أفق نيوز
الخبر بلا حدود

من الاحتفاء إلى الاقتداء.. كيف تتحول ذكرى المولد النبوي إلى مشروع نهضة؟

44

أفق نيوز| محسن علي

تطلّ ذكرى المولد النبوي الشريف هذا العام 1448هـ في ظل واقع إسلامي مثقل بالأزمات والانقسامات والاعتداءات، لتتجاوز حدود الاحتفاء بالمناسبة إلى كونها محطة إيمانية وفكرية لمراجعة أداء الأمة واستعادة هويتها وبوصلتها الأخلاقية.. ويطرح التقرير سؤالًا جوهريًا حول مدى التزام المسلمين برسالة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما تفرضه هذه الرسالة من مسؤولية في مواجهة الظلم والعدوان، وترسيخ قيم الرحمة والعدل والتكافل والثبات.

ذكرى المولد النبوي.. محطة لاستعادة البوصلة وتصحيح المسار

لا ينبغي أن تُختزل ذكرى المولد النبوي الشريف في مظاهر احتفاء عابرة تنتهي بانتهاء المناسبة، بل يجدر النظر إليها بوصفها محطة إيمانية كبرى لاستعادة الوعي، ومراجعة الواقع، وتقييم مسيرة الأمة في ضوء الرسالة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وتتيح هذه الذكرى فرصة للتوقف أمام أسئلة أساسية تتصل بجوهر الانتماء الإسلامي: أين تقف الأمة من رسالة نبيها؟ وإلى أي مدى تلتزم بمشروعها القرآني؟ وما موقعها من معركة الحق والباطل في زمن تتعرض فيه هويتها ومبادئها لمحاولات متواصلة من التشويه والتفريغ؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فكريًا أو مناسبة للتأمل النظري، بل غدت ضرورة ملحّة في ظل واقع تتسع فيه دوائر الانقسام والصراع، وتتراجع فيه القيم أمام حسابات المصالح والارتهان، فيما تنخر الأزمات جسد الأمة وتستنزف طاقاتها وتفتح ثغرات أمام خصومها.

 

واقع مأزوم ومسار يحتاج إلى تصحيح

تحلّ هذه المناسبة في مرحلة تُعد من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ الأمة، في ظل ما يصفه التقرير بالعدوان الصهيوني المدعوم أمريكيًا، إلى جانب الانقسامات الحادة والصراعات الداخلية التي أضعفت المناعة السياسية والاجتماعية، وأثّرت في قدرة الأمة على مواجهة التحديات والدفاع عن قضاياها المركزية، ومن هذا المنطلق، يبرز تصحيح المسار باعتباره أولوية لا يمكن تأجيلها، فكلما ابتعدت الأمة عن منهج الله ورسوله، اتسعت دائرة الخسائر التي تدفع ثمنها في قيمها وأخلاقها ومبادئها، وانعكس ذلك على مختلف جوانب حياتها، دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا وإنسانيًا، ولا يمكن أن يكون التصحيح حقيقيًا ما لم يستند إلى تعزيز الهوية الإسلامية بمفاهيمها الصحيحة، والإجابة بوضوح عن أسئلة الانتماء والمبادئ والقيم والمشروع الحضاري للأمة،  كما يتطلب ذلك إعادة استحضار النموذج النبوي باعتباره مرجعية للهداية، وقدوة في القيادة، ومنهجًا متكاملًا في بناء الإنسان والمجتمع، فالنبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء رحمة للعالمين، حاملًا الهدى والنور، ومؤسسًا لمسار يحرر الإنسان من الضلال والظلم، ويقوده إلى العدل والكرامة والمسؤولية.

 

بين الانحراف والصمت.. صورتان لإضعاف الأمة

بالنظر إلى واقع الأمة اليوم نجده يتأرجح بين نمطين من المواقف، يشتركان في إضعافها وتآكل حضورها، حيث يتمثل النمط الأول في الأطراف التي اختارت الاصطفاف تحت رايات القوى الكبرى الداعمة للاحتلال والعدوان، متخلية عن استقلال القرار وعن القيم التي يفترض أن تحكم الموقف الإسلامي والعربي،  وهذا المسار انحراف مكشوف يساهم في تفكيك المجتمعات، وإثارة الفتن، وتقديم صورة مشوهة عن الإسلام والعروبة، بما يجعل الأمة أكثر قابلية للاختراق والاستغلال.

أما النمط الثاني، فيتمثل في الصمت والمداهنة والتنصل من المسؤولية، في وقت تتعاظم فيه المآسي وتتسع دائرة المظالم، فالاكتفاء بدور المتفرج أمام معاناة الشعوب، يتناقض مع جوهر الدين الذي يؤسس للمسؤولية، ويرفض الظلم، ويحض على نصرة المظلوم، ويجعل من التفاعل مع قضايا الأمة واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا،  مع التأكيد على أن الانتماء إلى الإسلام لا يقتصر على الاعتقاد المجرد، بل يتجسد في التصديق والولاء والمحبة والاقتداء والاتباع، وفي استشعار مكانة النبي الكريم والاهتداء بسيرته في المواقف الفردية والجماعية.

