أفق نيوز
الخبر بلا حدود

التعبئة العامة في اليمن.. أبعاد ودلالات التحرك الحاسم نحو مرحلة جديدة من الجاهزية والمواجهة

46

أفق نيوز| طارق الحمامي

تمثل أنشطة التعبئة العامة والتحرك الواسع استجابة للدعوة الصادرة عن قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله محطة مفصلية في مسار الصراع مع دول العدوان ، ويعكس انتقالاً من مرحلة إدارة التحديات والاحتواء إلى مرحلة رفع الجاهزية والاستعداد الشامل لمواجهة مختلف السيناريوهات والتطورات المحتملة،  ويأتي هذا التحرك في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، واستمرار حالة الجمود السياسي والعسكري  لسنوات من حالة “اللا سلم واللا حرب”، الأمر الذي يدفع نحو إعادة صياغة معادلات الردع والمواجهة وفق رؤية تعتبر أن استمرار الوضع القائم لم يعد قادراً على معالجة التحديات التي تواجه اليمن وسيادته ووحدته الوطنية.

الانتقال إلى مرحلة استراتيجية جديدة

تكشف التعبئة العامة عن دخول اليمن مرحلة جديدة تتصدرها مفاهيم الجاهزية الشاملة والاستعداد الدائم والتكامل بين المؤسسات الرسمية والمجتمع، بما يعكس توجهاً نحو بناء حالة وطنية قادرة على التعامل مع أي تطورات أو تصعيد محتمل،  ويمثل هذا التحرك،إعلاناً عن مرحلة مفصلية تتجاوز الحسابات التقليدية نحو تثبيت معادلة ردع جديدة تستند إلى توسيع قاعدة المشاركة الشعبية ورفع مستوى التنسيق مع القوات المسلحة وتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية للدولة والمجتمع.

إنهاء معادلة “اللا سلم واللا حرب”

أحد أبرز الدلالات السياسية للتعبئة العامة يتمثل في اعتبارها رسالة واضحة بأن حالة الجمود التي استمرت سنوات طويلة لم تعد مقبولة، وأن استمرار الأوضاع دون حلول جذرية ساهم في تعقيد المشهد اليمني وإطالة أمد المعاناة الإنسانية والاقتصادية،  وتشير هذه المقاربة إلى أن الخيارات المستقبلية يجب أن تستند إلى وضوح الرؤية والحسم في التعامل مع التحديات، بعيداً عن إدارة الأزمة بأساليب مرحلية أو مؤقتة أثبتت محدودية فاعليتها خلال السنوات الماضية.

تعزيز التكامل بين الجبهة العسكرية والجبهة الشعبية

تعكس تحركات وأنشطة التعبئة العامة توجهاً نحو تعزيز الشراكة بين الجبهة العسكرية والمجتمع، بما يرسخ مفهوم المسؤولية الجماعية في مواجهة التحديات الوطنية،  فالمطلوب، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على الاستعداد العسكري فحسب، بل يشمل أيضاً تعزيز التماسك المجتمعي، ورفع مستوى الوعي، ودعم المبادرات الشعبية، وتقوية الجبهة الداخلية باعتبارها الركيزة الأساسية للصمود والاستقرار، كما أن هذا التكامل يسهم في بناء حالة من الجهوزية الوطنية الشاملة التي تجعل المجتمع شريكاً مباشراً في حماية السيادة والدفاع عن المصالح الوطنية.

رسائل نارية حاسمة

يحمل إعلان التعبئة العامة عدة رسائل داخلية، أبرزها التأكيد على أهمية وحدة الصف الوطني وتجاوز الانقسامات السياسية والمناطقية في مواجهة التحديات المشتركة،  كما يعكس هذا التحرك رغبة في تعزيز الهوية الوطنية الجامعة وترسيخ مفهوم السيادة والاستقلال ورفض أي أشكال الوصاية أو التدخل الخارجي في القرار اليمني،  وفي الوقت ذاته، يوجه رسائل إلى القوى السياسية والاجتماعية المختلفة بضرورة تغليب المصلحة الوطنية العليا وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تواجه البلاد.

الأبعاد الإقليمية للتحرك

لا يمكن فصل إعلان التعبئة العامة عن البيئة الإقليمية المحيطة باليمن، خاصة في ظل التحولات الجارية في المنطقة والتطورات المرتبطة بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية،  وتشير القراءة الاستراتيجية لهذا التحرك إلى سعي اليمن إلى تعزيز موقعه في المعادلات الإقليمية الجديدة، وإظهار قدرته على حماية مصالحه الوطنية والتعامل مع التهديدات المحتملة التي قد تمس أمنه القومي أو موقعه الجغرافي الحيوي، كما تعكس التعبئة العامة إدراكاً متزايداً لأهمية التحولات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي وانعكاساتها المباشرة على الأمن البحري والإقليمي.

الارتباط بالقضية الفلسطينية

من أبرز الدلالات السياسية للتحرك ربط مسار التعبئة العامة بالقضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية في الوعي السياسي والشعبي في المنطقة، ويعكس هذا الربط، بحسب الخطاب السياسي المصاحب للتعبئة، رؤية تعتبر أن التحديات التي تواجه المنطقة مترابطة، وأن دعم القضايا العربية والإسلامية الكبرى يمثل جزءاً من منظومة الأمن القومي والإقليمي،  كما يحمل هذا الموقف رسالة سياسية تؤكد استمرار حضور القضية الفلسطينية في أولويات الخطاب السياسي رغم تعدد الملفات والأزمات الإقليمية.

إعادة تشكيل مفهوم الردع

تشير التعبئة العامة إلى محاولة إعادة تعريف مفهوم الردع بحيث لا يقتصر على الإمكانات العسكرية التقليدية، بل يشمل أيضاً الجاهزية المجتمعية والاقتصادية والإعلامية والثقافية،
فالدول والحركات التي تمتلك قدرة على تعبئة مجتمعها وتعزيز تماسكه الداخلي تكون أكثر قدرة على الصمود وإدارة الأزمات طويلة الأمد، وهو ما يجعل الجبهة الداخلية عاملاً حاسماً في معادلات القوة الحديثة.

ختاما ..

يمثل النفير العام والتعبئة العامة، وفق القراءة السياسية والاستراتيجية لهذا التحرك، أكثر من مجرد إجراء تنظيمي أو أمني، بل يعبر عن محاولة لإعادة صياغة المرحلة المقبلة على أسس جديدة تقوم على الجاهزية الشاملة، والتكامل بين الدولة والمجتمع، وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية،  وبغض النظر عن المواقف السياسية المختلفة تجاه هذا المسار، فإن هذه التطورات تؤكد أن اليمن يقف أمام مرحلة جديدة تحمل تحولات مهمة في طبيعة المشهد السياسي والأمني، وفي شكل التفاعلات الإقليمية المرتبطة به، الأمر الذي يجعل من متابعة هذه التحولات وتحليل تداعياتها مسألة بالغة الأهمية لفهم اتجاهات المرحلة المقبلة ومستقبل الصراع في المنطقة.