أفق نيوز
الخبر بلا حدود

كربلاء ليست للبكاء فقط.. بل لكشف الأسباب التي صنعت المأساة وتُعيد إنتاجها في كل عصر (الجزء الثالث)

47

أفق نيوز| محمد علي الحوثي

الدرس الأول: التأصيل المفاهيمي للتفريط

تمهيد:

تنطلق قراءة الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) لواقعة كربلاء من فرضية مركزية مؤداها أن المآسي الكبرى لا تنشأ بصورة فجائية، ولا تكون وليدة لحظتها الزمنية، بل تمثل في حقيقتها حصيلة مسار سابق من الانحراف والتفريط والتراكمات التي تفضي بالأمة إلى الوقوف في مواجهة الحق دون وعي بخطورة المآلات.
ولهذا يطرح السيد في البداية عدة تساؤلات تأسيسية تسعى إلى استكشاف الجذور العميقة للمأساة، فيقول:
»ما الذي حصل؟ لم نسمع في تاريخ الجاهلية بحادثة كهذه! ما الذي جعل الساحة الإسلامية مسرحاً لمثل هذه المآسي؟ لمثل هذه الأحداث المفجعة؟ ما الذي جعل من يسمون أنفسهم مسلمين، ويحسبون على الإسلام هم من ينفذون مثل هذه الكارثة!؟ «
ثم يعيد توجيه النظر إلى البعد السنني للحادثة بقوله:
»حادثة كربلاء، فاجعة كربلاء، هل كانت وليدة يومها؟ هل كانت مجرد صدفة؟ هل كانت فلتة؟ أم أنها كانت هي نتاج طبيعي لانحراف حدث في مسيرة هذه الأمة، انحراف في ثقافة هذه الأمة، انحراف في تقديم الدين الإسلامي لهذه الأمة من اليوم الأول الذي فارق فيه الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) هذه الأمة للقاء ربه. «
ويمثل هذا النص منطلقاً مهماً لفهم مفهوم التفريط في رؤية السيد، إذ إن التفريط لا يقدم بوصفه فعلاً جزئياً أو تقصيراً فردياً محدود الأثر، وإنما بوصفه حالة تراكمية تتداخل فيها العوامل الفكرية والثقافية والسياسية، حتى تتحول إلى بيئة حاضنة للمأساة التاريخية.

أولاً: التفريط بوصفه انحرافاً في مسيرة الأمة
لا يتعامل الشهيد القائد مع كربلاء باعتبارها حادثة منفصلة عن السياق الذي سبقها، بل يؤكد أن فهمها لا يتحقق إلا من خلال العودة إلى مقدماتها، ولذلك يقول: »إذا ما فهمنا أن حادثة كربلاء هي نَتاج لذلك الانحراف، حينئذٍ يمكننا أن نفهم أن تلك القضية هي محط دروس وعبر كثيرة لنا نحن، من نعيش في هذا العصر المليء بالعشرات من أمثال يزيد وأسوأ من يزيد. «
ويكشف هذا النص عن منهجية واضحة في القراءة التاريخية التي تقوم على الانتقال من ظاهر الحدث إلى تحليل البنية التي أنتجته، ومن التركيز على النتيجة إلى استكشاف الأسباب المؤسسة لها.
وبذلك يصبح (التفريط) في هذه القراءة عنواناً لمسار متدرج يبدأ بإضعاف معايير الهدى، ويتطور إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي بصورة تتيح تقبل الانحراف والتعايش معه، ثم الدفاع عنه، وصولاً إلى مواجهة رموز الحق أنفسهم.

