“هندسة الخليج الجديدة” تُقزّم واشنطن، ومعادلة “الأمن المتبادل” تحاصر هستيريا نتنياهو
أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة
أحدث المعطيات الاستخبارية والميدانية لليوم السادس عشر بعد المئة من الصراع. أعتذر عن التأخير في التصدير، لكن حساسية وتداخل الملفات الإقليمية تطلبت تدقيقاً عميقاً في “الخريطة الأمنية الجديدة” التي تولد الليلة بين جبال سويسرا، وأروقة واشنطن، ومياه الخليج.
يمر المشهد الإقليمي الليلة بمرحلة “كسر عظم” استراتيجية؛ حيث تحاول حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب التمرد على خطوط ترامب الحمراء، بينما تعيد العواصم الخليجية هندسة أمنها القومي بعيداً عن العباءة الأمريكية، في وقت يثبّت فيه الميدان اللبناني والإنذار الإيراني حدود النار التي لا يمكن لنتنياهو تجرعها أو الهروب منها.
أولاً: الزلزال الجيوسياسي.. موت “عقيدة كارتر” وولادة “الإطار الأمني الخليجي الإيراني”
التطور الأبرز والأكثر خطورة الليلة لا يأتي من غرف التفاوض، بل من كواليس العواصم الخليجية التي وصلت إلى قناعة نهائية بأن “أمن الخليج من أمن إيران”:
* حراك الدوحة ومسقط الحاسم: كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” عن تحركات جادة ونهائية يقودها رئيس وزراء قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بنفسه في مسقط، لصياغة “إطار أمني إقليمي جديد” يضم (إيران، دول مجلس التعاون الخليجي، والعراق) لإدارة مضيق هرمز وممرات الطاقة.
* الابتعاد عن المظلة الأمريكية: يُمثل هذا التحرك “انقلاباً أبيض” على الهيمنة التاريخية لواشنطن، وإعلاناً صريحاً عن بدء الاستغناء عن نظام الحماية الأمريكي. دول الخليج أدركت أن ترامب يبيع ويشتري وفق بورصة مزارعيه وأسواق أسهمه (التي انخفضت؛ ناسداك 1.9% وستاندرد آند بورز 1%)، وأن اليد العليا في مضيق هرمز هي لبحرية الحرس الثوري التي سمحت الليلة بمرور 36 سفينة عبر مسارات ثانوية ممسوكة إيرانياً، بينما تراجع سعر برميل برنت إلى ما دون 75 دولاراً لأول مرة منذ شباط الماضي.
ثانياً: الاستنفار الجوي الأمريكي فوق عُمان.. حماية الانسحاب أم تهديد بالانفجار؟
رصدت أجهزة المراقبة الأقمار الصناعية تموضعاً ضخماً وغير مسبوق للقوات الأمريكية في بحر عمان والخليج:
* الأسطول الجوي والمائي: رُصدت حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln (CVN-72) في موقع هجومي، بالتوازي مع استنفار مريب لـ 7 طائرات تزويد بالوقود عملاقة في الأجواء (6 طائرات بوينغ KC-135R و3 طائرات KC-46A)، مدعومة بطائرتي دورية بحرية P-8A Poseidon وطائرة إنذار مبكر AWACS.
* تفسير الحشد: هذا الحشد هو السند المادي للتهديدات اللفظية التي أطلقها ترامب عبر “فوكس نيوز” بأنه سينضم للتفتيش النووي “إلى أجل غير مسمى” (وهو ما نفته طهران فوراً معتبرة إياه بروباغندا انتخابية لترامب). واشنطن تحاول حماية الكيان من جهة، لكنها تدرك أن خطأً واحداً من نتنياهو سيعني إغلاق الممرات وتفجير الموقف، مما دفع قائد القيادة المركزية للجيش الأمريكي (سنتكوم) للإعلان عن زيارة عاجلة إلى تل أبيب للقاء زامير وكاتس لفرملة جنونهم.
