من برنامج رجال الله…ملزمة معرفة الله نعم الله الدرس الثاني (اليوم السادس)
أفق نيوز|
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} إذا تأمل الإنسان سيرى ما أكثر الأصناف، أصناف النباتات، أصناف الحيوانات، أصناف التربة، أصناف الصخور، أصناف متعددة من كل جنس متعدد، أصناف المعادن سخرها. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الجاثـية: 13) فهي تهديه إلى كيف ينتج، وكيف يصنـِّع، وهي تهديه إلى كيف يزداد خشيةً من الله، ومعرفةً تزيده خشيةً من الله فينطلق إنساناً صالحاً شاكراً يعمر الحياة على أرقى ما يمكن أن تصل إليه بالصلاح، وعلى أساس التقوى والشكر والعبادة لله سبحانه وتعالى.
ثم لاحظ القوم الذيـن تفكـروا، ألم يكتشفوا أن في أعماق الأرض وعلى بعد مئات الأمتار مـا حـرك العالم كله، ما حرك ظاهر العالم كله وهو البترول؟ الله قال: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَـا فِـي الأَرْضِ} وما في الأرض، فما كان هناك حتى في أعماق الأرض هو مسخر للإنسان.
ولاحظ إذا اكتشفنا فعلاً بأن هناك في أعماق الأرض وعلى بعد مئـات الأمتار ما أكد القرآن بأنه مسخر لنا، هل معنى مسخر لنا على النحو الذي يقول الآخرون: لنعرف من خلاله عندما نشاهده عقيدة صحيحة؟ نعرف الله سبحانه وتعالى؟ أليس في باطن الأرض مئات السنين، آلاف السنين وهو ما يزال في باطن الأرض؟ فما معنى تسخيره للإنسان؟ وما معنى أن يسخـر لـه؟ إلا ليتفكـر؛ ليتفكر فيصل إليه، وعندما يصل إليه ترى كيف سيصنع الحياة فيحرك ظاهـر العالـم، مـا الـذي حرك ظاهر العالم؟ ما الذي حرك المصانع وحرك الآليات؟ أليـس هو البتـرول؟ البترول أليس في أعماق الأرض؟
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} نحن نفهم قيمة التسخير أنه فعلاً بنظرة واحدة، الشمس سخرها لنا من أجل أن نتدفأ فيها، من أجل ألا يكون هناك برد، هذه واحدة مما تعطيه الشمس، الماء نشربه ونقول: لـك الحمـد يا الله، ثم نفهم أن كل شيء هو على هذا النحو، نعرف من خلالـه مـا يفيدنا تلقائياً، فكأنه هذا كل مـا يعطيـه، هـو ما يمكن أن نستفيده منه استفادة أولية، لكن لماذا لا نفهم من قوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} أليست [في] تعني ما كان في ظاهرها وفي باطنها؟ أن التفكر هو يرشد إلى أن الإنسان المؤمن مطلوب منه اعتقادياً ودينياً أن ينطلق في أعماق هذا الكون، وهو يتفكر وسيصل إلى أعماق الكون وبعد مئات الأمتار وسيرى أن هناك شيئاً مسخر له.
مسخر له لماذا؟ ليعرف من خلاله أنه محدَث وأن له محدِثًا؟ هذا ستعرفه من شجرة واحدة، هذا ما قـُدم لنا بأن كل ما في الدنيـا هذه هو عبارة فقط عن أدلة على الله سبحانه وتعالى على هذا النحو الضيق الذي قدمه أصحاب علم الكلام على هذا النحو الضيق، فعلاً كل شيء مظهر من مظاهر قدرة الله وحكمة الله وعلمه ولطفه ورحمته ورعايته وتكريمه للإنسـان، لكـن لينطلـق الإنسان.
