أفق نيوز
الخبر بلا حدود

“فيتو” ترامب يُلجم مغامرات نتنياهو اللبنانية.. وزلزال “النووي المفبرك” يعصف بتل أبيب تزامناً مع إخلاء الـ “غراولر” من قاعدة عوفدا.

46

أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة 

يشهد اليوم السابع عشر لمذكرة التفاهم انتقالاً حاداً من العمليات العسكرية إلى “حرب التسريبات” وكسر الإرادات. تتهاوى السردية الإسرائيلية من الداخل بفعل تسريبات أمنية كشفت حجم التضليل الممارس حول “الانتصار النووي” المزعوم، في وقت تُجرد فيه واشنطن حليفتها تل أبيب من استقلالية قرارها العسكري، وتضع “فيتو” رئاسياً صريحاً على أي تصعيد في لبنان. وبالتوازي، تكتمل فصول الانسحاب العسكري الأمريكي بخروج أسراب الحرب الإلكترونية من قلب القواعد الإسرائيلية، لتتزامن مع فرض صنعاء وطهران معادلات سيادة جوية وبحرية جديدة لا تقبل المساومة.

أولاً: “فيتو” واشنطن.. ترامب يصد نتنياهو في “علي الطاهر”

سقط وهم “حرية العمل العسكري” الإسرائيلي في لبنان أمام الأولويات الأمريكية الجديدة، لتتحول تل أبيب إلى مجرد أداة تنتظر الإذن بالتحرك.

الرفض الرئاسي المباشر: كشفت القناة 15 العبرية عن كواليس اتصال حساس طلب فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتنفيذ عملية عسكرية تستهدف منشأة للمقاومة في “مرتفعات علي الطاهر” جنوبي لبنان.

توبيخ ترامب: جاء الرد الأمريكي صادماً وحاسماً، حيث أجاب ترامب: “دعني أتعامل أولاً مع إيران، لا تُزعجني بالانفجارات هناك”.

الدلالة الاستراتيجية: هذا الموقف يثبت أن الإدارة الأمريكية تعتبر اتفاقها مع طهران أولوية قصوى لا تقبل التشويش. واشنطن جردت نتنياهو من قدرته على التصعيد التكتيكي لعرقلة المسار الإقليمي، مؤكدة أن الجبهة اللبنانية محكومة بقرار “التهدئة الإلزامية” لضمان نجاح مفاوضات الدوحة.

ثانياً: فضيحة “يديعوت أحرونوت”.. تهاوي سردية “النصر النووي”

تلقى المستوى السياسي الإسرائيلي ضربة قاصمة من داخل مؤسساته الأمنية، بعد كشف الصحفي الاستقصائي رونين بيرغمان عن أكبر عملية تضليل استراتيجي قادها نتنياهو لتسويق نجاح الهجوم على إيران.

الضغط لتزوير التقييمات: كشف التقرير أن مكتب نتنياهو مارس ضغوطاً هائلة على الجيش وأجهزة الاستخبارات لتوقيع وثيقة تفيد بـ”التدمير الكامل” لقدرات إيران النووية.

تمرد الاستخبارات والعلماء: رفضت شعبة الاستخبارات العسكرية وكبار علماء لجنة الطاقة الذرية التوقيع على الصيغة المزورة، مؤكدين أن الأضرار—رغم جسامتها—أدت إلى تأخير البرنامج لسنوات، ولم تصل بأي حال إلى التدمير الكامل. وأكدوا أن محاولة المدير العام للجنة الطاقة الذرية موشيه أدري (غير المختص بالتقييم) تمرير الوثيقة باءت بالفشل أمام الرفض العلمي.

تلفيق “خطر الإبادة”: التقرير فكك المبرر الأساسي للحرب (ادعاء نتنياهو في 2025 باقتراب إيران من إنتاج قنبلة). فقد أكدت الاستخبارات الإسرائيلية أنه لم تكن هناك أي معلومات تفيد بأن المرشد الشهيد علي خامنئي أصدر أمراً بتصنيع القنبلة، بل كان ملتزماً بسياسة صارمة تمنع ذلك. هذا التسريب يسحب الغطاء الأخلاقي والسياسي للحرب أمام الداخل الإسرائيلي والمجتمع الدولي.

ثالثاً: الإخلاء الأمريكي من قلب إسرائيل.. ومحاصرة “هرمز”

يواصل البنتاغون سحب أصوله الأكثر حيوية، لكن التطور الأبرز اليوم هو سحب طائرات الحرب الإلكترونية من القواعد الإسرائيلية ذاتها، بالتزامن مع إحكام طهران قبضتها الملاحية.

