بعد أربعين يومًا من التصعيد العسكري المكثّـف، تتجه الأنظار نحو نتائج المواجهة الأخيرة بين الاحتلال الإسرائيلي ولبنان، والتي كشفت عن تحولات ميدانية واستراتيجية غير مسبوقة.

فشل العدوّ في تحقيق أهدافه المعلنة، وعلى رأسها كسر قدرات المقاومة أَو فرض معادلة ردع جديدة؛ ما وضع صُناع القرار في كَيان الاحتلال أمام خيارَين كلاهما صعب: الاعتراف بالهزيمة، أَو الانزلاق إلى مواجهة أوسع وأكثر كلفة وخسارة.

في الميدان، أظهرت المواجهة تطورًا لافتًا في أداء حزب الله، سواء من حَيثُ استخدام الطائرات المسيّرة، أَو تكتيكات الإخفاء والتمويه، أَو إدارة النيران بشكل دقيق ومؤثر؛ فقد حول حزب الله المواجهة إلى حرب استنزاف ذكية، تعتمد على ضرب نقاط حساسة داخل العمق، مع الحفاظ على قدرات المقاومة واستمراريتها.

في المقابل، بدا أن الجيش الإسرائيلي يواجه صعوبة في التعامل مع هذا النمط القتالي، حَيثُ لم تنجح الضربات الجوية المكثّـفة في إضعاف البنية العملياتية للمقاومة، بل زادت من تعقيد المشهد ورفعت كلفة الاستمرار في العمليات.

ولم يعد التفوق التكنولوجي ضمانة للنصر، في ظل حزب الله الذي يجيد التكيف ويعرف كيف يضرب في الوقت والمكان المناسبين.

هذا التحولُ الميداني انعكس مباشرة على الداخل الإسرائيلي، حَيثُ بدأت الأسئلة تتصاعد حول جدوى الحرب وأهدافها.

القيادة السياسية تجد نفسها في مأزق حقيقي: الاعتراف بالفشل قد يكلّفها داخليًّا ويهز ثقة الجمهور، بينما التصعيد يحمل مخاطر أكبر، خَاصَّة إذَا اتسعت رقعة المواجهة إقليميًّا.

فالجبهة اللبنانية لم تعد معزولة، بل أصبحت جزءًا من جبهات مترابطة، ما يجعل أي خطوة غير محسوبة قابلة لإشعال أكثر من ساحة في آن واحد، وقد تستنزف القدرات العسكرية والاقتصادية للاحتلال على المدى الطويل.

السيناريو الأخطر يكمن في الانزلاق إلى “المستنقع”، فحزب الله يعتمد على الاستنزاف وتفكيك القوة تدريجيًّا.

كما أن تكتيكات المقاومة المتطورة، التي تجمع بين العمل الاستخباراتي، والضربات الدقيقة، والحرب النفسية، تجعل أي تقدم بري يواجه بتكلفة عالية، وأي تفوق جوي غير حاسم، وأي تراجع يُفسر كضعف، ما يضع كَيان الاحتلال في حلقة مغلقة يصعب الخروج منها دون خسائر استراتيجية.

ما بعد هذه المواجهة ليس كما قبلها، فصورة الردع الإسرائيلي التي يتفاخر بها تعرضت لاهتزاز واضح، في مقابل اتّجاه حزب الله إلى تثبيت معادلة ردع قائمة على القدرة على الصمود والتأثير المُستمرّ.

هذه المعادلة تعني أن أية حرب قادمة ستكون طويلة ومفتوحة على احتمالات متعددة.

في الأخير، اليوم تحول فشل العدوّ إلى مؤشر على مرحلة جديدة تتآكل فيها معادلات التفوق التقليدي، حَيثُ يبرز فيها حزب الله كقوة قادرة على فرض توازن مختلف في لبنان.

كَيان الاحتلال الإسرائيلي اليوم ليس أمام خيارات سهلة: إما القبول بواقع ميداني جديد منهزم يعكس تراجع قدرته على الحسم، أَو التورط في مواجهة أوسع قد تتحول إلى مستنقع استنزاف طويل الأمد لا يمكن إغلاقه بسهولة.

وبين هذَين المسارَين، تبدو كُلفةُ الخيارات أعلى بكثيرٍ من المكاسب، في ظل قوة حزب الله الذي بات أكثر خبرة وتنظيمًا وقدرة على فرض قواعد اشتباك معقدة.