“حشود الخلود” الإيرانية تسحق السردية الأمريكية.. وتصدّع تل أبيب يُعري خضوع نتنياهو لـ ترامب
أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة
في اليوم الثامن عشر لمذكرة التفاهم، تتبلور في الشرق الأوسط حقيقة جيوسياسية لا تقبل التأويل: القوة العسكرية وحدها لم تعد تصنع السياسة. ففي حين وقف العالم شاهداً على واحدة من أكبر التجمعات البشرية في التاريخ في طهران خلال تشييع الإمام الشهيد علي خامنئي، تتهاوى أركان القيادة السياسية والإستراتيجية في إسرائيل من الداخل تحت وطأة الانقسام وأزمات القوى البشرية. واشنطن، التي سحبت مخالبها الجوية، تكتفي بمراقبة المشهد من بعيد بحرص أمني شديد، وتفرض على تل أبيب سقفاً لا يسمح بالخروج عن “هندسة التهدئة”، في وقت يستمر فيه الميدان اللبناني والبحري في فرض معادلات الردع المباشر.
أولاً: استفتاء الملاحة والدبلوماسية.. طهران تكسر سردية واشنطن
تحولت مراسم الوداع في مصلى الإمام الخميني إلى طوفان بشري تاريخي و”استفتاء جيوسياسي” حسم الخيارات الشعبية والإستراتيجية للجمهورية الإسلامية.
أكبر حشد في التاريخ والرسائل الأربع: وثقت مصادر ميدانية غربية وإقليمية (بينها الغارديان) مشاركة حشود قد تصل إلى 30 مليون مشيع على مدى الأيام الستة، حيث غصت شوارع طهران ومترو الأنفاق بالملايين في لوحة بشرية ثابتة عطلت كل منافذ العاصمة. وقد لخص مساعد قائد الحرس الثوري للشؤون السياسية، العميد يد الله جواني، رسائل هذا الطوفان بـ: (1) تجديد العهد مع تطلعات الثورة، (2) حتمية الثأر والقصاص كواجب لا يسقط بالتفاوض، (3) البيعة المطلقة للمرشد الجديد السيد مجتبى خامنئي، و(4) الصمود في وجه أمريكا وإسرائيل.
سقوط الرهان على التمرد والتفكك: هذا الالتفاف الشعبي، الذي شمل ظهوراً علنياً وسط الحشود لقادة عسكريين كبار مثل قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، أسقط رهان المخابرات الغربية على حدوث شرخ داخلي بعد الاغتيال. وقد سخر المعلق الأمريكي جاكسون هينكل من أمام النعش بالقول: “من يظن أن إيران معزولة فهو مخطئ تماماً”.
تصريحات ترامب ورد الحرس الثوري: في محاولة لمداراة صدمته، ادعى دونالد ترامب في مقابلة مع موقع “أكسيوس” أنه قادر على “القضاء على الجميع بضربه واحدة لكن لن يبقى أحد للتفاوض”، زاعماً أن الإيرانيين “يتوسلون لإبرام اتفاق”. جاء الرد الصاعق من المتحدث باسم الحرس الثوري الذي رفض هذه التهديدات، مؤكداً أن أي خطأ في الحسابات سيواجه بـ”رد ساحق وحاسم”، مشدداً على أن إيران لم تضيع لحظة خلال الهدنة بل استغلتها لتعزيز قدراتها القتالية.
ثانياً: الخضوع الإسرائيلي.. نتنياهو يبتلع إهانات ترامب وينزف استراتيجياً
تلقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سلسلة صفعات سياسية وعسكرية أظهرت حجم ارتهان الكيان للقرار الأمريكي، في ظل انهيار الردع العسكري.
الخضوع في شبكة “فوكس نيوز”: في ظهور إعلامي يعكس فقدان التوازن، ابتلع نتنياهو توبيخ ترامب الصريح وأوامره بوقف العمليات في “علي الطاهر” جنوب لبنان، رافضاً نفي تصريح ترامب بأنه “يعرف من هو الزعيم”. بل ذهب نتنياهو لتبرير عجزه بالقول إن “أمريكا هي قائدة العالم الحر”، مدعياً حصوله على “دعم هائل من الهند على فيسبوك” في محاولة بائسة لتعويض تآكل الدعم الأمريكي والغربي الذي عزاه لـ”وسائل التواصل الاجتماعي”.
