إحياءً لمآثره وعلمه.. فعالية مركزية في صنعاء بالذكرى السنوية لرحيل السيد بدر الدين الحوثي
أفق نيوز|
أحيت النخبة السياسية والفكرية والعلمائية الذكرى السنوية لرحيل العلامة الرباني السيد المجاهد بدر الدين بن أمير الدين الحوثي (رضوان الله عليه) بفعالية خطابية مركزية بصنعاء، سلطت الضوء على مسيرته العلمية والجهادية وصموده في مواجهة التحديات.
وخلال الفعالية، ألقى القائم بأعمال رئيس الوزراء في حكومة التغيير والبناء، العلامة محمد أحمد مفتاح، كلمة تناول فيها الجوانب الإنسانية والأخلاقية للراحل، مشيراً إلى قدرته على تجاوز العوز والمرض بالتوكل على الله، مستدلاً بقصص واقعية تُظهر إنسانيته العالية؛ كدعم الفقراء والضعفاء، وحرصه على إمامة الصلاة جماعة وهو في مرحلة الاحتضار.
ولفت العلامة مفتاح إلى أن الراحل ما دخل منطقة إلا وترك فيها الأثر الحسن، والدروس العظيمة والجليلة في وعي الناس، مستعرضاً كيف صمد في مواجهة الملاحقات والمضايقات التي تعرض لها من قبل السلطة الظالمة آنذاك، موجهاً دعوةً رسمية إلى رابطة علماء اليمن، وهيئة الأوقاف، ووزارة الثقافة، للعمل فوراً على جمع “التراث المحكي” والمواقف السلوكية للراحل؛ تمهيداً لتأليف “موسوعة أخلاقية عظيمة”.
وفي السياق ذاته، شدد العلامة مفتاح على حاجة المجتمع الماسة اليوم إلى “القدوة الحقيقية” في وسائل الإعلام، بدلاً من ثقافة “البث المباشر” والثرثرة والعنتريات الفارغة التي باتت تسيطر على الساحة، مستذكراً الدور المبكر للفقيد في مواجهة “التضليل الوهابي الصهيو-أمريكي” عبر مؤلفاته الشهيرة، مثل كتابي “تحرير الأفكار” و”التيسير في التفسير”، وهي المؤلفات التي أسهمت في تحصين المجتمع من الفكر التكفيري الذي عانت منه دول كاليمن والعراق والجزائر.
من جانبه، استعرض مفتي الديار اليمنية، العلامة شمس الدين شرف الدين في كلمة له بهذه المناسبة الخصال الجهادية للعلامة الراحل، قائلًا: “عندما نحيي مثل هذه الذكرى أو غيرها فإننا نهدف إلى ترسيخ مفاهيم وقيم الإسلام التي جسدها هؤلاء العظماء في واقع حياتهم؛ ولأن الإنسان بطبعه في حاجة إلى التذكير”.
كما شدد فضيلته على أهمية النموذج الذي يقتدي به الناس ويتذكرون به، منوهاً إلى أن العلامة الراحل كان يتأسف لوضع هذه الأمة، و كان متحركاً بكل ما تعنيه الكلمة لاستنهاضها وتعليمها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون أن يخشى أحداً؛ وذلك رغم محاولات الاغتيال والتهديد والتخويف والهجرة، والمعاناة الكبيرة التي لم يعانِها أحد من علماء اليمن غيره؛ بسبب أن لديه نظرية قائمة على القرآن أثبتت مصداقيتها في الواقع، وأن ما وصلنا إليه اليوم من قوة وكرامة وعزة ما هي إلا ثمرة من ثمار جهود الراحل (رضوان الله عليه).
وتابع المفتي موضحاً أن العلامة الراحل كان زاهداً وورعاً، وكان بإمكانه أن يكون من أثرى الأثرياء، إلا أنه عاش حياةً حافلة بالتنقل والنزوح من منطقة إلى أخرى نتيجة للملاحقات والأذى، دون أن يثنيه ذلك يوماً عن مواصلة نشر العلم والتحريض على الجهاد.