الـ “غراولر” تغادر (عوفدا): وثقت بيانات الرصد الجوي (OSINT) مغادرة أسراب طائرات الحرب الإلكترونية والتشويش التابعة للبحرية الأمريكية (EA-18G Growler) من قاعدة “عوفدا” (Ovda) الجوية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. الرحلة (MAZDA 21-23) اتجهت نحو قاعدة “لاجيس” في البرتغال، وجرت عمليات التزويد بالوقود جواً عبر طائرات (KC-46). سحب هذه الأصول النوعية من داخل الكيان يؤكد رفع المظلة الهجومية الأمريكية بشكل كلي.

الخضوع في هرمز: بحرياً، سجلت حركة الملاحة اليوم تحولاً مفاجئاً؛ حيث رُصد قيام عدة سفن تجارية بتغيير مسارها بشكل حاد، متخلية عن “الخط العماني” الخاضع للسيطرة الأمريكية، لتدخل طوعاً في الممر الذي حددته إيران، أو تقوم بالاستدارة (U-turn) لتجنب العبور، في استجابة فورية لتحذيرات طهران بفرض السيادة.

رابعاً: اليمن يفرض معادلة جوية جديدة

في امتداد لسياسة كسر الخطوط الحمراء لمحور المقاومة، أعلنت القوات المسلحة اليمنية عن تطور غير مسبوق في قواعد الاشتباك.

تأمين الأجواء: أطلق الدفاع الجوي اليمني بالأمس صواريخ أرض-جو أجبرت طائرات حربية سعودية على مغادرة الأجواء اليمنية، بعد محاولتها اعتراض طائرة مدنية إيرانية للنزول في مطار صنعاء.

رسالة كسر الحصار: تحذير العميد يحيى سريع باستهداف المطارات السعودية في حال تكرار الخرق، يُدشن مرحلة جديدة تسقط فيها الهيمنة الجوية المطلقة للتحالف، وتُقرن فيها صنعاء رفضها لاستمرار الحصار بعمليات ردع عسكرية مباشرة لحماية مساراتها المدنية مع طهران.

خامساً: تماسك طهران وتهديدات الردع

في مقابل التشظي الإسرائيلي، تصدرت القيادات العسكرية والسياسية الإيرانية المشهد في مراسم التشييع بتصريحات تؤسس لمرحلة ما بعد المرشد الشهيد.

أكد اللواء رحيم صفوي أن الحرب الحالية هي “حرب وجود” سينتهي بها المطاف باختفاء الكيان الصهيوني.

توعد قائد القوات البحرية للحرس الثوري بأن “الانتقام من أمريكا والكيان ليس ببعيد”، مشدداً على أن هذه المرحلة ليست للوداع بل لتجديد البيعة والتمسك بصلابة الموقف في وجه الاستكبار.

الخلاصة والمآلات

أمام هذا المشهد، يبرز تساؤل مشروع يتردد بقوة لدى القرّاء: هل ما نشهده من خلاف علني و”فيتو” ترامبي على مغامرات نتنياهو ليس سوى مسرحية متفق عليها في الكواليس؟ هل هي مجرد تغطية لدخان دبلوماسي يمهد لغدر عسكري مفاجئ؟ وأين ذهب الشعار التاريخي بأن أمريكا مستحيل أن تترك “ابنتها المدللة” إسرائيل، وأين هو دور اللوبي الصهيوني الأخطبوطي (AIPAC) في واشنطن؟

الإجابة عن هذه التساؤلات لا تُقرأ في التمنيات السياسية، بل تفككها لغة الأرقام الجافة وحقائق الميدان العسكري عبر ثلاثة مستويات استراتيجية:

