﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾: مَلْحَمَةُ التَّمْكِينِ مِنْ أَرْضِ الْإِيمَان
أفق نيوز| محمد فاضل العزي|
إنّ المتأمل في سنن الله في خلقه يجد أن «الاستضعاف» ليس نهاية المطاف للأمم المؤمنة، بل هو المختبر الإلهي الذي تُصقل فيه النفوس، ويُستخرج منه خبء القلوب.
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم تنزيله:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5].
هذا الوعد ليس مُجَـرّد ذكرى لموسى وقومه، بل هو قانون جارٍ، يتجلى اليوم في أبهى صوره على أرض اليمن العزيز.
اليمن – من «متربة» التهميش إلى «محراب» القيادة
لقد أرادت قوى الاستكبار العالمي –بقيادة أمريكا وحلفائها– أن يظل اليمن بلدًا منهكًا، حقلًا لتجارب أسلحتهم، ومادةً لسخريتهم السياسية.
لكن إرادَة الله كانت تهيّئ لليمن شأنًا لم يدركه «المنبطحون».
لقد تحقّق في اليمن اليوم مصداقُ قوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾؛ فمن شعب كان يُنظر إليه بعين الشفقة أَو الاستعلاء، إلى شعب يقود اليوم دفة المواجهة مع «أئمة الكفر» في البحر الأحمر، نصرةً لغزة المظلومة.
لقد استبان لنا اليوم سر الوصف النبوي الخالد: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية»؛ فهذه الحكمة هي التي تجلّت في التسليم لـ«قيادة ربانية» مصطفاة، لم تخترها الصدف، بل أهّلها الله بالتقوى والحلم والبصيرة، لتجسد قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: 54].
معركة «الفتح الموعود» وفضح النفاق
إن ما يسطره اليمن اليوم في مواجهة كَيان الاحتلال الصهيوني وفرض الحصار عليه، هو التطبيق العملي للتمكين؛ التمكين الذي لا يأتي بالرفاهية، بل يأتي بالبلاء والجهاد.
وهنا يبرز الوعي كفيصل بين الحق والباطل؛ فبينما يرى المؤمنون في هذه الضربات «نصرًا وعزة»، يراها المنافقون والذين في قلوبهم مرض «مغامرةً وطيشًا»، وفي هؤلاء يقول الله:
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 47].
إن وعي الأُمَّــة هو الحصن الأخير؛ فالمستضعف الذي لا يزال يرى في عدوه «خلاصًا» هو مستضعف في عقله قبل أرضه.
والتمكين لا يكتمل إلا بتنقية الصفوف، ليكون الاستخلاف لمن استوفى شروط الإيمان والثبات:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105].
التمكين – خطوات واثقة نحو «الوراثة»
إن التمكين يخطو اليوم خطوات سريعة؛ فاليمن المحاصر بالأمس يحاصر الطغاة اليوم، واليمن الذي كان يُراد له الجوع بات هو من يقطع شريان إمدَاد كَيان الاحتلال الغاصب.
هذا هو الانتقال من حالة «الاستضعاف» إلى حالة «الوراثة» والسيادة.
إننا أمام مرحلة لا تقبل القسمة على اثنين؛ فإما تسليم مطلق للقيادة التي منّ الله بها علينا، وإما ارتكاس في وحل التبعية.
والوعد الإلهي بالتمكين مشروط بنصرة الله ومبادئه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
ختامًا:
إن ما وهب الله اليمن من قيادة ربانية في زمن التيه هو «المنّة» الكبرى التي ستغير وجه التاريخ.
وليعلم العالم أن اليمن لم يعد «حقل تجارب»، بل أصبح «مدرسة للتحرّر»، وأن التمكين القادم لن يتوقف عند حدود الجغرافيا، بل سيمتد ليطهر الأُمَّــة من رجس الاستكبار، تصديقًا لقوله تعالى:
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: 137].