل “حكومة” بسرعة إلى جولات صراع وخلافات حادة، قد لا تستطيع السعوديّة نفسها وضع حَــدّ لها، مع وجود أطراف أُخرى داخل تحالف العدوان لها أجندة خَاصَّة لن تتوقف عن محاولة تنفيذها عبر أدواتها التي يأمل كُـلّ منها أن يكون هو الذراع الرئيسي والأكثر نفوذاً على الأرض.

 

وبالحديث عن النفوذ على الأرض، فَإنَّ “القواعدَ المنظِّمة” لمجلس المرتزِقة، تنص على أنه لا يجوز لرئيس المجلس وأعضائه الجمعُ بين عضوية المجلس وأي عمل تنفيذي آخر مدني أَو عسكري، وهو ما يعني أنهم سيحرمون من مناصبهم السابقة كقادة عسكريين أَو محافظين، وهذه المناصب ليس من السهل التخلي عنها؛ لأَنَّها تمثل بالنسبة لهم “النفوذ” الذي يمتلكونه والذي صنع منهم قيادات بارزة لفصائل المرتزِقة وشكّل طموحاتهم في تولي أدوار كبرى، وبدونه لن يكون لديهم أية إمْكَانية للحفاظ على نفوذهم ومواجهة خصومهم الذين ينتظرون الفرص لأخذ مكانهم على الأرض ولديهم دعم خارجي.

 

بسلطة “شكلية” بلا صلاحيات ضمن “المجلس”، وبلا نفوذ على الأرض، سيكون من الصعب على أعضاء مجلس المرتزِقة حتى التظاهر بـ”وحدة الصف” التي يروجها تحالف العدوان، فضلاً عن تطبيقها عمليًّا، فبالنسبة للمرتزِق سلطان العرادة على سبيل المثال، سيكون التعارض بين “عضويته” في المجلس وامبراطوريته التي شيَّدها في مأربَ على إيرادات النفط والغاز والدعم العسكري السعوديّ تعارضاً مزعجاً للغاية، خُصُوصاً إذَا ذهب منصبه السابق لمرتزِق من فصيل آخر، ولن يكون هذا مستبعَداً؛ لأَنَّ مأرب تشهد منذ سنوات صراعاً كَبيراً على النفوذ بين حزب الإصلاح (وعلى رأسه المرتزِق العرادة) والمرتزِق “بن عزيز” المحسوب على الإمارات.

 

تحاول السعوديّة أن تغطي على هذا الواقع بدعاية “هيكلة وتوحيد” قوات المرتزِقة المنقسمة والمتناحرة تحت قيادة واحدة، لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فـ”اتّفاق الرياض” كان قد حاول الاقتراب من هذه الدعاية وفشل تماماً، وبيئة الصراع المفتوحة التي يصنعها مجلس المرتزِقة الرئاسي، تجعل الأمر أقربَ إلى المستحيل، كما أن مسودة ما يسمى “القواعد المنظمة” للمرتزِقة استخدمت توصيف “التكامل” بدلاً عن “الدمج” في الحديث عن توحيد قوات المرتزِقة، وهو ما يعني أن كُـلّ فصيل عسكري سيحتفظ عمليًّا بتكوينه المستقل الذي يجعله قابلا بسهولة للخروج عن المنظومة الهشة للغاية.

 

ووفقاً لكل ما سبق، فَإنَّ الحديثَ عن “توحيد” صفوف المرتزِقة تحتَ مِظلة ما يسمى “المجلس الرئاسي” ليس فقط مُجَـرّد دعاية لا أَسَاس لها، بل إنه تناقُضٌ تامٌّ مع واقع الانقسام الكبير الذي ينطوي عليه تكوين هذا “المجلس” وكل ما يتعلق به، وهو ما يعني أن تعويلَ دول العدوان ورعاتها على إمْكَانية استخدام التشكيلة الجديدة للمرتزِقة لتحقيق مكاسبَ سياسية أَو عسكرية هو تعويل على وهم خالص.

 

المسيرة – ضرار الطيب