مقامرة الانبطاح.. كيف تبيع الأنظمة الخليجية أمن المنطقة لترامب وللصهاينة مقابل سراب النصر على إيران؟
أفق نيوز|
في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، وبينما تقف القوى الدولية الكبرى في حالة ذهول أمام الصمود الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية في إيران، تندفع أنظمة عربية وإسلامية نحو هاوية سحيقة تحت مسمى “التحالف مع واشنطن”.
إن ما يكشفه الإعلام الغربي اليوم ليس مجرد تعاون عابر، بل هو “انبطاح بنيوي” وتواطؤ يتجاوز الدعم السياسي إلى الانخراط اللوجستي والمالي والعسكري المباشر في العدوان على طهران.
وبينما تعترف مراكز الدراسات في واشنطن ولندن بفشل الخيار العسكري في كسر الإرادة الإيرانية، تصر عواصم خليجية على لعب دور “رأس الحربة” في مشروع صهيوني-أمريكي متهالك، باحثة عن انتصار وهمي لن يحصدوا منه سوى رماد الحروب واستنزاف الثروات.
هذا التقرير يسلط الضوء على خفايا هذا التواطؤ، وكيف تحولت بعض العواصم إلى منصات لاستهداف العمق الإيراني، مقابل اقتدار طهراني قل نظيره.
قاعدة الملك فهد والارتماء في الحضن الأمريكي
لم يعد الحديث عن “الحياد العربي” سوى نكتة سمجة في أروقة السياسة الدولية.
فقد كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الرياض لم تكتفِ بالصمت، بل فتحت أبوابها على مصراعيها للقوات الأمريكية، سامحة باستخدام قاعدة الملك فهد الجوية كمنطلق لعمليات عدوانية محتملة ضد إيران.
هذا التحول الدراماتيكي يعكس ضيق الأفق الاستراتيجي؛ ففي الوقت الذي تبحث فيه القوى العالمية عن مخرج من “ورطة ترامب”، تندفع الرياض لتكون وقوداً لنار لا تبقي ولا تذر.
إن تحويل القواعد الجوية في شبه الجزيرة العربية إلى مراكز إسناد للعدو الصهيوني والأمريكي هو طعنة في خاصرة الاستقرار الإقليمي، ومقامرة صريحة بأمن الطاقة العالمي الذي طالما ادعت هذه الأنظمة حرصها عليه.
أبوظبي وحرب الأصول.. التضييق بالوكالة
وبالتوازي مع التحرك العسكري السعودي، تبرز أبوظبي كلاعب مالي وأمني يحاول خنق النفس الإيراني عبر إجراءات مشددة على المؤسسات والأصول المرتبطة بطهران.
إن هذا السلوك يعكس رغبة إماراتية في تقديم “أوراق اعتماد” للصهيونية العالمية، ظناً منها أن التقرب من “تل أبيب” سيمنحها حصانة من تقلبات الجيوسياسة.
لكن الحقيقة التي يغفلها صانع القرار في أبوظبي هي أن إيران، التي صمدت لعقود تحت أقسى أنواع العقوبات، طورت اقتصاداً مقاوماً قادراً على الالتفاف على هذه الصبيانية السياسية.
إن التضييق على الأصول الإيرانية ليس إلا محاولة بائسة لتعويض الفشل العسكري الميداني بضجيج اقتصادي لا يغني ولا يسمن من جوع.
ولي العهد السعودي وترامب.. الرهان على الرجل المأزوم
تشير صحيفة “نيويورك تايمز” بوضوح إلى أن ولي العهد السعودي يرى في عودة ترامب ونهجه العدواني “فرصة تاريخية” لإعادة تشكيل المنطقة.
هذا المنظور الضيق يعكس حالة من الانفصال عن الواقع؛ فالمراهنة على رئيس أمريكي يصفه محللون غربيون بأنه “وقع في ورطة من صنعه” هي مراهنة على حصان خاسر.
إن الرغبة السعودية في إضعاف إيران بأي ثمن، ولو كان ذلك عبر تدمير مقدرات المنطقة، تكشف عن عقلية تصفية الحسابات الضيقة التي تتصادم مع منطق الدولة ومسؤولية حماية الاستقرار.
هؤلاء ينسون أن ترامب، الذي يحثونه على مواصلة العدوان، ينظر إليهم كـ “أدوات تمويل” لا كشركاء استراتيجيين، وهو ما أكدته مواقفه السابقة التي أذلت هذه الأنظمة علانية.
بوابة الأردن والتعويض الاقتصادي للكيان الصهيوني
وفي خضم العدوان، لا تتوانى أنظمة أخرى عن تقديم خدمات “إغاثية” للعدو الصهيوني لتعويضه عن خسائره الناتجة عن الحصار البحري والميداني.
