أفق نيوز
الخبر بلا حدود

وعيٌ يحبط المؤامرات وإحسانٌ يصنع التمكين

38

أفق نيوز| أعده للنشر | طارق الحمامي

في الدرس الرمضاني السابع عشر يسلّط السيد القائد حفظه الله الضوء على محطة مهمة من قصة نبي الله موسى عليه السلام، من خلال درس الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى وما تضمنه من أبعاد تربوية وأمنية وأخلاقية وإنسانية عميقة، تمس واقع الأمة اليوم وتقدم لها دروسًا عملية في كيفية مواجهة التحديات والمؤامرات،  وقد ركّز السيد القائد في هذا الدرس على جملة من الدلالات المهمة التي تتجاوز الإطار القصصي القرآني إلى فضاء الوعي الحضاري والإنساني للأمة، مؤكداً أن القرآن الكريم يقدم للأمة منهجاً عملياً لبناء الوعي، وتعزيز المسؤولية الجماعية، وترسيخ القيم الإيمانية والأخلاقية في مواجهة مشاريع الإفساد والاستهداف التي تتعرض لها.

الوعي الأمني ومسؤولية المجتمع

من أبرز ما توقف عنده السيد القائد في هذا الدرس هو أهمية المعلومات ذات الصلة بالجوانب الأمنية والعسكرية، خصوصاً تلك التي تستهدف المستضعفين والمظلومين، مشيراً إلى أن المبادرة في نقل هذه المعلومات قبل فوات الأوان تمثل مسؤولية كبيرة، وأن البلاغات الأمنية من قبل عامة الناس تمثل عاملاً مهماً في إحباط مخططات الأشرار،  ويستفاد من هذا الدرس القرآني أن الوعي الأمني ليس مسؤولية جهة محددة فقط، بل هو مسؤولية مجتمعية عامة، حيث يمكن لأي فرد أن يكون سبباً في إنقاذ مجتمع بأكمله من خطر محدق، كما فعل الرجل المؤمن الذي بادر إلى تحذير نبي الله موسى عليه السلام من مؤامرة القتل التي كان يخطط لها نظام فرعون،  ويحمل هذا التوجيه القرآني رسالة واضحة للأمة في واقعها المعاصر، بضرورة اليقظة تجاه المخططات العدائية والمؤامرات التي تستهدف أمنها واستقرارها، وعدم التهاون في التعامل مع أي معلومات يمكن أن تسهم في حماية المجتمع.

التوكل على الله في لحظات الخطر

وفي سياق حديثه عن خروج نبي الله موسى عليه السلام من المدينة، بيّن السيد القائد أن موسى خرج بشكل عاجل ومن دون أي استعداد مسبق، وهو ما جعله يواجه جملة من المخاطر والتحديات؛ من فقدان الأمن، والغربة، والجوع، وعدم معرفته بالطريق،  لكن هذا الوضع الصعب لم يكن سبباً في انهياره أو يأسه، بل اتجه مباشرة إلى التوكل على الله والالتجاء إليه، وهو ما يعكس عمق الارتباط بالله والثقة بعنايته ورعايته،  ويبرز هذا الموقف حقيقة إيمانية عظيمة، وهي أن الارتباط بالله أعظم من الارتباط بأي قوة مادية، وأن المؤمن حين يثبت على موقفه الحق ويثق بالله فإن الله لا يضيعه، مهما كانت الظروف والتحديات.

مدين .. محطة التحول في مسيرة موسى

وأشار السيد القائد إلى أن وصول موسى عليه السلام إلى مدين لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل كان بداية لمرحلة جديدة في حياته، حيث كانت مدين منطقة لا تخضع لسلطة فرعون، وتمتاز بموقع جغرافي مهم، وكان يسكنها نبي الله شعيب عليه السلام وقومه،  وقد وصل موسى إلى هناك وهو في حالة من التعب الشديد والمعاناة، بعد رحلة هروب طويلة، لكنه رغم ذلك لم يفقد إنسانيته وروحية الإحسان التي يحملها.