تحذيرات ليبرمان وبينيت: في الداخل الإسرائيلي، دق قادة المعارضة ناقوس الخطر؛ إذ حذر وزير الدفاع الأسبق أفيغدور ليبرمان من أنه “خلال 10 أيام لن تكون هناك ذخيرة للجيش الإسرائيلي”. من جانبه، لخص رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت المشهد بمرارة قائلاً: “نظام آية الله في إيران يراقب الوضع ويشاهد حكومة إسرائيل وهي تدمر إسرائيل من الداخل”.
انهيار القوى البشرية وعزلة البحر الأحمر: كشفت القناة 12 أن الجيش يواجه أزمة قوى بشرية حادة ستخلق فجوة بآلاف الجنود خلال 5 أشهر إذا لم يُمرر قانون تمديد الخدمة قبل حل الكنيست المحتمل. عسكرياً، دفعت البحرية الإسرائيلية بزوارق “سوبر دبورا” لتعزيز البحر الأحمر، بعد تحذيرات رئيس الشاباك من احتمال وقوع “7 أكتوبر بحري” واقتحام بري لإيلات.
فضيحة المساعدات الاستخباراتية: كشفت إذاعة الجيش عن إخفاق استخباراتي مدوٍ، مقرة بأن حزب الله تمكن من اختراق العمق الإسرائيلي عام 2021 وتزويد حماس بمعلومات دقيقة أفشلت خطة الخداع الإسرائيلية الكبرى (عملية المترو) وحالت دون اغتيال قادة الميدان، ما يطرح تساؤلات مرعبة في تل أبيب حول حجم الاختراق الحالي.
ثالثاً: لبنان والممرات.. الجسر اللوجستي الأمريكي وفيتو المقاومة
تراقب واشنطن وطهران الساحة اللبنانية كبيضة قبان لتحديد مصير التفاهمات الإقليمية، وسط نشاط ملاحي أمريكي مشبوه.
الجسر اللوجستي الصامت (قاعدة حامات): كشفت أجهزة الرصد (OSINT) عن حركة وصول مكثفة لطائرات الشحن والعمليات الخاصة الأمريكية إلى قاعدة “حامات” الجوية شمال لبنان بعد منتصف الليل؛ حيث حطت طائرة عمليات خاصة (MC-130) تحت الرمز (GLIDE 54)، وأخرى شحن تكتيكي (C-130) تحت الرمز (CROME 83)، دون تشغيل أجهزة التتبع (ADSB) أو إظهار أرقام التسجيل. هذا الإنزال اللوجستي الصامت يأتي في وقت تحلق فيه مسيرات التجسس الإسرائيلية (Hermes 450) بكثافة و منخفضة فوق بيروت، ما ينذر بالتحضير لترتيبات أمنية غامضة لدعم “المرحلة التجريبية”.
فيتو الميدان وعجز السلطة: في المقابل، تؤكد مصادر دبلوماسية في طهران أن المفاوضين الإيرانيين يربطون أي تقدم مع واشنطن بالوقف الفعلي للحرب والانسحاب الكامل من لبنان، كاشفين أن “السلطة اللبنانية تشكل عائقاً” بسبب رفضها تعيين ممثل في اللجنة المشتركة للمراقبة، ومطالبتها بحذف اسم لبنان من طاولة التفاوض. ميدانياً، ردت المقاومة على هذه المناورات، حيث أقر الصحفي الإسرائيلي آفي أشكينازي بـ”خبرة حزب الله في حرب العصابات واستغلال نقاط ضعف الجيش”، بينما حسم العميد اللبناني المتقاعد بسام ياسين الموقف بالقول: “إذا أُبرم اتفاق سلام ومرّ إسرائيلي من الجنوب، سأطلق عليه النار بنفسي”.
حصار هرمز وحاملة الطائرات: بحرياً، وثقت وكالة فارس إجبار زوارق الحرس الثوري لـ 6 سفن تجارية على تحويل مسارها عن الممر العماني الخاضع للرقابة الأمريكية نحو الممر الإيراني. هذا الفرض للسيادة يجري في وقت تتجنب فيه حاملة الطائرات الأمريكية (USS Abraham Lincoln) دخول خليج عمان، مكتفية بالتواجد في المحيط الهندي بعيداً عن مرمى النيران الساحلية.