ثانياً: كربلاء بوصفها مدرسة في الوعي التاريخي
ينتقل السيد من توصيف الحادثة إلى بيان وظيفتها المعرفية والتربوية، فيقرر أن كربلاء ليست مناسبة زمنية مغلقة، وإنما مدرسة دائمة للاعتبار، فيقول » :إن الحديث عن كربلاء هو حديث عن الحق والباطل، حديث عن النور والظلام، حديث عن الشر والخير، حديث عن السمو في أمثلته العليا، وعن الانحطاط. «
ويضيف: » إن حادثة كربلاء، إن ثورة الحسين (عليه السلام) حدث تستطيع أن تربطه بأي حدث في هذه الدنيا، تستطيع أن تستلهم منه العبر والدروس أمام أي من المتغيرات والأحداث في هذه الدنيا؛ لذا كان مدرسة، كان مدرسة مليئة بالعبر، مليئة بالدروس لمن يعتبرون، لمن يفقهون، لمن يعلمون. «
ونلاحظ هنا أن السيد لا يحصر دلالة كربلاء في إطارها التاريخي الخاص، بل يوسع من مجالها التفسيري لتصبح نموذجاً يمكن استحضاره في فهم التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية في مختلف العصور.
خاتمة الدرس الأول
يتضح من خلال قراءة النصوص السابقة أن السيد حسين بدر الدين الحوثي لا يقدم كربلاء بوصفها حادثة منفصلة عن تاريخها السابق، بل بوصفها النتيجة النهائية لمسار طويل من الانحرافات المتراكمة، وأن أخطر أشكال التفريط ـ في هذه القراءة ـ يتمثل في التهاون مع عناصر الإضلال، أو تأجيل مواجهتها، أو التعامل معها بوصفها مشكلة قابلة للاحتواء لاحقاً، إذ إن آثارها لا تقف عند حدود الحاضر، بل تمتد لتعيد تشكيل وعي الأمة، وتحدد طبيعة مواقفها من الحق والباطل في الأجيال اللاحقة.

الدرس الثاني: التفريط في الهدى وبناء البدائل المغلوطة

تمهيد

إذا كان الدرس الأول قد تناول مفهوم التفريط بوصفه مدخلاً لفهم المآسي التاريخية، فإن هذا الدرس يتناول إحدى أهم القضايا التي تؤسس لها محاضرة “دروس من وحي عاشوراء“، وهي أن الانحرافات الكبرى لا تتشكل فجأة، وإنما تنشأ عبر مسار تراكمي يبدأ بالتساهل مع عناصر الضلال، والتفريط في مسؤولية حماية الهدى، ثم ينتهي بإعادة تشكيل وعي الأمة على نحو يجعلها تقف في مواجهة الحق، بل وتشارك في استهداف رموزه.

أولاً: الوعي المبكر بخطورة الضلال في منهج الإمام علي (عليه السلام)
يستحضر السيد حسين بدر الدين الحوثي موقف الإمام علي (عليه السلام) من قضية إبقاء معاوية والياً على الشام، بوصفه نموذجاً عملياً في إدراك خطورة التساهل مع عناصر الإضلال، فيقول: »الإمام علي (عليه السلام) عندما آلت الخلافة إليه كان أمامه عقبة كؤوداً، شخص معاوية في الشام. أول قرار اتخذه الإمام علي (عليه السلام) هو أنه يجب عزل هذا الرجل ولا يمكن أن يبقى دقيقة واحدة في ظل حكم علي، يحكم منطقة كالشام باسم علي، وباسم الإسلام. «
ثم يبين طبيعة الرؤية التي قدمها بعض الناصحين للإمام علي (عليه السلام)، فيقول: »البعض نصح الإمام علياً (عليه السلام) بأنه ليس الآن وقت أن تتخذ مثل هذا القرار، معاوية قد تمكن في الشام، انتظر حتى تتمكن خلافتك ثم بإمكانك أن تعزله. «
غير أن الإمام علي (عليه السلام) ـ كما تحدث الشهيد القائد ـ رفض هذا المنطق، مستنداً إلى المعيار القرآني، إذ قال: لا يمكن… واستشهد بقول الله تعالى: {وما كنت متخذ المضلين عضداً}.«
ويمثل هذا الموقف، في قراءة السيد، إدراكاً مبكراً للعلاقة بين السلطة والهداية، وبين مسؤولية الحاكم في منع أدوات الإضلال من التأثير في المجتمع، لأن الإقرار بالمضلين ـ ولو مرحلياً ـ ليس إجراءً سياسياً محايداً، بل يحمل آثاراً بعيدة المدى على وعي الأمة واتجاهاتها.