فنحن عندما لم نتفكر جهلنا كل شيء، ثم رأينا من تفكروا كيف غاصوا إلى أعماق الكون، وكيف حركوا ظاهره، كيف حركوا المصانع، وحركوا المركبات، وأصبحنا نحن من تنزل القرآن علينا وبلغتنا متعلقين معهم فقط، رُكـَّاب في البر والبحر وفي الجو. ألسنا في جهالة؟
لنعرف من خلال هذا كيف يمكن أن يكون الأثر السيـئ للأخطـاء الثقافيـة، وقـد تضـرب أمـة بأكملها وتجعلهـا تحـت الأقدام وهي أمة كان يراد لها أن تكون فوق هامات العالم {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَـرِ} (آل عمران: 110) لكـن هذا الشيء الذي يؤسف الإنسان فعلاً يؤسف الإنسان فعلاً. نحن ضربنا على أيدي من حملوا اسم علم، ضربنا نحن على أيدي المعتزلة والأشعرية وأضرابهم.
والمعتزلة هم من كانوا يرون أنفسهم علماء أجلاء إلى درجة أنهم – كما يحكي الشرفي في شرح الأساس – أنهم كان البعض منهم يسخرون بأئمة أهل البيت فينظرون إليهم نظرة بأنهم بسطاء وتفكيرهم بسيط ومتخلفين ثقافياً، يرون أنفسهم هناك مثقفين ثقافة رفيعة، هذه آثار ثقافتهم، آثار ثقافتهم المغلوطة، المعتزلة، الأشعرية، العقائـد الباطلـة من هنـا وهنـاك، وعندمـا ساد الناس أيضاً حكام جاهلون، همه أن يبحث عن العالم الذي يدجِّن المجتمع له دينياً، فيتوارث خليفة بعد خليفة، وملك بعد ملك، ورئيس بعد رئيس على أكتاف هذه الأمة وهي تعيش في ظلام الجهل والتخلف.
ثم المأساة تأتي في الأخير أن نأتي نحن نتنكر لديننا فنعتقد أنه هو المسؤول، ثم نكون ضحية لتضليل اليهود نقبل قولهم: أن الدين هو الذي ضربنا، ألم تكن كثير من البلدان الإسلامية دخلت إليها الاشتراكية تكفر بالله؟ وقيل لها بأن الدين هو تخلف، وأن الدين هو [أفيون الشعوب]، ألم يصبح كثير في أوساط المسلمين علمانيين؟ كثير من المسلمين علمانيين، نتنكر للدين بكله ولا شأن للدين بالحياة.
نظرة صحيحة عندما ننظر إلى الدين على أساس مـا قدمـه إليـه الآخـرون من العلمـاء، العلمـاء الذين اعتبرهم علماء المسلمين قدموا الإسلام على هذا النحو فعلاً هذا التقديم يخلق هذه النظرة أن هذا الدين لا يصلح لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا ثقافياً، وأنـه يحـول بين الأمة وبين أن تنهض فعلاً على قدميهـا، وبين أن تصبـح أمـة قادرة على أن تبدع وتخترع وتنتج، لكن ظلمنا الديـن نفسـه؛ ولهذا كان الإمام الخميني يقول: إن الثقليـن ظـُلِما، قـال: الأمـة ظلمـت الثقليـن: يعني القرآن والعترة.
ظلموهـم مـن أول الزمـان، مـن بعـد رسـول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) وعلى طول التاريخ، وظلموهم في هذا الزمن أن تنكروا لهم وأصبح الحديـث عـن العـودة إليهـم تخلفـاً، لا، نقـول: أولئك الحكام الذين حكموا الأمة على طول تاريخهم هم المتخلفون، هم الذين أورثوها التخلف، أولئك العلماء الجهلة الكثير منهم ممن حرفوا ثقافة الأمة من حيث يشعرون أو لا يشعرون هم من ضرب الأمة، هم من ظلم الأمة – هم من جهَّل الأمة – وليس فقط الثقلين: القرآن والعترة.
