أفق نيوز
الخبر بلا حدود

الفرعنة بين الأمس واليوم.. تأمُّلات بين سطور محاضرات القائد

39

أفق نيوز| سند الصيادي|

ليستا صورتَين منفصلتين في التاريخ، بل امتداد لصراعٍ دائم بين مشروعين متناقضين: مشروع يقوم على الإحسان والعدل وتحرير الإنسان، ومشروع يقوم على الطغيان وإخضاع الإنسان وكسر إرادته.

ومن هذا المنطلق قدّم السيد القائد نموذجين واضحَين يجسدان هذا الصراع الأزلي؛ موسى عليه السلام في جهة، وفرعون في الجهة المقابلة.

موسى عليه السلام ظهر في واقع بالغ القسوة، لم يمتلك سلطة ولا جيشًا ولا أدوات نفوذ مادي، لكنه امتلك ما هو أعظم أثرًا: وضوح الرسالة، والثقة المطلقة بالله، والإحساس العميق بمسؤوليته تجاه المستضعفين.

تحَرّك لإنقاذ شعبٍ مسحوق فقد القدرة على المقاومة، واجه سلطةً تدّعي الألوهية دون تردُّد، حمل عبء الرسالة في ظروف معقدة، وكان مشروعه تحرير الإنسان من الداخل قبل أي تحرّر خارجي؛ أعاد بناء الكرامة، وغرس الثقة، وكسر حاجز الخوف.

في المقابل، مثّل فرعون قمةَ الطغيان المنظّم؛ لم يكن مُجَـرّد حاكم جائر، بل كان نظام سيطرة متكامل الأركان، جمع القوة العسكرية، والهيمنة الاقتصادية، والقرار السياسي المطلق، وأحكم قبضته على المجتمع حتى وصل به الاستكبار إلى ادِّعاء الربوبية.

استخدم فرعون كُـلّ أدوات القهر لإدامة سلطته، لم يكتفِ بإخضاع الناس، بل عمل على تشكيل وعيهم بما يخدم بقاءه.

اعتمد سياسة تفتيت المجتمع، فجعل الناس شيعًا وفئات متناحرة، رفع فئة وأذل أُخرى، وأشعل التنافس والصراع الداخلي.

وبهذه الطريقة ضمن أن ينشغل الناس ببعضهم بدلًا من مواجهته.

هذه السياسة لم تغب عن واقعنا المعاصر؛ فالطغاة اليوم يوظفون الانقسامات المذهبية والعرقية والسياسية، ويغذّون الصراعات الجانبية، ويصنعون نخبًا مرتبطة بمصالحهم، والنتيجة مجتمع منقسم يسهل التحكم به.

كما استهدف فرعون البنية الاجتماعية في عمقها؛ ذبح أبناء المستضعفين لكسر قوتهم المستقبلية، واستحيا النساء لإذلال المجتمع وإفساده، وكان يدرك أن تحطيم الأسرة يسهّل إخضاع الأُمَّــة.

الصورة اليوم تختلف في الوسائل لكنها تتشابه في الأهداف؛ يُستنزف الرجال عبر الحروب العبثية، أَو الإفقار، أَو الإشغال الدائم، وتُستهدف النساء بثقافة تمييع القيم وتحويلهن إلى أدوات استهلاك، وإضعاف الأسرة يفتح الطريق لهيمنة أوسع.

الطغيان المعاصر أكثر تعقيدًا؛ لا يعلن ادِّعاء الألوهية كما فعل فرعون، لكنه يمارس أدوارًا مشابهة بوسائل حديثة، يفرض أنظمة اقتصادية تُخضع الشعوب، ويحتكر الإعلام لصياغة الوعي، ويعيد تعريف القيم بما يخدم مصالحه.

الطغيان المعاصر يحاصر أي مشروع تحرّري مستقل، وفي مواجهة ذلك يبرز النموذج الموسوي كمنهج دائم؛ يبدأ بإحياء الوعي، ويعيد ربط الناس بالله، ويبني تماسكًا أخلاقيًّا واجتماعيًّا، ويحرّر الإنسان من الخوف أولًا، ثم يدفعه لتحمّل مسؤوليته في نصرة المستضعفين.

هذا المسار لا يقوم على رد الفعل المؤقت، بل على بناءٍ طويل النفس.

الصراع إذَا لم يكن حادثةً تاريخيةً منتهية، بل هو سنّة مُستمرّة؛ في كُـلّ زمن يظهر طغاة بأشكال مختلفة، ويظهر في المقابل أعلام مؤيَّدون من الله، يحتاجون إلى دعم وإسناد وتسليم شعبي، ليحملوا مشروع الحق وينصروه.

تتغير الأدوات، لكن الجوهر ثابت، ويبقى التحدي الحقيقي في موقع الإنسان داخل هذا الصراع: هل ينحاز للعدل مهما كان الثمن، أم يختار الصمت تحت وطأة القوة؟

بهذا الفهم يتحول الحديث عن فرعون من قصة ماضية إلى معيار حاضر، معيار يُقاس به الواقع، وتُفهم به ممارسات الطغيان، ويُستعاد من خلاله طريق التحرّر.