وفي الصدد، أشار المفتي إلى الحديث الشريف الذي رواه الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- محذراً من “علماء آخر الزمان” الذين يداهنون على حساب دينهم ويسكتون عن الحق إذا لحق الأذى بمصالحهم الشخصية، مؤكداً أن السيد بدر الدين مَثّل النقيض تماماً لهؤلاء؛ إذ أبى الخنوع ورفض التنازل عن مبادئ القرآن الكريم رغم اشتداد الأمراض المزمنة عليه، ورغم الاستهداف المباشر لبيته وأولاده.
بدوره أشاد عضو المجلس السياسي الأعلى، الدكتور عبد العزيز بن حبتور، بالإنتاج الفكري والروحاني للعلامة الراحل، مؤكداً أن أفضل من عبّر عن مناقبه وعطائه وجهاده هو ابنه السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله).
وأضاف بن حبتور: “في مناسبة كهذه، يجب أن نستفيد من الاقتراحات التي قُدمت في هذه الفعالية، ومن ضمنها جمع كل ما يتصل بهذا الشخص العظيم من إنتاج فكري وروحاني وإبداعي”.
وأكد على حاجة الأمة للقدوة، وأنه لم يكن هناك قدوة أفضل من هذه الشخصية التي أعطت للفكر والجدل والعلم مساحة واسعة، مبيناً أن القضية الأكثر أهمية في حياة العلامة الراحل هي الجدل الفكري من خلال كتاباته حول المدرسة الوهابية التي خلقت شرخاً واضحاً في الأمة من المحيط إلى الخليج.
كما لفت إلى كيف تأذت الأمة من هذا الفكر على مستوى العالم، في حين لم يتأذَّ كيان العدو الإسرائيلي منه، مؤكداً أن القاعدة وداعش أدوات بيد العدو الصهيوني الذي يوجههم بقراراته لتمزيق المجتمع.
وربط بن حبتور في ختام كلمته بين المبادئ التي عاش من أجلها العلامة الرباني الراحل وبين الواقع السياسي الراهن، داعياً إلى ضرورة الحفاظ على ما كتبه الراحل خدمة للأجيال وتنويراً للطريق.
من ناحيته، ألقى الدكتور عبد الرحيم الحمران كلمة الفعالية تناول فيها جملة من مناقب وشمائل العلامة الرباني الراحل، وجهاده، وتقواه وزهده، مستعرضاً كيف كانت حياته ونشاطه وحركته وسكونه وكلماته وصمته لله سبحانه وتعالى.
وقال الحمران: “حينما نتحدث عن رجل بهذا المقام، فلا نستطيع أن نفيه حقه في مجالات العلم والمعرفة وفي كل مجالات الحياة، حتى أسماه أقرانه (فقيه القرآن)”.
وتطرق الحمران إلى تنقل الراحل وهجرته بين مناطق محافظة صعدة لنشر العلم، وهداية الناس، وإصلاح ذات البين، لافتاً إلى أن السمة التي كانت بارزة فيه هي اهتمامه بالقرآن الكريم وقراءته بنفَسٍ إيماني عالٍ، حيث جسد القرآن في واقعه وأعماله حتى صدق القول فيه بأنه كان “قرآناً يمشي على الأرض”، وكان مرفوع الرأس يتحدث بكل صلابة، ومواقفه واضحة أمام من يعادي ومن يوالي.
واستذكر الحمران أحد مواقفه الحريصة على صلاة الجماعة وهو في المستشفى والمغذيات مشبوكة بجسده، وكيف طلب منه في ذلك اليوم أن يصلي به جماعة رغم مرضه الشديد، مردفاً بالعديد من القصص المماثلة التي تؤكد حرصه على الصلاة في المسجد، وكيف كان يخرج من فراش المرض لتلبية نداء الأذان.
وسرد الحمران قصة تعامله الإنساني وإحسانه إلى العصابة التي حاولت اغتياله بعد القبض عليها، وكيف أكرمهم وقدم لهم الطعام، ومنع أي قسوة معهم في التحقيق، لافتاً إلى أن ثمار تلك المواقف التاريخية الخالدة أثمرت قادة غيروا وجه التاريخ، وواجهوا قوى الاستكبار العالمي، وأجبروا أمريكا على الفرار من البحر الأحمر.