ما كشفته قناة “كان” الصهيونية عن مشروع “بوابة الأردن” (المنطقة الصناعية المشتركة) المدعوم إماراتياً، يمثل ذروة السقوط القومي.
إن محاولة ربط اقتصاديات المنطقة بالكيان الصهيوني في وقت يمارس فيه الأخير أبشع أنواع الإبادة والعدوان، هي محاولة لإنقاذ المشروع الصهيوني من الانهيار الداخلي.
هذا “الجسر البري” والتعاون الاقتصادي ليس إلا وسيلة لمنح العدو غطاءً إقليمياً، وتخفيف الضغط الذي يمارسه محور المقاومة على شرايين الاقتصاد الصهيوني.
الاقتدار الإيراني.. ثبات في وجه العاصفة
وفي المقابل، تقف طهران شامخة، تدير المعركة بحكمة واقتدار أذهل الصديق والعدو.
تؤكد تقارير صحيفة “التليجراف” البريطانية أن إيران لن تردخ، وأن التهديد بإغلاق مضيق هرمز ليس مجرد مناورة، بل هو سلاح استراتيجي تمسك طهران بمقبضه بقوة.
لقد أثبتت العمليات الإيرانية التي طالت “يافا” وكامل الأراضي المحتلة أن الردع الإيراني ليس مجرد شعارات، بل هو واقع ملموس يربك الملاحة الدولية ويرفع أسعار الوقود، مما يضع الاقتصاد العالمي بأسره تحت رحمة القرار الإيراني.
إن قبضة طهران على الممرات المائية الحيوية جعلت من “ورطة ترامب” مأزقاً عالمياً، حيث فشلت كل الضغوط في إسقاط قدرة الجمهورية الإسلامية على الرد المزلزل.
الفارق بين المنظور الغربي والانبطاح العربي
ومن المفارقات المضحكة المبكية التي يبرزها التقرير، هو أن الدول الغربية نفسها بدأت تنأى بنفسها عن المشاركة في عدوان محكوم عليه بالفشل، بينما تتسابق الأنظمة المنبطحة لتقديم التسهيلات.
الإعلام الغربي يعترف بوضوح أن إيران أصبحت قوة لا يمكن تجاوزها، وأن استهدافها سيعني حرباً مفتوحة ومستنزفة بلا أفق.
وبينما يبحث الغرب عن مسارات دبلوماسية لحفظ ما وجهه، تندفع الرياض وأبوظبي للمقامرة بكل شيء، مقدمة أمن شعوبها واقتصادها قرباناً على مذبح “الصهيونية العالمية”.
إنه ضيق أفق تاريخي يجعل من هذه الأنظمة مجرد “كومبارس” في مسرحية دولية، بينما تلعب إيران دور البطولة كقوة إقليمية عظمى تفرض شروطها على الجميع.
التداعيات الكارثية للتبعية الإقليمية
إن الأنظمة التي تنخرط خلف ترامب اليوم ستجد نفسها قريباً عالقة في رمال متحركة.
فالحرب التي يشعلونها لن تبقى محصورة في الحدود الإيرانية، بل ستمتد لتحرق عروشهم وقواعدهم التي فتحوها للأجنبي.
إن منطق “تصفية الحسابات” مع طهران سيؤدي بالضرورة إلى استنزاف هائل للثروات الخليجية التي كان من المفترض أن تُسخر للتنمية، لا لتدمير الجار المسلم.
إن التاريخ لن يرحم أولئك الذين استبدلوا أخوة الدين والجغرافيا بتبعية ذليلة لمن لا يرى فيهم سوى “بقرة حلوب”.
الخاتمة: انتصار الإرادة وانكسار التبعية
ختاماً، يظهر المشهد بوضوح تام: جبهة تقودها إيران بمواقف مبدئية واقتدار عسكري وعمق استراتيجي، وجبهة أخرى تمثلها “أنظمة الانبطاح” التي تقتات على فتات الموائد الصهيونية والأمريكية.
إن كل المعطيات تؤكد أن الغلبة في النهاية ستكون لمن يملك الأرض والإرادة، لا لمن يملك المال والقواعد المؤجرة.
إن “مقامرة الانبطاح” التي تمارسها بعض العواصم الخليجية لن تؤدي إلا إلى تعزيز الاستقطابات الحقيقية في المنطقة، حيث يبرز من يدافع عن كرامة الأمة ومن يبيع أمنها مقابل “سراب”.
ستبقى طهران هي الرقم الصعب في المعادلة، وسيبقى المتواطئون عالقين في صفحات الخزي، يراقبون سقوط مشاريعهم الواحد تلو الآخر أمام عنفوان الحق والاقتدار الإيراني.
يمانيون