أفق نيوز
الخبر بلا حدود

30 نوفمبر: من طرد الاحتلال البريطاني إلى مواجهة ورثته الجُدُد

41

أفق نيوز| ربيع النقيب

لم يكن الثلاثون من نوفمبر يوم خروج آخر جندي بريطاني من عدن فحسب، بل كان يوم سقوط مشروع كامل؛ مشروع أراد لليمن أن يكونَ قاعدةً لا وطنًا، وممرًّا للمصالح لا شعبًا حُرًّا.. في ذلك اليوم، لم ينتصر السلاحُ وحدَه، بل انتصرت الإرادَة، وانتصر الوعيُ بأن الاحتلال – مهما طال – لا يصبح قدرًا.

غير أن أخطرَ ما في الاستعمار أنه لا يموت، بل يغيِّرُ شكله.. يخلع زيَّه القديم، ويتخفى بواجهات جديدة، ويبحثُ دائمًا عن وكلاء يؤدُّون مهمتَه بأقل كلفة، وأبعد عن المساءلة.

ولهذا، فإن مَن يقرأ 30 نوفمبر بوصفه ذكرى من الماضي، ولا يربطه بواقع اليوم، إنما يسيء فهم التاريخ ويخطئ قراءة الحاضر.

لقد حكم المحتلّ البريطاني جنوب اليمن بالصيغة ذاتها التي تحكم بها قوى الهيمنة الشعوب التابعة: سيطرة على الموانئ، إدارة للقرار، ونهب للثروات، مع الإبقاء على واجهة محلية من السلطات والمشايخ والإدارات التابعة.

لم يكن الاستعمار بحاجة لإدارة حياة الناس، بل كان معنيًّا فقط بضمان سكوتهم، ومنعهم من الثورة، وتأمين مصالحه الاستراتيجية.

واليوم، يعود المشهد ذاته، ولكن بلا عَلَمٍ غربي مرفوع.

فالاحتلال السعوديّ والإماراتي لا يلبس ثوب الاستعمار الكلاسيكي، لكنه يؤدي الوظيفة نفسها: قواعد عسكرية، سيطرة على الموانئ والجزر، تفكيك للمجتمع، صناعة للمليشيات، وإخضاع للقرار الوطني لإرادَة الخارج.

إنه استعمار يخجل من اسمه، لكنه لا يتخلى عن أفعاله.

في عدن، حَيثُ أعلن الجلاء قبل عقود، تتكرّر القصة بصورة أكثر وقاحة.

بالأمس، كانت القاعدة البريطانية تُدار باسم التاج، واليوم تُدار القواعد باسم “التحالف”، بينما القرار الحقيقي ليس يمنيًّا في الحالتين.

تغيرت اللغة، لكن المضمون واحد: أرض تُنهب، وشعب يُراد له أن يذل ويصمت.

وإذا كان البريطاني قد حكم بالقوة الصريحة، فإن السعوديّ والإماراتي يحكمان بمزيج من المال والقمع والفوضى؛ فوضى تُقدَّم بوصفها “تحريرًا”، وانهيار يُسوَّق على أنه “شراكة”، واحتلال يُغلَّف بخطاب الأخوة.

وهذه هي أخطر أشكال الاستعمار؛ حين لا يُقدَّم كعدو، بل كمنقذ.

إن ذكرى 30 نوفمبر تفرض علينا سؤالًا واضحًا: هل الاستقلال تاريخ نحتفل به، أم موقف نتمسك به؟ فالشعب الذي أسقط الإمبراطورية البريطانية قادر – إن امتلك الوعي نفسه – على إسقاط وكلائها الجدد، مهما تنوعت أسماؤهم وتعددت أدواتهم.

لقد علمنا التاريخ أن الاستعمار لا يُهزم بالتسويات، ولا ينسحب بالمجاملات، بل يُكسَر حين يفقد قدرته على التحكم بإرادَة الشعوب.

وهذا ما تخشاه قوى العدوان اليوم: أن تستعيد الأُمَّــة وعيها، وأن تدرك أن ما يجري ليس “نزاعًا داخليًا”، بل عدوان خارجي بأدوات محلية.

إن السعوديّة والإمارات لا تمثلان قطيعة مع الاستعمار البريطاني، بل امتدادا وظيفيًّا له.

فالوظيفة واحدة: تأمين مصالح القوى الكبرى، ومنع أي مشروع استقلال حقيقي، وإبقاء المنطقة في حالة ضعف وارتهان.

ولم يعد خافيًا أن بقاء الاحتلال السعوديّ والإماراتي ليس غايةً بحد ذاته، بل هو حلقة في مشروع أوسع يخدم مصالح العدوّ الإسرائيلي بصورة مباشرة.

فكل ميناء يُخرَج من السيادة الوطنية، وكل جزيرة تُحوَّل إلى قاعدة، وكل قرار يُنتَزع من اليد اليمنية، إنما يصُــبُّ في أمن كَيان الاحتلال الصهيوني، ويحصّنه من أي تهديد قادم من هذه الجغرافيا.

إن السعوديّة، حين تُصِرُّ على استمرار العدوان، لا تدافعُ عن حدودها كما تزعم، بل تؤدّي دورَ الحارس المتقدِّم لأمن “إسرائيل”، وتدفع من دماء اليمنيين وسيادتهم ثمن هذا الدور الوظيفي.

ولهذا، فإن معركة اليوم ليست معركة حدود ولا نفوذ، بل معركة استقلال حقيقي في مواجهة مشروع صهيوني يتخفى خلف وكلاء إقليميين.

ومن هنا، فإن الوفاء لثلاثين نوفمبر لا يكون بالاحتفال، بل بالمواجهة؛ ولا يكون بالشعارات، بل بإسقاط أدوات الاحتلال، وقطع الطريق أمام من يريد لليمن أن يبقى ساحة مفتوحة لصالح أعدائه.

فكما سقط الاستعمار البريطاني بإرادَة الشعب، سيسقط كُـلّ احتلال جديد؛ لأن الأرض التي أنجبت الاستقلال لن تقبَلَ الوَصاية، ولا الحراسة، ولا العبودية.

لقد خرج البريطانيون لأن الشعب قرّر أن يكون حُـــرًّا، وسيخرج كُـلّ محتلّ جديد حين تدرك الشعوب أن السيادة لا تُوهَب، وأن الاستقلال لا يُستعار، وأن الوطن لا يُدار من غرف خارج حدوده.

ذلك هو درس 30 نوفمبر، وذلك هو التحدّي الذي لا يزال قائمًا حتى اليوم.