أفق نيوز
الخبر بلا حدود

“استراحة التشييع” تكشف عجز واشنطن وارتباك إسرائيل.. وهرمز ترفض الاستعراض الأمريكي

51

أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة 

في اليوم الثامن عشر لتوقيع مذكرة التفاهم، تفرض “دبلوماسية التشييع” إيقاعها على المنطقة، مجبرةً واشنطن وتل أبيب على الرضوخ لـ “استراحة قسرية” حتى انتهاء مراسم الوداع المليونية للمرشد الأعلى الإيراني. المشهد العام يعكس تآكلاً متسارعاً للرهانات الأمريكية؛ فبينما كان ترامب يتوقع انهياراً داخلياً إيرانياً، فُوجئ بالتفاف شعبي غير مسبوق، بالتزامن مع فشل حملة وزير خارجيته لمنع الدول من المشاركة في التشييع. هذا الفشل الدبلوماسي يترافق مع تصاعد المواجهة الصامتة في مضيق هرمز، حيث تختبر واشنطن سيطرة طهران بإرسال سفينة شحن تحت غطاء جوي مكثف، في وقت تواصل فيه إسرائيل الغرق في التناقضات اللبنانية، حيث تراجع السراي عن إقرار الانسحاب، وعطل ترامب عمليات نتنياهو العسكرية.

أولاً: صدمة ترامب واستفتاء التشييع (انهيار الرهان على تفكيك الداخل)

شكلت مراسم التشييع الحاشدة في يومها الثاني صفعة للتقديرات الاستخباراتية والسياسية الأمريكية، مجبرة ترامب على الاعتراف بخطأ حساباته.
* اعترافات ترامب: في مقابلة مع موقع “أكسيوس”، أقر الرئيس الأمريكي صراحة: “فوجئت برؤية إيرانيين يبكون في جنازة خامنئي، فقد كنت أعتقد أن الناس كانوا يكرهونه”*. هذا التصريح يفضح فشل رهانات المخابرات المركزية على إثارة القلاقل عبر دعم فئات معينة، ويثبت أن الاغتيال عزز التلاحم الوطني الإيراني وخفف من حدة التباينات الداخلية، محولاً التشييع إلى “ثورة ثانية” داعمة لمشروع المقاومة، وهو ما أكدته صحيفة “يديعوت أحرونوت” بوصفها الحشود بأنها “إصبع في عين أمريكا”.
* استراحة قسرية: أعلن ترامب عن “استراحة” من المحادثات لمدة أسبوع، مؤكداً عدم إطلاق النار من كلا الطرفين خلال التشييع. ورغم محاولته تصوير الأمر كـ”منّة” أو ادعائه بأن الإيرانيين “يتوسلون لإبرام اتفاق”، إلا أن الواقع الميداني وتأكيدات وزارة الخارجية الإيرانية تثبت أن طهران تستثمر هذا الحدث كمنطلق لفرض شروطها وتأكيد استقلاليتها، مجددة مطلب القصاص كحق لا يسقط بالتفاوض.
* الحذر الأمني (منع ظهور المرشد الجديد): في دلالة على الإدراك العميق للغدر الأمريكي والإسرائيلي، منعت الأجهزة الأمنية الإيرانية المرشد الأعلى الجديد (مجتبى خامنئي) من إمامة صلاة الجنازة علناً، خشية استغلال إسرائيل للحدث لاغتياله، لعلمها أن الاحتلال لا يحترم المواثيق ويستهدف المدنيين لتحقيق أهدافه.

ثانياً: اختبار هرمز واستعراض القوة

تحولت مياه الخليج ومضيق هرمز إلى ساحة اختبار للإرادات، حيث تحاول أمريكا استعادة هيبتها الملاحية المفقودة.
* رسالة تحذير إيرانية: وجه نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي تحذيراً شديد اللهجة، مؤكداً أن مضيق هرمز ليس ساحة استعراض عسكري، وأن الدول الساحلية هي المسؤولة حصراً عن أمنه.
* المناورة الأمريكية: في المقابل، وتحدياً لهذه التحذيرات، رُصدت محاولة أمريكية لتمرير سفينة الشحن اليونانية (MINOAN SKY) عبر الخط العماني، مدعومة بغطاء جوي أمريكي يضم 7 طائرات تزويد بالوقود وطائرة أواكس (E-3). هذه الخطوة تأتي بعد أن سجلت وكالة “بلومبيرغ” تراجعاً وانعطافاً (U-turn) لـ 8 سفن على الأقل هرباً من المسار الأمريكي نحو المسار الإيراني. المشهد الآن هو صراع بين محاولة واشنطن إثبات قدرتها على حماية الملاحة، وبين إصرار طهران على تكريس واقع السيادة الكاملة.