روح الإحسان في أصعب الظروف

ومن أبرز الدروس التي توقف عندها السيد القائد في هذه القصة القرآنية روحية الإحسان والاهتمام بالآخرين، حيث إن موسى عليه السلام، رغم حالته الصعبة من التعب والجوع والغربة، لم يتجاهل معاناة المرأتين اللتين كانتا تقفان بعيداً عن الناس في انتظار فرصة لسقي أغنامهما،  فبادر بالسؤال عن حالهما، ثم تقدم ليسقي لهما، في موقف يجسد أسمى معاني الإنسانية والإحسان،  ولفت السيد القائد إلى أن هذا المشهد يعكس القيمة الإيمانية العظيمة للإحسان، وهي قيمة ينبغي أن تكون حاضرة في حياة الأمة، في حين أن الواقع المعاصر يشهد تراجعاً كبيراً في هذه الروحية، حتى أصبح كثير من الناس لا يسأل عن حال الآخرين ولا يهتم بمعاناتهم.

الحشمة والحياء .. قيم إنسانية وإيمانية

كما توقف السيد القائد عند موقف المرأتين اللتين لم تزاحما الرجال عند الماء، بل انتظرتا حتى ينتهي الناس، وهو ما يعكس روح الحشمة والعفة التي ينبغي أن تتحلى بها المرأة،  وأشار إلى أن هذا السلوك يمثل درساً مهماً في القيم والأخلاق، خصوصاً في ظل ما وصفه بالمشروع العدائي الذي يستهدف المرأة في أخلاقها وحشمتها وكرامتها، ويسعى إلى تفريغها من القيم الإيمانية والإنسانية،  وفي هذا السياق شدد السيد القائد على أن الحياء قيمة إيمانية عظيمة، وهو من أهم مراكز الإيمان، وميزة أخلاقية رفيعة ينبغي الحفاظ عليها لدى الرجال والنساء والشباب على حد سواء،  وأوضح أن فقدان الحياء يفتح الباب أمام ارتكاب الكثير من السلوكيات المنحرفة والمخزية التي تتنافى مع القيم الإنسانية والإيمانية، مؤكداً أن الحياء يمثل احتراماً للنفس والكرامة والإنسانية، وهو ما يميز الإنسان عن الحيوان.

بركات الإحسان الإلهية
ومن الدلالات المهمة التي أشار إليها السيد القائد أن الإحسان لا يضيع عند الله، وأن بركاته قد تتجاوز بكثير حجم العمل نفسه، فذلك العمل البسيط الذي قام به موسى عليه السلام سقي الأغنام بدلو من الماء  كان في الحقيقة فاتحة خير عظيمة في حياته، حيث تحول إلى بداية لمرحلة جديدة من الرعاية الإلهية،  فعندما عادت المرأتان إلى والدهما وأخبرتاه بما فعله موسى، حرص الأب الصالح على مكافأته على معروفه، فدعاه إلى بيته، وهناك قص موسى قصته كاملة، فبشره الشيخ الصالح بالنجاة من القوم المجرمين،  وهنا تجلت الرعاية الإلهية التي تكفلت بتأمين حياة موسى عليه السلام، حيث وجد الأمن بعد الخوف، والعمل بعد الحاجة، والأسرة بعد الغربة.

الثقة بالله ..  بداية الصعود

وبيّن السيد القائد أن موسى عليه السلام حين جلس تحت الظل وهو متعب وجائع وغريب، لم يكن نادماً على موقفه الحق في مواجهة الظلم، بل كان معتزاً بموقفه وواثقاً بالله،  ومن تلك اللحظة التي بدا فيها وكأنه في “حالة الصفر” بدأ المشوار التصاعدي في حياته، الذي أثبت أن الله لا يضيع أولياءه ولا يتخلى عن عباده الصادقين.
دروس للأمة في واقعها المعاصر،  وفي ختام الدرس تتجلى مجموعة من الرسائل العميقة التي تحملها هذه القصة القرآنية للأمة في واقعها اليوم، ومن أبرزها،  أهمية الوعي الأمني والمبادرة في مواجهة المخاطر والمؤامرات، وضرورة التوكل الحقيقي على الله والثقة برعايته في أحلك الظروف،  وتعزيز روح الإحسان والتكافل الاجتماعي في حياة الأمة.
التمسك بالقيم الأخلاقية والإيمانية وعلى رأسها الحياء والعفة، وكذلك اليقين بأن الله لا يضيع أولياءه وأن الثبات على الموقف الحق هو طريق النصر والتمكين،  وبذلك يقدم هذا الدرس القرآني  نموذجاً عملياً لبناء الإنسان المؤمن الواعي، الذي يجمع بين الإيمان العميق، والوعي المسؤول، والقيم الأخلاقية الرفيعة، في مواجهة مشاريع الظلم والإفساد التي تستهدف الأمة في دينها وأمنها وأخلاقها.

يمانيون