أفق نيوز
الخبر بلا حدود

“العيب الأثلم”: قانون قبلي يضاعف العقوبات 121 مرة لحماية الضعفاء والمستأمنين!

45

أفق نيوز| محسن علي|

في مجتمع تحكمه الأعراف والتقاليد، حيث لكل فعل رد فعل، ولكل جريمة عقوبة، يبرز نظام قضائي قبلي فريد من نوعه ضمن مفاهيم العيوب والعتوب في العرف القبلي، يُعرف بـ”العيب الأثلم”، هذا النظام ليس مجرد مجموعة من القواعد، بل هو درع واقٍ يحمي فئات معينة من المجتمع، ويُضاعف العقوبات بشكل صارم يصل إلى 121 ضعفاً، لضمان العدالة وردع المعتدين.

فما هو هذا “العيب الأثلم”؟ ومن هم الذين تشملهم حمايته الاستثنائية؟ وكيف يُطبق هذا القانون العرفي الذي يثير الدهشة والفضول؟ نستعرض هذه المفاهيم في الجزء الـ 22 من قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن.. وعلى النحو التالي:

“العيب الأثلم” مفهومه وأسسه العرفية

يُعرف “العيب الأثلم” في المفهوم العرفي بأنه تلك الجرائم والاعتداءات التي تُقاس أحكامها بـ”محدوش المحدش” في عرض الإنسان ودمه وماله، و”محدوش المحدش” هو ناتج ضرب (11 × 11) أي 121، هذا الرقم يمثل أساساً لتغليظ العقوبة، حيث يُضاف إلى الحد الأصلي مائة وعشرون “غالياً”، ليصبح إجمالي الحكم مائة وواحد وعشرين ضعفاً.

 

فروع “العيب الأثلم”.. خمس علق للحماية

يتفرع “العيب الأثلم” إلى خمس “علق”، كل منها يمثل حالة خاصة تستوجب هذه الحماية المغلظة وهي كالتالي:

علقة المستيسر المكفول (الأسير) وهو: الشخص الذي يتم أسره في حرب أو ما في حكم ذلك، يتمتع الأسير في العرف القبلي بحصانة عرفية قبلية تُجرّم التعدي عليه، فأي اعتداء يحصل على أسير مكفول، سواء كان في عرضه، أو دمه، أو ماله، يُعتبر “عيباً أثلم” ويُحكم فيه بـ”محدوش المحدش”.

 

علقة السير المستدرج المتسنن (رفيق السفر المغدور به) وهو: رفيق السفر الذي يُبيّت له الغدر مسبقاً، بمعنى أن السفر معه كان لغرض الاعتداء عليه، بالرغم من أن هذا المستدرج لم يكن فاراً من وجه العدالة (العرفية أو الرسمية)، يتمتع السير المستدرج بحصانة عرفية قبلية تُجرّم التعدي عليه، فأي اعتداء يحصل على سير، وثبت على الجاني سبق النية للغدر به، يُعتبر “عيباً أثلم” ويُحكم فيه بـ”محدوش المحدش”، سواء كان الاعتداء في عرضه، أو دمه، أو ماله.

 

علقة أسير البطرة (المختطف) وهو: الشخص الذي يتم أسره دون أي مبرر، ويعني ذلك الاختطاف، ولأسير البطرة حصانة عرفية قبلية تُجرّم التعدي عليه في كل الأحوال، بدءاً من جريمة اختطافه، ثم كل ما يحصل عليه أثناء فترة الاختطاف، ويُعتبر كل ذلك “عيباً أثلم” ويُحكم فيه بـ”محدوش المحدش”، سواء كان الاعتداء في عرضه، أو دمه، أو ماله.

