أفق نيوز
الخبر بلا حدود

المولد كما يراه قائد الثورة.. من الذكرى إلى المواجهة

43

أفق نيوز| تقرير| طارق الحمامي 

والشعب اليمني في خضم احتفالاته واستعداداته الكبيرة لاستقبال ذكرى المولد النبوي الشريف، نسترجع في هذا التقرير أبرز الدلالات والمضامين التي حملتها كلمة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، بمناسبة المولد النبوي الشريف لعام 1443هـ، في قراءة تتوقف عند ما طرحته الكلمة من رؤى حول الرسول والرسالة، والهوية الإيمانية، والاستقلال، والمسؤولية، والتحديات التي تواجه الأمة، وكيف انتقلت من استحضار السيرة النبوية إلى قراءة الواقع وتحديد الموقف منه.

من الذكرى إلى الوعي

لم تتعامل الكلمة مع المولد النبوي باعتباره مناسبة للاحتفاء وحده، بل قدمته كمحطة تربوية وثقافية وتوعوية تعيد وصل المجتمع بسيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتحوّل محبته من شعور إلى اقتداء، ومن معرفة إلى سلوك ومسؤولية، ومن هنا تبرز إحدى الأفكار المركزية في الخطاب، أن استحضار الرسول صلوات الله عليه وعلى آله لا يكتمل بالاحتفال بذكراه، وإنما بما يتركه هذا الاستحضار من أثر في وعي الإنسان وموقفه وسلوكه.

السيرة النبوية.. قراءة للحاضر

استعاد السيد القائد محطات أساسية من السيرة النبوية، من الدعوة في مكة وما واجهته من رفض واضطهاد، إلى الهجرة وبناء المجتمع في المدينة، ثم مواجهة التحديات التي اعترضت مسيرة المسلمين، لكن استحضار هذه الأحداث لم يأتِ كسرد تاريخي منفصل، بل باعتبارها تجربة تحمل دروساً للحاضر؛ في الصبر، والثبات، وحسن القيادة، وتحمل المسؤولية، ومواجهة الضغوط، وبناء المجتمع على أساس الرسالة،
وبذلك تتحول السيرة في بنية الخطاب من ذاكرة تاريخية إلى مرجعية لفهم الواقع.

الهوية.. بوابة الاستقلال

يربط الخطاب بصورة واضحة بين الهوية الإيمانية والاستقلال، مقدماً التحرر من الهيمنة والتبعية باعتباره امتداداً لمفهوم التوحيد والانتماء الديني، وهنا تنتقل الكلمة من المجال الديني إلى المجال السياسي، لتطرح الاستقلال باعتباره قضية تتصل بالقرار والهوية والثقافة، وليس فقط بالسيادة السياسية، وتحضر هذه الفكرة في سياق التأكيد على أن التمسك بالهوية يمثل، وفق الرؤية التي يطرحها الخطاب، أساساً لمواجهة محاولات الهيمنة الخارجية.

المواجهة.. جوهر الرسالة العملية

يأخذ مفهوم المواجهة حيزاً بارزاً في الكلمة، من خلال استحضار تجربة الرسول في مواجهة خصوم الدعوة، إلى جانب الحديث عن التحديات الداخلية التي واجهها المجتمع المسلم، كالتهويل والتثبيط والإرجاف والتردد، ويقدم الخطاب من خلال ذلك تصوراً للصراع يقوم على أن مواجهة الأخطار لا تتطلب الاستعداد الخارجي فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى وعي داخلي وتماسك وقدرة على تحمل المسؤولية،
ومن الناحية الخطابية، يتحول هذا المحور إلى دعوة للثبات وعدم الاستسلام للضغوط، وإلى التأكيد بأن التحديات الكبرى تتطلب مواقف تتناسب مع حجمها.

اليمن.. ذاكرة الأنصار ودلالة الحضور

يحضر اليمن في الكلمة منذ بدايتها بوصفه «يمن الإيمان» وبلد «أحفاد الأنصار»، في استدعاء للدور التاريخي للأوس والخزرج في نصرة الرسول واحتضان المهاجرين، وهذه الإشارة لا تقف عند حدود الاعتزاز بالماضي، بل تحمل دلالة معاصرة؛ إذ توظف الذاكرة التاريخية لتعزيز الشعور بالهوية والدور والمسؤولية، وربط الحاضر بمكانة اليمن في بدايات التاريخ الإسلامي.

فلسطين في امتداد الرؤية

ويحضر الصراع مع العدو الإسرائيلي ضمن حديث الكلمة عن سورة الإسراء، حيث يربط الخطاب بين ما يورده القرآن عن بني إسرائيل وبين الصراع المعاصر، وبذلك تتجاوز الكلمة حدود المناسبة المحلية إلى قضايا المنطقة، وتضع فلسطين ضمن رؤية أوسع للصراع والهيمنة والاستقلال، باعتبارها قضية حاضرة في الوعي السياسي والديني الذي يقدمه الخطاب.

رسالة تتجاوز المناسبة

في مجملها، تكشف الكلمة عن خطاب يجمع بين الديني والتاريخي والسياسي والتعبوي؛ فالقرآن والسيرة يمثلان مرجعيته، والهوية والاستقلال يمثلان بعده السياسي، بينما تشكل المسؤولية والصبر والثبات عناصره التعبوية، كما أن كثافة الاستشهاد بالسيرة والقرآن تمنح الرسالة إطاراً مرجعياً يستهدف التأثير في وعي الجمهور، وتحويل المناسبة من مجرد استذكار للماضي إلى وسيلة لقراءة الحاضر.

ختاما ..

تكمن أبرز دلالات الكلمة في أنها تعيد تقديم المولد النبوي باعتباره نقطة انطلاق لا محطة وصول؛ فاستحضار الرسول، وفق الرؤية التي تطرحها، يقود إلى استحضار منهجه، واستحضار المنهج يقود إلى الوعي بالمسؤولية والموقف من التحديات، وهكذا تنتقل الكلمة من المولد كذكرى إلى المولد كوعي، ومن السيرة كحكاية للماضي إلى السيرة كمرجعية للحاضر، ومن المحبة كقيمة وجدانية إلى الاقتداء كمسؤولية وموقف.
وفي هذا الانتقال تحديداً تتجسد دلالة العنوان: «المولد كما يراه قائد الثورة.. من الذكرى إلى المواجهة».