من دروس الهجرة.. العودة إلى أصالة الإسلام
أفق نيوز| طلال الغادر
في خضم القراءات المعاصرة لأزمة الأُمَّــة الإسلامية، يبرز الاهتمام بـ “الإسلام” ذاته: كشعائر تعبدية أَو هُوية ثقافية جامدة، لا كمشروع حضاري شامل للتحرّر والبناء.
وما يعانيه المسلمون اليوم من تخلف وهزائم بسَببِ الانفصال عن جوهر الإسلام المشروعي، أي تحويله إلى طقوس منفصلة عن السياسة والاقتصاد والقتال.
الإسلام مشروع لا شعائر
“أصالة الإسلام” تتأتى بـ استعادة الإسلام كبديل كلي عن مشاريع الطاغوت، ولا تُستعاد بالمظهر الديني أَو بكثرة العبادات الفردية.
الطاغوت – ممثلًا بالهيمنة الأمريكية – الصهيونية – لا يكتفي باحتلال الأراضي، فهو يعمل على “تدجين” الشعوب عبر تغيير المناهج، ونشر الإباحية، وتفريغ القيم من مضمونها المقاوِم.
يُطرح الإسلام كـ “مشروع إنقاذ للبشرية” لا للمسلمين فقط.
هذا يعني أن أية عودة حقيقية للإسلام يجب أن تنتج نموذجًا ملموسًا في العدل الاقتصادي، والاستقلال السياسي، والردع العسكري، والأخلاق العامة.
بدون هذه المخرجات، يبقى الانتماء للإسلام شعائريًّا لا يؤثر في موازين القوى.
التحرّر من الطاغوت كشرط للبناء الحضاري
التحرّر من ولاية الطاغوت -وفق هذه الرؤية- عملية هندسية اجتماعية وسياسية تبدأ من رفض الإملاءات الخارجية في التعليم والإعلام والقضاء، وتنتهي ببناء قدرات داخلية (صناعية، عسكرية، بحثية) تجعل الأُمَّــة عصية على الاختراق.
النماذج العملية التي يمكن استقراؤها من التجارب الميدانية (دون الإشارة إلى قائل النص) تؤكّـد أن النهضةَ الحقيقيةَ بدأت حين تحولت جماعاتُ المؤمنين من حالة الدفاع عن الشعائر إلى حالة بناء “دولة مقاومة” تمتلك صواريخ بالستية، وتغلق ممراتٍ مائية حيوية أمام العدوّ، وتصمّم طائرات مسيّرة محلية الصنع.
والموقف من أمريكا وكيان الاحتلال، في هذا الإطار، هو عداء بنيويٌّ قائم على أن هذه القوى تمثل “الطاغوت” بكل ما يحمله المفهوم القرآني من معاني الظلم والفساد والاستكبار.
هذا العداء لا يعني الانغلاق على العالم، هو يعني:
عدم الاعتراف بشرعية أي دور إقليمي أَو دولي للعدو في تقرير مصير المنطقة.
العمل على إنشاء تحالفات بديلة (محور المقاومة) تقوم على المصالح المشتركة في مواجهة الهيمنة.
إدراك أن التنازل عن أي ثابت (كالموقف من فلسطين) هو بداية انهيار المشروع كله.
إذن.. العودة إلى “أصالة الإسلام” في هذا الطرح تعني استعادة المنهج الذي يجعل الإسلام قوة منتجة للحضارة، لا هُوية مستهلكة للتراث.
التحرّر من الطاغوت شرط للبناء، والبناء يُقاسُ بمدى التقدم في القضية الكبرى وتفكيك الهيمنة الصهيونية – الأمريكية عن المنطقة.
حيثما تحقّق هذا المفهوم، انتصرت الجماعاتُ المؤمنةُ رغم قلة عددِها وضعف إمْكَاناتها المادية.
وحيثما غاب، بقيت الشعوبُ أسيرةً للهزيمة النفسية والتبعية السياسية، تحت مِظلة شعائر دينية فارغة من محتواها التحرّري.