ثالثاً: تعثر مسار واشنطن.. محاولة تفخيخ الجيش اللبناني والعناد الإسرائيلي
بينما يتحرك مسار سويسرا الرباعي بندية عالية فرضت إدخال لبنان ضمن “خلية فض النزاع”، تواجه المحادثات العسكرية المباشرة في واشنطن تعثراً حاداً:
* الفخ الأمريكي للجيش اللبناني: كشفت معلومات LBCI أن الجانب الأمريكي طرح في غرف تفاوض واشنطن إخضاع قوات الجيش اللبناني (التي ستنتشر جنوب الليطاني) لـ “التدريب والتدقيق الأمني المباشر من الجانب الأمريكي”. هذا الطرح الخبيث الذي يهدف لتحويل الجيش إلى أداة تفتيش لصالح الكيان رُفض بالكامل وبشكل قاطع من الوفد اللبناني صونا للسيادة.
* هستيريا نتنياهو وكاتس: خرج نتنياهو الليلة ليعلن بتحدٍ: “نحن نقيم حزاماً أمنياً عازلاً في جنوب لبنان ولن ننسحب”. وتبعه وزير حربه كاتس بالقول: “لن ننسحب حتى لو طلبت واشنطن ذلك”، مطلقاً تهديدات جوفاء باغتيال القائد اليمني عبد الملك الحوثي، وتهديد قطر وتركيا وسوريا.
* حقيقة العجز الميداني الإسرائيلي: رد المقاومة على هذه العنترية جاء بالوثائق؛ حيث نشر الإعلام الحربي اليوم فيديو يوثق استهداف تحشدات العدو في بلدة العديسة الحدودية (قبالة مسكاف عام) عبر مسيرة “أبابيل” الانقضاضية لاستهداف حصل في 11 من هذا الشهر. الرسالة واضحة: تواجدكم في أي متر على الحافة الأمامية هو تواجد ساقط عسكرياً، والخط الأصفر تحت مرمى نيراننا، وأوهام الحزام الأمني ستتحول إلى مفرمة يومية.
* خرق النبطية الفوقا الغادر: في محاولة لتعويض العجز، أقدم جيش الاحتلال على إطلاق النار في حي الدير ببلدة النبطية الفوقا على مدنيين وعمال بلديين ينتشلون الجثامين، مما أدى إلى ارتقاء شهيدين مدنيين.
وأصدر الحزب بياناً حذّر فيه من أن هذا الانتهاك الفاضح لن يمر، وأن معادلة “الصبر الاستراتيجي” قد انتهت، والرد قادم حتماً.
رابعاً: الرؤية الجيوسياسية والتحليلية.. إلى متى سيبقى نتنياهو متفلتاً؟ وما هي خطوات إيران القادمة؟
الأسئلة التي تشغل بال الشارع اللبناني والإقليمي اليوم: هل سيبقى الإسرائيلي في الجنوب؟ وهل ستلجمه إيران عسكرياً؟
1. متى تنتهي هستيريا نتنياهو؟
بنيامين نتنياهو لا يتصرف كقائد عسكري بل كـ “ناجٍ سياسي”. انتهت الليلة شهادته في قضايا الفساد بعد 98 جلسة استماع ماراتونية؛ الحرب بالنسبة له هي جدار الحماية الوحيد من السجن وانهيار ائتلافه المتطرف (بن غفير وسموتريتش). نتنياهو يعلم أن اتفاق فرساي ومذكرة إسلام آباد هما “شهادة وفاة” لمشروعه السياسي، لذلك يلجأ إلى سياسة “الحركشة التصاعدية” وقتل المدنيين لجر المقاومة إلى رد واسع يستدعي التدخل الأمريكي، وبالتالي نسف اتفاق ترامب.
2. سيناريو الانسحاب.. هل سيبقى الاحتلال في الجنوب؟
الجواب القاطع: البقاء مستحيل. كما أكد مسؤول الملف الوطني في حزب الله الحاج محمود قماطي اليوم: “المعطيات الحالية أكثر جدية، ومصالح التجارة العالمية في هرمز باتت مهددة.. ولا وجود لأي جندي إسرائيلي على أرضنا”.