 

النبي محمد.. نعمة الهداية والمنقذ من الجاهلية

قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كانت البشرية تعيش، وفق التصور القرآني، في واقع مثقل بالجهل والضلال والاضطراب الأخلاقي، فيما كانت المجتمعات غارقة في صراعاتها وممارساتها التي انتقصت من قيمة الإنسان وكرامته، وفي هذا السياق، جاءت الرسالة المحمدية باعتبارها رحمة إلهية ونورًا هاديًا، انتشل الإنسان من التيه، وفتح أمامه طريق الإيمان والعدل والكرامة. ويستشهد التقرير بقول الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ۝ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً ۝ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: 1-3]، كما أن استحضار هذه النعمة يكتسب أهمية مضاعفة في الحاضر؛ إذ إن تأمل واقع الأمة اليوم يكشف حجم الفجوة بين ما حملته الرسالة من قيم سامية، وبين ما تعانيه المجتمعات من مظاهر الظلم والانقسام والتراجع الأخلاقي والسياسي، ومن هنا، فإن الاحتفاء بالمولد لا يكتمل بالمظاهر وحدها، بل يتحول إلى فعل واعٍ حين يقود إلى التمسك بالهدي النبوي، واستعادة معاني الإنسانية، وتحصين المجتمع من الاستبداد والفساد والانحراف.

 

الرحمة.. العنوان الأبرز للرسالة

تتأسس الرسالة المحمدية على الرحمة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ولا تظل هذه الرحمة مفهومًا مجردًا، بل تتجسد في منظومة متكاملة من القيم والتشريعات والسلوكيات التي تحفظ للإنسان كرامته، وتصون المجتمع من الظلم والتفكك، فالقرآن الكريم يأمر بالعدل وينهى عن الظلم، ويحض على الإحسان وينفر من الإساءة، ويدعو إلى الخير ويحذر من الشر، كما يرسخ مبادئ التكافل والتعاون، ويحث الغني على رعاية الفقير، والقوي على حماية الضعيف، والكبير على الرحمة بالصغير، ويضع ضوابط تحفظ الدم والعرض والمال والكرامة، وتشمل الرحمة، وفق الهدي القرآني، بناء مجتمع قوي وعزيز وقادر على حماية نفسه ومواجهة قوى الشر، إلى جانب هداية الإنسان إلى الله، ومنحه البصيرة والوعي اللذين يعينانه على فهم الحياة والأحداث والسنن، وتجنب مسالك الضلال والانحراف، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155].

 

من الاحتفاء إلى الاقتداء

إن السبيل إلى استعادة هذه الرحمة لا يمر عبر الاحتفاء الشكلي، بل عبر التفاعل مع رسالة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واستلهام منهجه في التربية والقيادة والصبر ومواجهة التحديات، فقد كان النبي معلمًا ومربيًا وهاديًا، وقدم في سيرته نموذجًا عمليًا لتحويل القيم إلى واقع، والمبادئ إلى سلوك، والإيمان إلى مسؤولية، وتحتاج الأمة اليوم إلى إعادة وصل علاقتها برسول الله، على أساس التعظيم والتوقير والاتباع، لا باعتبار ذلك عاطفة موسمية، بل التزامًا مستمرًا ينعكس في الأخلاق والمواقف والقرارات، سيما وقد قرن القرآن الكريم طاعة الرسول بطاعة الله، قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، وعليه، فإن استعادة النموذج النبوي تعني العودة إلى تزكية النفوس، وإحياء مكارم الأخلاق، وترسيخ التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالرحمة، والثبات أمام التحديات، وتحويل ذكرى المولد إلى مشروع إصلاح شامل يبدأ بالإنسان ويمتد إلى المجتمع والأمة.

 

الشعب اليمني.. إيمان وصمود في مواجهة العدوان

وفي سياق الحديث عن المسؤولية والثبات، فإن صمود الشعب اليمني، الذي يرى أنه يستمد قوته من إيمانه بالله ورسوله وكتابه، وهو يواجه محور الشيطان والعدوان المرتبط بالولايات المتحدة وكيان العدو الإسرائيلي وأذنابهم في المنطقة، هذا الصمود جاء في مواجهة ظروف قاسية خلّفت أعدادًا كبيرة من الضحايا، وأثرت في الأوضاع الإنسانية والمعيشية، ورغم التضحيات، فإن الشعب اليمني حافظ على ثباته وتمسكه بقضيته، وتمكن من إلحاق خسائر بالمعتدين، وفق وعي قرآني  تؤكد أن العاقبة للصابرين والمتقين، وأن مقاومة الظلم لا تنفصل عن التمسك بالقيم التي جاء بها النبي الكريم.

 

المولد النبوي.. عهد متجدد ومسار مصحح

في المحصلة، لا ينبغي أن تكون ذكرى المولد النبوي شعارًا يرفع لفترة قصيرة ثم يتراجع أثره، بل عهدًا متجددًا ومسارًا يُصحح وبوصلة تُضبط على نور النبوة، فالعودة إلى النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعني استلهام العزة والكرامة والرحمة والثبات، والوفاء للرسالة من خلال السلوك والموقف والعمل كما تعني أيضا أن تتحمل الأمة مسؤوليتها في مواجهة الظلم، وأن تحمي هويتها، وتعيد بناء وحدتها على أساس القيم والمبادئ، لا على المصالح العابرة والانقسامات.

 

ختاما

ومن هذا المنظور، تصبح ذكرى المولد مناسبة لإعادة اكتشاف جوهر الرسالة المحمدية، وتجديد الالتزام بهديها، والعمل على استعادة مكانة الأمة ودورها، حتى تستعيد عافيتها وتنهض من واقعها المأزوم، مستندة إلى الإيمان والوعي والوحدة والثبات.