بل نحن الزيديـة مـن نتمسـك بأهل البيت، أهل البيت أنفسهم هم من عانوا من هذا، كما يقول علي عبد الله: [نحن عانينا من الإرهاب]، نحن عانينا أيضاً من الأخطاء الثقافية التي جاءتنا من قبل السنية، من قبل المعتزلة، من قبل الطوائف الأخرى، عانينا ممن تأثروا في داخلنا بهم فعلاً، فأصبحنا نحن شركاء في ظلم الثقلين: الكتاب والعترة، فأصبحنا كلنا قوم لا نتفكر إلا حيث لا يطلب منا أن نتفكر على النحو الذي نفهم معنى التفكر والنظر، سلطنا التفكر والنظر في مجال معرفة الله على النحو القاصر – كما كررت – وفي مجال التشريع، أو في مجال الهداية الكاملة وهي التي قد تكفل الله بها {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيقول لك: هذه الآية تدل على وجوب النظر، فأصبح النظر واجباً عقلاً وشرعاً على النحو الذي يقدمونه هم.
نعود إلى أصل الموضوع، كملاحظة أو إضافة على الموضوع: ساعد على هذا أننا لم نجعل الحديث عن نعم الله سبحانـه وتعالـى من القواعد المهمة في تحقيق معرفته داخل كتبنا التي نسميها كتب أصول الدين، هذه واحدة.
الشيء الثاني: نظرنا إلى الحياة، إلى الدنيا عن طريق أصحاب كتب الترغيب والترهيب ومعظمهم أيضًا من السنية، نظرنا إلى الدنيا هذه بكلها، هـذه الدنيـا التي يتحدث الله عنها، ويذكر بأنها نعمة عظيمة علينا بأنها لا تساوي جناح بعوضة، وأنها ليست بشيء، وعلى الإنسان أن ينصرف عنها، وإذا كان سيطلبها فليطلب فقط القوت الضروري منها والكفاية فقط منها وينطلق، يتركها الناس، يرفضها الناس، هذا هو التدين.
عزز الفكرة مرشدون داخل مساجدنا يسيرون في هذا الاتجاه، وكتّاب وهم يكتبون في أشرف علومنا يسيرون في هذا الاتجاه، ومفسرون أيضاً يسيرون في هذا الاتجاه، وهكذا تراكمت الأشياء فأصبحنا نحن أبناء هذا العصر الضحية، وليس فقط هذا الجيل بل أجيال نحو ما لا يقل عن أربعمائة سنة، اعتبرها أربعمائة سنة على أقل تقدير هي الحالة التي ظهرت فيها النتائج السيئة لكل الأشياء التي سبقت.
{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} (غافر: 61) الله الذي يستعطفنا بما يحدثنا به من نعمه، والذي يذكرنا بقيمة نعمه. كيف يتمنن علينا بما لا قيمة لـه عنـده؟ إذا كانت الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة إذاً فلا قيمة لما يتمنن بـه علينا، إذا كان يعطي ما لا قيمة لـه عنده، ما لا قيمة له لديه، ولا نعني بالقيمة أنها مسألـة حاجة – وفعلاً هو ليس محتاجاً لكن الحكيم ينظر إلى الأشياء المهمة ذات قيمة فيما تعطيه – فإذا كانت هذه الأشياء كلها لا قيمة لها لديه فلا حاجة لشكرها، ولا حاجة للتمنن بها علينا، لماذا يتمنن علينا بما لا قيمة لها عنده؟! لها قيمة {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (الفرقان: 2) وهذه الآية تتحدث عن أهمية مـا أعطـى، عـن أن نتذكر فضل وعظم ما أعطى، ومـا أسبـغ من هـذه النعـم.
{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} (غافر: 61 – 62) لاحظ كيف يربط بين الحديث عن نعمه وبين وحدانيته، وبين توحيده وعبادته، {كَذَلِـكَ يُؤْفَـكُ الَّذِيـنَ كَانُـوا بِآيـاتِ اللَّهِ يَجْحَـدُونَ * اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِيـنَ} (غافر: 63 – 65).
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى أن نكون ممن يشكر نعمه، وممن يرعى نعمه، وممن يتفكر في ما سخره في هذا العالم لعباده، وأن يهدينا إلى معرفته التي تملأ قلوبنا حباً له، وخشية منه وإجلالاً له، وعظمة له، إنه على كل شيء قدير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،