إسرائيل أُجبرت بضغط أمريكي هائل على التزام الهدوء لـ 48 ساعة لأول مرة منذ أكتوبر، والجيش بدأ بالفعل خطط خفض القوات. نتنياهو يحاول عبر تفاوض واشنطن انتزاع “مكاسب ورقية” (حق العمل العسكري والاغتيالات) ليعوض بها اندحاره الميداني، لكن ثبات موقف بعبدا برفض “المناطق النموذجية” وثبات المقاومة يسقطان هذه المحاولة.
3. الموقف الإيراني.. هل ينتهي خيار الدبلوماسية؟
إيران ليست “ملتزمة بالدبلوماسية” كخيار وحيد، بل تدير الدبلوماسية كـ “امتداد للميدان”. طهران صرفت الليلة الدفعة الأولى من التنازلات الأمريكية بـ الإفراج الفوري عن 12 مليار دولار من أصولها (على دفعتين)، وبدأت في تسييل مبيعات النفط.
إيران تلجم نتنياهو الآن عبر “الإكراه غير المباشر”؛ فالولايات المتحدة التي تدفع 3.8 مليار دولار سنوياً لإسرائيل، أبلغت تل أبيب رسمياً (عبر ماركو روبيو) بسحب الضوء الأخضر. ترامب، بشخصيته التسلطية والتاجرية، لن يسمح لحكومة اليمين المتطرف بتدمير اتفاقه ومستقبله الانتخابي.
خمسة سيناريوهات للمرحلة القادمة:
1. سيناريو “الدوحة 1” المطور (الأعلى ترجيحاً): نجاح الوساطة القطرية (المدعومة أمريكياً وسعودياً) في صياغة آلية تقنية تحت سقف اتفاق الطائف، تضمن الوقف الشامل للاعتداءات وبدء الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بالأقضية الإدارية، مع تولّي واشنطن لجم نتنياهو وإلزامه قسراً بالتراجع إلى الحدود الدولية خلال الـ 48 يوماً المتبقية.
2. سيناريو “مفرمة الاستنزاف الموضعي”: استمرار نتنياهو في خروقاته الموضعية (كجريمة النبطية الفوقا) تحت مزاعم “إزالة التهديدات الوشيكة”، ليأتي رد المقاومة الإسلامية فورياً وعنيفاً بالمسيرات والصواريخ الموجهة على الحافة الأمامية، مما يحول جيش الاحتلال إلى “بط في ميدان رماية” يُجبره على التراجع تحت وطأة الخسائر البشرية دون تفعيل الحرب الشاملة.
3. سيناريو الانفجار الكبير (تفعيل المادة 13): إذا تمرد نتنياهو كلياً ونفذ عمليات اغتيال كبرى في بيروت أو صور تخرق الفيتو الأمريكي؛ هنا ستعتبر طهران والمقاومة أن المذكرة قد دُفنت، وسيتحرك حرس الثورة عسكرياً لإغلاق كامل ومطبق لمضيق هرمز والمسارات الثانوية، مع توجيه ضربة باليستية قاسية لعمق الكيان، وتتحمل واشنطن وقتها مسؤولية عدم لجم وكيلها.
4. سيناريو “الهدنة المسقوفة بالخوف”: بقاء الوضع في حالة “لا حرب ولا سلم”؛ هدنة هشّة تتخللها خروقات مدنية، مع استمرار المحادثات الفنية، بانتظار تشكيل الخلية الخماسية عملياً لفرض آليات التحقق.
5. سيناريو التدخل السوري (الساقط): طرح ترامب بتسليم ملف الحزب لأحمد الشرع في سوريا؛ وهو سيناريو ولد ميتاً وتسخر منه الأوساط الإقليمية نظراً للفيتو التركي والموقف السوري الرافض للدخول في أي نزاع.