قصة موسى وواقع الأُمَّــة: معركة وعي وثقة بالله
أفق نيوز| عبدالمؤمن محمد جحاف|
في زمنٍ تتكاثر فيه مشاهد الاستضعاف، وتتحَرّك فيه قوى الطاغوت بجرأة غير مسبوقة، جاءت المحاضرة الرمضانية الخامسة للسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي “أيَّده الله” لتعيد توجيه البُوصلة نحو التاريخ القرآني؛ بوصفه مرآةً للحاضر، ومخزونًا إلهيًّا للدروس والعِبر.
منذ البدء، رسمت المحاضرة صورة الواقع كما هو: حالة استضعاف تعيشها الأُمَّــة، مقابل قوى متغطرسة تمارس ظلمها بلا مواربة.
لكن المفارقة التي توقف عندها السيد القائد بعمق، هي أن الأدوار قد تبدلت؛ فالذين كانوا في زمن فرعون عنوانًا للاستضعاف، أصبحوا في عصرنا عنوانًا للطغيان، بل تجاوزوا فرعون نفسه في العلو والاستكبار.
طغيان يتجدد.. ومخطّطات لا تخفى
لم يكن الحديث عن الطغيان حديثًا تاريخيًّا مُجَـرّدا، بل إسقاطا مباشرًا على واقع الأُمَّــة اليوم.
فالمخطّطات التي تستهدف وعيها وهُويتها لا تتوقف، والسعي مُستمرّ لجعلها أُمَّـة غير مبالية بما يجري حولها، أُمَّـة تتعايش مع تدنيس مقدساتها، ومع تمديد فترات اقتحام المسجد الأقصى من قبل المغتصبين الصهاينة، دون أن تهتز فيها نخوة أَو تتحَرّك فيها مسؤولية.
وفي هذا السياق، أشار السيد القائد إلى خطورة التصريحات الأمريكية الأخيرة التي تتحدث صراحة عن أحقية كَيان الاحتلال بالسيطرة على المنطقة “من الفرات إلى النيل”، في تعبير واضح عن دعم مشروع ما يُسمى بـ”إسرائيل الكبرى”، بما يكشف بجلاء طبيعة الموقف الأمريكي المنحاز بالكامل للهيمنة الصهيونية على منطقتنا العربية والإسلامية.
إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، ومعركة ثقة بالله قبل أن تكون معركة موازين قوى.
أمة مستهدفة.. وسبيل خلاص واحد
أكّـدت المحاضرة أن الأُمَّــة مستهدفة في عقيدتها، ووجودها، ومقدساتها، وأن إدراك هذا الاستهداف هو الخطوة الأولى نحو النجاة.
أما سبيل الخلاص، فليس إلا في الاعتصام بالله سبحانه وتعالى؛ رجوع صادق، واعٍ، وعملي، يتحول فيه الإيمان من حالة وجدانية إلى حركة في الواقع، ومن قناعة ذهنية إلى مشروع مواجهة.
الله لا يريد لعباده أن يظلموا، ولا يترك الطغاة يتمادون بلا حساب.
فهو العزيز الحكيم، القوي الجبار، الذي قال في كتابه الكريم:
أَلَـمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَـمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأكثروا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْـمِرْصَادِ.
إنها قاعدة قرآنية ثابتة: للظلم سقف، وللطغيان نهاية، وللباطل جولة لا تدوم.
من قصة موسى.. إلى معادلات الحاضر
ومن أعمق محاور المحاضرة، الوقوف عند تجربة نبي الله موسى عليه السلام؛ باعتبَارها نموذجًا عمليًّا لتدبير الله في خلاص المستضعفين.
فالله لا يغيّر الواقع بمعزل عن الناس، بل يهيئ من أنفسهم من يكون أدَاة التغيير، ويجري تدبيره الإلهي على أيديهم.
كانت بداية الحكاية مع أُم موسى، امرأة مؤمنة تواجه أخطر قرار يمكن أن تتخذه أم: أن تضع وليدها في اليم.
وَأَوْحَيْنَا إلى أم مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْـمُرْسَلِينَ.
تلك الآية، كما أوضح السيد القائد، ليست مُجَـرّد نص قرآني يُتلى، بل بشارة عظيمة تختزل معاني الثقة المطلقة بالله.
أم موسى لم تكن تُقدم على خطوة عاطفية، بل على فعل إيماني عميق، استند إلى وحي وتعليمات ربانية، في لحظة تختلط فيها مشاعر الخوف بالأمل.
ذهبت إلى الخطر ذاته، لكنها لم تذهب وحدها؛ رافقتها رعاية الله.
وكانت طريقة النجاة عجيبة: الطفل الذي أُلقي في اليم خوفًا من بطش فرعون، يصل إلى قصر فرعون نفسه، لكن تحت عين العناية الإلهية، لا تحت قبضة الطاغية.
موسى عليه السلام واجه خطرين متزامنين: خطر الغرق في البحر، وخطر الوصول إلى يد فرعون، لكن إرادَة الله كانت حاضرة، أقوى من البحر، وأعلى من عرش الطاغية.
رسالة المحاضرة.. ثقة لا تهتز
تؤكّـد المحاضرة أن قدرة الله مطلقة، وأن المتغيرات بيده، وأن ما يبدو مستحيلًا في حسابات البشر قد يكون أقرب إلى التحقّق حين يتصل العبد بربه اتصالا صادقًا.
كما أهلك الله فرعون بطغيانه، وأنقذ المستضعفين، فإن سنته لا تتبدل.
التدبير الإلهي ليس أُسطورة تاريخية، بل واقع يتجدد متى ما توفرت شروطه: إيمان، ووعي، وصبر، وحركة في سبيل الله.
هكذا أراد السيد القائد في المحاضرة أن يقول للأُمَّـة: لا تنخدعوا بعلو الطغاة، ولا تيأسوا من واقع الاستضعاف.
فكما خرج موسى من قلب البحر ليواجه فرعون، يمكن أن يخرج من قلب المعاناة مشروع خلاص، إذَا كان الاعتصام بالله هو الأَسَاس، والثقة بوعده هي العنوان.
إنها دعوة لإحياء روح موسى في أُمَّـة تواجه فرعونًا جديدًا، ودعوة للثبات في زمن الاضطراب، ولليقين بأن الله – كما قال عن نفسه – ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.