دول الخليج.. بين التحذير وفخّ التورط
أفق نيوز| عبدالله علي هاشم الذارحي
في لحظةٍ شديدةِ الحساسية، تتزايَـدُ محاولات العدوّ الصهيو أمريكي لجرّ دول الخليج إلى مسارات خطيرة، عنوانها العريض الشراكة الأمنية مع أمريكا، وهي في حقيقتها العميقة التورّط في خطط العدوّ وخدمة أجنداته.
هذه المحاولات ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر إلحاحًا وخطورة، في ظل تحولات كبرى تشهدها المنطقة، وصعود محورٍ يرفض الهيمنة ويعيد رسم معادلات القوة.
لقد أثبتت التجارب السابقة إلى اليوم أن الانخراط في مشاريع العدوّ يفتح أبواب الفوضى والاستنزاف، ولا يجلب الأمن ولا الاستقرار.
من العراق إلى سوريا، ومن أفغانستان إلى اليمن، كانت النتيجة واحدة: دول منهكة، وشعوب تدفع الثمن، فيما يحصد العدوّ المكاسب السياسية والاقتصادية والعسكرية.
في هذا السياق، تأتي تحذيرات السيد القائد واضحة وصريحة، فحين يؤكّـد بأكثر من خطاب أن العدوّ الأمريكي والإسرائيلي لا يسعيان إلا لتوظيف الآخرين كأدوات في معاركهما، وأن من يظن أنه سيكون شريكًا في القرار إنما يخدع نفسه؛ لأنه في الحقيقة مُجَـرّد وقود لمشاريع لا تخدم إلا أعداء الأُمَّــة.
هذا التحذير قراءة دقيقة مبنية على وقائع وتجارب متراكمة.
إن أخطر ما في هذه المرحلة هو محاولة تسويق التورّط على أنه حماية للمصالح، أَو ضمان للأمن.
بينما الحقيقة أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالارتهان للعدو، ولكن بالاستقلال في القرار، وبناء علاقات متوازنة، وتجنب الدخول في صراعات لا ناقة لدول الخليج فيها ولا جمل، خَاصَّة وأن فاقد الشيء لا يعطيه.
ومعلوم أن المواجهة ضد قوى إقليمية كبرى أَو الانخراط في حروب بالوكالة يهدّد الاستقرار الداخلي ويستنزف الموارد لعقود.
بالتالي فإن السيد القائد شدّد في أكثر من مناسبة وأكّـد على أن خيار الأُمَّــة الصحيح هو الوقوف في وجه العدوّ، لا العمل تحت مِظلته.
وأن من أخطر الأخطاء أن تتحول بعض الأنظمة إلى أدوات بيد أمريكا وكَيان الاحتلال، تنفذ مخطّطاتهما ضد شعوب المنطقة.
فهذا لن يحقّق لها الحماية، إنما يجعلها في دائرة الاستهداف حين تتغير المصالح أَو تنتهي صلاحية الدور.
اليوم، دول الخليج أمام مفترق طرق حقيقي:
إما أن تتعلم من دروس الماضي وتتبنى سياسة تحافظ على سيادتها وتوازنها، أو تنجرّ خلف إغراءات زائفة تقودها إلى مستنقع الصراعات.
وما يحدث في المنطقة من تحولات، خَاصَّة بعد فشل مشاريع الهيمنة في أكثر من ساحة، يؤكّـد أن زمن الإملاءات يقترب من نهايته، وأن الرهان على العدوّ هو رهان خاسر.
إن الحكمة تقتضي قراءة المشهد بوعي، بعيدًا عن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وبعيدًا عن الحسابات الضيقة.
فالأمن لا يُستورد، والسيادة لا تُمنح، إنما يتحقّق ذلك بالمواقف المستقلة والقرارات الشجاعة، وتوجيه العِداء للعدو الحقيقي.
إذن، تبقى تحذيرات السيد القائد ليست موجّهة للإدانة، بل للإنقاذ؛
إنقاذ المنطقة من الوقوع في أخطاء قاتلة.
وإنقاذ دول الخليج من أن تكون ساحةً ومِنصة لاستهداف الآخرين.
والآن الفرصة أمام الأنظمة لا تزال قائمة لتصحيح المسار، قبل أن تصبح الكلفة أكبر مما يمكن تحمّله، وقد أعذر من أنذر.