 

علقة النائم المتسنن (النائم الآمن) وهو: الشخص الخالد في نومه، والذي لم يكن هارباً أو فاراً من وجه العدالة العرفية التابعة للقبيلة، أو العدالة الرسمية التابعة للدولة. ويدخل في حكم ذلك من وضع بنادق النوم في قضية ما، لأنه أصبح متسنناً وآمناً. للنائم المتسنن حصانة عرفية قبلية تُجرّم التعدي عليه. فأي اعتداء يحصل على النائم، يُعتبر “عيباً أثلم” ويُحكم فيه بـ”محدوش المحدش”، سواء كان الاعتداء في عرضه، أو دمه، أو ماله.

 

علقة المرسل المعلن (الرسول) وهو: الرسول الناقل للرسالة بين طرفين متخاصمين (قبيلة وقبيلة، أو قرية وقرية)، والذي أعلن عن مهامه مسبقاً، وللرسول المعلن حصانة عرفية قبلية تُجرّم التعدي عليه، فأي اعتداء يحصل على هذا الرسول، يُعتبر “عيباً أثلم” ويُحكم فيه بـ”محدوش المحدش”، سواء كان الاعتداء في عرضه، أو دمه، أو ماله.

 

قضية توضيحية لكيفية تطبيق أحكام “العيب الأثلم” نستعرض قضية افتراضية:

الواقعة: قام شخص بالاعتداء على رفيق سفره (سيرة)، وافتعل فيه إصابة.

ثبت في القضية أنه تم استدراج المجني عليه من قبل الجاني لغرض الاعتداء عليه، مع أن المعتدى عليه لم يكن هارباً من أي إنصاف (سواء عبر القضاء الرسمي للدولة أو القضاء العرفي للقبيلة).

قُدر أرش الدم بمبلغ مليون ريال، ولم تتوفر أي صور من مبطلات العيب.

 

المعطيات الأساسية:

ثبوت “علقة السير المستدرج المتسنن”، وهذا يُعد “عيباً أثلم” بمحكوم “محدوش المحدش”

ثبت في القضية الاعتداء على الدم

قيمة الأرش: 1,000,000 ريال

عدم توفر أي صور من مبطلات العيب.

 

تحديد الحد الأصلي:

الحد الأصلي في العرض: رد الاعتبار بتسريح ثور ومتبوعه

الحد الأصلي في الدم: الأرش المقرر 1,000,000 ريال.

 

حكم “العيب الأثلم” (الحد الأصلي × 120 غالي):

في العرض: 1 ثور × 120 = 120 ثوراً (وهذه هي غوالي العيب في رد الاعتبار)

في الدم: 1,000,000 ريال × 120 = 120,000,000 ريال (مائة وعشرون مليون ريال، وهي قيمة غوالي العيب في الدم)

 

منطوق الحكم النهائي (بإضافة الحد الأصلي إلى الغوالي):

في العرض: تسريح مائة وواحد وعشرين ثوراً (مساق الدسم/الهجر في العرض)

في الدم: دفع مبلغ مائة وواحد وعشرين مليون ريال (1,000,000 + 120,000,000) (مساق الدم والدم)

 

ملاحظة حول “خافضات العيب”:

إذا توفرت “خافضات العيب” (وهي صور معينة من المتعيب)، فإنها تخفض المحكوم من الأحشام والغوالي إلى مستوى “حد الجبر حايزها”، بمعنى يبقى الحد الأصلي وحشمه (مثله)، ولا يُخفض من الحشم شيء.

 

خاتمة

يُعد نظام “العيب الأثلم” تجسيداً للعدالة العرفية في أبهى صورها، حيث يضمن حماية الفئات المستضعفة والمستأمنة، ويُرسخ مبدأ الردع من خلال مضاعفة العقوبات بشكل غير مسبوق،كما إن فهم هذه القوانين يُسهم في إثراء معرفتنا بالتشريعات التقليدية التي لا تزال تُشكل جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي في العديد من المجتمعات القبلية، وتُبرز مدى عمق الفكر القانوني العرفي في حفظ الأمن والسلم الأهلي.

يمانيون