ثانياً: الإضلال بوصفه صرفاً للأمة عن القرآن وهدي الرسالة
يقدم السيد تعريفاً ضمنياً لطبيعة الإضلال وآثاره، فيقول: »إن معاوية رجل مضل، يضل أمة، ومعنى أن تُضل أمة بعد أن جاء هدي الله، بعد أن جاء نور القرآن، بعد أن بعث الله محمداً (صلوات الله وسلامه عليه) ماذا يكون إضلالك؟ هل يكون إلا صرفاً للأمة عن القرآن، صرفاً للأمة عن محمد، صرفاً للأمة عن دين الله، عن الإسلام، عن هدي الله. «
وتبرز في هذا النص عدة دلالات مهمة:
أولها: أن الإضلال لا يقتصر على نشر الأفكار الخاطئة، بل يمتد إلى إحداث حالة من الانفصال التدريجي بين الأمة ومصادر هدايتها الأصلية.
وثانيها: أن أخطر مظاهر التفريط لا تتمثل في الخطأ الجزئي، وإنما في السماح بتشكل بيئات اجتماعية وثقافية وسياسية تؤدي إلى إضعاف حضور القرآن ومعاييره في الوعي الجمعي.
وثالثها: أن الانحراف عندما يُترك لينمو ويتجذر، فإنه يتحول إلى قوة اجتماعية قادرة على إعادة تشكيل مواقف الناس واتجاهاتهم.
ثالثاً: من الضلال إلى الوقوف في مواجهة الحق
يبين السيد الآثار العملية لهذا الإضلال، من خلال حديثه عن معركة صفين، فيقول:
»وعندما حصل الصراع بين الإمام علي (عليه السلام) وبين معاوية وجاءت معركة صفين استطاع معاوية أن يحشد جيشاً كثير العدد والعدة أكثر من جيش الخليفة نفسه، أكثر عدداً وأقوى عدة من جيش الخليفة نفسه، وكان ذلك الجيش الذي حشده إلى ساحة صفين مجاميع من تلك الأمة التي أضلها معاوية. «
ثم يضيف:
»لما أضلها معاوية انطلقت تلك الأمة لتقف في صف الباطل، لتقف في وجه الحق، لتقف في وجه النور، لتقف في وجه العدالة، في وجه الخير. «
ويكشف هذا النص عن واحدة من أهم القواعد السننية التي يمكن استنباطها من المحاضرة، وهي أن التفريط في حماية الهدى لا يؤدي فقط إلى ضعف الالتزام بالحق، بل قد ينتهي إلى انقلاب الموازين لدى المجتمع، بحيث يصبح الحق خصماً، ويغدو الباطل موضع نصرة ودفاع.

رابعاً: السلسلة السننية للتفريط في ضوء المحاضرة
انطلاقاً من النصوص السابقة، يمكن رسم المسار السنني الذي تشير إليه المحاضرة على النحو الآتي:
– التفريط في حماية الهدى
– الإقرار بعناصر الإضلال أو التساهل معها
– إعادة تشكيل الوعي الجمعي
– الصرف التدريجي عن القرآن وهدي الرسالة
– اختلال معايير التمييز بين الحق والباطل
– الوقوف في مواجهة رموز الهداية
– التأسيس لمآسٍ تاريخية كبرى، تتجلى في صورتها الأبرز في مأساة كربلاء.

خاتمة الدرس الثاني
يتبين من خلال النصوص السابقة أن السيد حسين بدر الدين الحوثي يقدم قراءة تتجاوز البعد التاريخي الجزئي لكربلاء، لتجعل منها نموذجاً لفهم العلاقة بين التفريط والوعي المتأخر، وبين إهمال معالجة مقدمات الانحراف ووقوع المجتمعات في نتائج كارثية يصعب تداركها لاحقاً. ومن ثم فإن استحضار كربلاء، في هذه الرؤية، لا يهدف إلى اجترار الأحزان، بل إلى بناء بصيرة استباقية تمكن الأمة من التعرف على مقدمات الأزمات قبل أن تتحول إلى وقائع مفروضة.

الدرس الثالث: الوعي في حياة الأمم

تمهيد

من أبرز القضايا التي تتأسس عليها قراءة السيد حسين بدر الدين الحوثي لواقعة كربلاء أن المأساة لا تنشأ في لحظة وقوعها، بل تتشكل عبر مراحل متراكمة من الانحرافات المؤجلة، والتساهل مع مقدمات الضلال، والتعامل مع الأخطار الفكرية والسياسية بمنطق التأجيل وانتظار النتائج العملية قبل اتخاذ الموقف المناسب. ومن ثم فإن الوعي الذي يأتي بعد اكتمال المأساة، على أهميته الأخلاقية، لا يملك القدرة على استعادة الفرصة التاريخية التي تم التفريط بها.
أولا:الانحراف الأول، المدخل التراكمي للمأساة