أولاً: نهاية زمن “الابنة المدللة”.. منطق الإمبراطورية يسبق الأداة

الفكرة القائلة بأن أمريكا لا يمكن أن تترك إسرائيل هي فكرة عاطفية تتجاهل طبيعة التحول الذي طرأ على العقيدة الأمريكية في عهد ترامب وفانس. أمريكا لا تتعامل مع إسرائيل كـ”ابنة”، بل كـ”قاعدة وظيفية متقدمة”. وعندما يبدأ سلوك هذه القاعدة بالخروج عن السيطرة، ويهدد بإحراق شبكة المصالح الحيوية للإمبراطورية الأوسع، فإن المركز يتحرك فوراً للجمها.
ترامب لا يكره إسرائيل، لكنه يرى أن بقاء أمريكا كقوة عظمى مهيمنة يتطلب حماية “اقتصاد النفط العالمي” المهدد بالاختناق في مضيق هرمز، وإعادة ملء المخزونات الاستراتيجية المنهكة. الحرب الشاملة التي حاول نتنياهو استدراج واشنطن إليها ضد إيران هي انتحار اقتصادي للمركز الأمريكي، ولذلك جاء الفيتو الترامبي حاسماً وجافاً: “لا تزعجني بالانفجارات هناك”. المصالح القومية العليا لأمريكا كبحت جماح طموحات نتنياهو الشخصية.

ثانياً: استحالة “سيناريو الغدر” وعقدة سحب الأصول الجوية والسيبرانية

القول بأن الخلاف مجرد “خدعة وتغطية لضربة غادرة” يصطدم باستحالة عسكرية وعلمية على الأرض. الضربات العسكرية الكبرى والهجمات غير التقليدية لا يمكن تنفيذها عبر “خديعة إعلامية” بينما تقوم الجغرافيا بإخلائها من أدوات الفعل الحقيقي.
الرصد الميداني والملاحي المفتوح يثبت أن أمريكا سحبت عملياً “مخالبها الهجومية وأدوات الخرق الاستراتيجي”: أسراب الـ B-52 غادرت، ومقاتلات الـ F-15E والـ F-16 أخلت القواعد الإقليمية. والأهم من ذلك، أن الفضيحة الأمنية التي فجرتها صحيفة “يديعوت أحرونوت” كشفت عن تصدع استخباراتي داخلي حاد في الكيان، حيث رفض العلماء وضباط الأمن توقيع وثيقة “تزوير الانجاز النووي”. هذا الصدع الداخلي يؤكد أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها تعيش حالة إنهاك ورفض للمغامرات غير المحسوبة، والتسريب في هذا التوقيت بالذات هو عملية “كبح داخلية” ضد نتنياهو، مما ينفي تماماً فرضية التنسيق الخفي لضربة مفاجئة.

ثالثاً: حدود اللوبي الصهيوني وأوراق القوة البديلة

أين اللوبي الصهيوني في أمريكا؟ اللوبي قوي وفعال في التأثير على الكونغرس والانتخابات، لكن أوراق ضغطه تنتهي عند حدود “الأمن القومي والاقتصادي المباشر لأمريكا”. اللوبي يستطيع تأمين حزم مساعدات مالية (والتي وصفها نتنياهو بمرارة كـ”إعانة اجتماعية” في محاولة لمداراة عجزه)، لكنه لا يستطيع إجبار البنتاغون على خوض حرب تدميرية ترفع أسعار الوقود في الداخل الأمريكي وتخلق سخطاً شعبياً يهدد استقرار الإدارة الحالية.
علاوة على ذلك، فإن انتقال الساحة السياسية لتبني “الحروب البديلة” (السيبرانية والاقتصادية وحروب الوكالة) يعكس قناعة أمريكية بأن تكلفة الحرب العسكرية الكلاسيكية المباشرة أصبحت تفوق العائد بكثير، خاصة بعد أن أثبتت طهران قدرتها على فرض معادلات ردع مادية بالصواريخ وتوجيه السفن في مضيقها.

مآل المشهد النهائي:

ما نراه في الإعلام ليس تمثيلية، بل هو انعكاس لصدام حقيقي بين مشروعين: مشروع نتنياهو القائم على “الحرب الأبدية” لبقائه السياسي، ومشروع ترامب القائم على “التسوية البراغماتية لحماية الاقتصاد الأمريكي”. إسرائيل ليست متروكة لتسقط عسكرياً، لكنها تُركت منفردة لتواجه استنزافها الميداني وعزلتها الدولية المتصاعدة التي نزعت عنها شرعيتها الديمقراطية.

نتنياهو لم يعد يمتلك في جعبته أوراقاً للمناورة أو الغدر؛ فالمظلة الهجومية الأمريكية سُحبت مع خروج أسراب الـ “غراولر” من عوفدا، والخيارات المتاحة أمامه باتت تضيق كلياً بين الخضوع لجدول زمني يفرض الانسحاب من جنوب لبنان، أو مواجهة مفرمة الميدان ولجان التحقيق الداخلية التي تنتظر إعلان نهاية المعركة.