ثالثاً: التخبط الإسرائيلي و”فيتو” واشنطن على لبنان

تتفاقم أزمات الكيان الإسرائيلي تحت وطأة التبعية المطلقة للقرار الأمريكي، والاستنزاف الداخلي، وغياب الأفق العسكري في لبنان.
* كبح نتنياهو: أكدت القناة 15 الإسرائيلية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب تنفيذ عملية عسكرية في منطقة “علي الطاهر” جنوبي لبنان، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلب منه صراحة تأجيل العملية، مفضلاً التركيز على إتمام التسوية مع إيران. هذا “الفيتو” يثبت تصريحات رئيس “الشاباك” الأسبق عامي أيالون بأن نتنياهو يحتاج لاستمرار الحرب بحثاً عن بقاء سياسي، وأن واشنطن لم تعد مستعدة لتغطية هذه المغامرات.
* أزمة الاحتياط والعزلة: مع النقص الحاد في القوى البشرية، يعتزم جيش الاحتلال إصدار أوامر استدعاء طارئة لتمديد خدمة المجندين الإلزاميين لشهرين إضافيين، مما يضيف أعباء مالية هائلة ويؤجج الغضب الداخلي. على الصعيد السياسي، أُلغيت رحلة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى نيويورك خشية الاعتقال والاحتجاجات، في مؤشر جديد على اتساع طوق العزلة والملاحقة القانونية لقادة الكيان.

رابعاً: الساحة اللبنانية و”اتفاق الإطار” المهتز

يشهد الداخل اللبناني انقساماً متزايداً حول طبيعة الاتفاق مع إسرائيل، في ظل تناقض التصريحات الرسمية.
* تراجع السنيورة: فجّر رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة مفاجأة من العيار الثقيل عبر قناة الجزيرة، حين اعترف بأن الاتفاق الإطاري “لم يتطرق إلى انسحاب إسرائيلي، بل اكتفى بالحديث عن إعادة انتشار”، مبرراً ذلك بأن الدولة أُجبرت على التفاوض. هذا التصريح ينسف وعود السلطة ويؤكد أن ما تم توقيعه هو تنازل سيادي خطير.
* مراوحة بعبدا وتفجيرات الجنوب: في المقابل، حاول الرئيس جوزيف عون تدارك الموقف مؤكداً أن الاتفاق ينص على بسط سيطرة الجيش، ومحذراً من الانجرار إلى الفتنة أو إسقاط الحكومة. ميدانياً، لا يزال جيش الاحتلال يمارس سياسة “الأرض المحروقة”، حيث نفذ تفجيرات في بلدات كفرتبنيت، كونين، وحداثا، لعرقلة أي استقرار مستقبلي، بينما تؤخر هذه الاعتداءات تشكيل “اللجنة الثلاثية” وتمنع بدء تنفيذ ما يُسمى بـ”المناطق التجريبية”.

الخلاصة والمآلات الاستراتيجية

اليوم الثامن عشر يؤسس لمرحلة “اللاحرب واللاسلم” المؤقتة والمحكومة بسقف المفاوضات الإيرانية الأمريكية. لقد أثبتت مشاهد التشييع المليونية فشل نظرية الانهيار الداخلي الإيراني، وأجبرت واشنطن على الاعتراف بصلابة الهيكل السياسي في طهران.
الولايات المتحدة، التي اختارت حماية أسواقها المالية (المتراجعة بقوة وفق “بنك أوف أمريكا”)، لن تغامر بالتصعيد في هرمز، ومناوراتها الجوية والبحرية الحالية لا تعدو كونها “حفظ ماء الوجه” قبل إتمام صفقة تسييل الأموال. أما في إسرائيل، فإن نتنياهو المقيد بالفيتو الترامبي في لبنان، والمحاصر بأزمة تجنيد قاتلة، سيحاول استغلال لقائه المرتقب مع ترامب الأسبوع المقبل لانتزاع غطاء سياسي يمنع انهيار ائتلافه، إلا أن الواقع الميداني يؤكد أن “اتفاق الإطار” في لبنان بات مجرد وثيقة حبر على ورق، وأن الانسحاب لن يتحقق إلا بفرض معادلات الردع من جديد فور انتهاء استراحة الأسبوع.