من الأفكار المحورية التي يؤسس لها السيد حسين بدر الدين الحوثي في قراءته لكربلاء أن المآسي الكبرى لا تنشأ دفعة واحدة، ولا تكون نتاج لحظة منفصلة عن سياقها التاريخي، وإنما هي حصيلة مسار متدرج من الانحرافات المتراكمة، تبدأ بخطوة أولى قد تبدو محدودة في آثارها المباشرة، لكنها تفتح الباب أمام سلسلة متتابعة من النتائج التي تتضخم مع مرور الزمن حتى تبلغ ذروتها في كوارث تهز كيان الأمة بأكمله.
ولهذا يرفض السيد النظر إلى كربلاء بوصفها حادثة معزولة، أو باعتبارها مجرد فعل ارتكبه يزيد أو ابن زياد، بل يدعو إلى إعادة قراءة البدايات الأولى التي هيأت الظروف لتلك النهاية المأساوية، قائلاً: »لا ننظر إلى فاجعة كربلاء أنها وليدة يومها.. من الذي حرك الجيوش لتواجه الحسين في كربلاء؟ من الذي أرسل ابن زياد إلى الكوفة ليغري زعماء العشائر بالأموال، ويرغّب ويرهب حتى يجيشهم، حتى يحولهم إلى جيش يتوجه لضرب الحسين بعد أن كانوا قد بايعوا الحسين؟ من هو؟ إنه يزيد. من الذي جعل يزيد خليفة على رقاب المسلمين؟ إنه معاوية. من الذي جعل الأمة تقبل مثل يزيد؟ من الذي جعل ليزيد سنداً قوياً وقاعدة قوية؟ إنه معاوية.«.
ويكشف هذا التسلسل – في رؤية السيد – عن قانون تاريخي بالغ الأهمية، وهو أن الانحرافات لا تتوقف عند حدود أصحابها المباشرين، وإنما تنتج آثاراً ممتدة تتجاوز الأجيال والأشخاص، بحيث تصبح القرارات الأولى بمثابة حلقات تأسيسية لما يليها من تحولات وانعطافات.
ولهذا يؤكد أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الاقتصار على إدانة الحلقة الأخيرة من سلسلة الانحراف، بل في إغفال الحلقة الأولى التي سمحت بتشكل تلك السلسلة واستمرارها، فيقول: »إذا لم ننظر دائماً إلى البدايات، ننظر إلى بدايات الانحراف، ننظر إلى الأسباب الأولى، النظرة التي تجعلنا نرى كل تلك الأحداث المؤسفة، نرى كل هذا الواقع الذي تعيشه الأمة إنما هو نتاج طبيعي لذلك الانحراف، إنما هي تداعيات لتلك الآثار السيئة التي كانت نتاج ذلك الانحراف، وإلا فسنعيش في ظل الأسباب نفسها، وسنكون نحن جزءاً من الأسباب التي جعلت الحسين صريعاً في كربلاء، وجعلت علياً قبله، والحسن قبله يسقطون شهداء«.
ومن هنا فإن قراءة كربلاء، وفق هذا المنظور، تتحول من مجرد استذكار للمأساة إلى منهج في تحليل التاريخ، يقوم على تتبع الجذور الأولى للأحداث، والكشف عن الكيفية التي تتحول بها الأخطاء الصغيرة، والتنازلات الأولية، والتهاون في المواقف المبدئية، إلى مسارات ممتدة تعيد تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي للأمة.
كما يبرز السيد من خلال هذا التحليل أهمية الوعي بالأسباب البعيدة، وعدم الانشغال بالمظاهر النهائية للأزمات وحدها؛ لأن الاقتصار على معالجة النتائج دون مراجعة المنطلقات المؤسسة للانحراف يعني – في نظره – بقاء الأمة داخل الحلقة التاريخية نفسها، واستعدادها لإعادة إنتاج المأساة بأسماء جديدة ووجوه مختلفة، بينما تبقى الآليات والأسباب ذاتها فاعلة في صناعة الانحدار التاريخي.
وبذلك يؤسس هذا المبحث لواحدة من أهم القواعد السننية في المحاضرة، وهي أن الوعي الحقيقي بالتاريخ لا يكتفي بإدانة لحظة السقوط، وإنما يعود إلى اللحظة التي بدأ فيها التساهل مع الانحراف، لأن تلك اللحظة هي التي تحمل في داخلها البذور الأولى للمآلات اللاحقة، ومنها كربلاء نفسها.
وهذا المبحث يشكل حلقة انتقالية طبيعية بين المباحث الأولى المتعلقة بموقف الإمام علي (عليه السلام) من معاوية، وبين المباحث اللاحقة التي تتناول التفريط، واللامبالاة، وصناعة القواعد الاجتماعية التي تنتهي إلى الوقوف في صف الباطل.

ثانيا صناعة القواعد الشعبية للباطل.. قراءة الإضلال الأموي نموذجا
من القضايا المحورية التي تتكشف من خلال قراءة السيد حسين بدر الدين الحوثي لفاجعة كربلاء، أن الانحرافات الكبرى في تاريخ الأمم لا تصنعها إرادة الحاكم المنحرف وحده، وإنما تحتاج إلى بيئة اجتماعية قابلة للتوجيه، وقواعد شعبية يعاد تشكيل وعيها تدريجياً حتى تصبح أداةً لتنفيذ مشاريع الباطل وهي تظن أنها تتحرك باسم الدين أو المصلحة العامة.
ومن هنا يتوقف السيد مطولاً عند شخصية معاوية، لا بوصفه خصماً سياسياً للإمام علي (عليه السلام)فحسب، بل بوصفه مشروعاً متكاملاً للإضلال وإعادة تشكيل وعي الأمة، فيقول: »إن معاوية مضل، وقد بقي فترة طويلة على بُعدٍ من عاصمة الدولة الإسلامية، أضل أمة بأسرها، أقام لنفسه دولة في ظل الخلافة الإسلامية«.
ويرى أن أخطر ما أنتجه هذا المشروع لم يكن مجرد تثبيت سلطة معاوية، وإنما صناعة مجتمع يتحرك ضد الحق، ولذلك يقول: » لما أضلها معاوية انطلقت تلك الأمة لتقف في صف الباطل، لتقف في وجه الحق، لتقف في وجه النور، لتقف في وجه العدالة، في وجه الخير، تقف مع ابن آكلة الأكباد، مع ابن أبي سفيان، ضد وصي رسول الله«.
ثم يلفت النظر إلى النتيجة الخطيرة التي ترتبت على هذا الإضلال:» استطاع معاوية أن يحشد جيشاً كثير العدد والعدة أكثر من جيش الخليفة نفسه«.
إن السيد هنا لا يناقش مجرد تفوق عسكري أو سياسي، بل يشخص آلية تحول الأمة من حاضنة للهداية إلى قاعدة اجتماعية تتحرك في مواجهة رموزها، وهو ما سيظهر لاحقاً في كربلاء، حين يتحول من عاشوا مع علي وسمعوا خطبه إلى محاصرين للحسين (عليه السلام).
ومن ثم فإن كربلاء، في هذه القراءة، لم تكن سوى الثمرة الأخيرة لشجرة الإضلال التي نمت جذورها منذ وقت مبكر، حتى أصبحت قادرة على إنتاج مجتمع يرى الباطل حقاً، والحق خطراً يهدد استقراره ومصالحه.

ثالثاً: اللامبالاة الاجتماعية.. لماذا لم يترك كلام الامام علي كرم الله وجهه أثره؟
إن من أكثر الأسئلة إيلاماً ومن أبرز الدروس التي تثيرها المحاضرة سؤال شهيد القرآن عن مصير ذلك المجتمع الذي عاش بين ظهراني الإمام علي (عليه السلام)، واستمع إلى خطبه، ونهل من علمه، ثم انتهى به الأمر إلى الوقوف في صف يزيد ضد الحسين فيقول:» ألم يعش علي (عليه السلام) بينهم سنين خلافته؟«.
ثم يصف الإمام علي بقوله: » وعلي ببلاغته.. علي بمنطقه.. علي بحجته.. علي بمعرفته وعلمه الواسع، ((باب مدينة العلم))، هو من كان دائماً يتحدث مع أهل العراق، من كان دائماً يوجه ويتحدث ويرشد ويعلم ويحذر وينذر من عواقب الأمور«.
ورغم هذا الحضور التربوي والمعرفي المكثف، يتساءل السيد القائد شهيد القران: »فلماذا رأينا أهل العراق يقفون هم قبل أهل الشام في صف يزيد في مواجهة الحسين نفسه؟«.
ويجيب بكلمة واحدة» إنه التفريط«.
غير أن السيد لا يكتفي بهذا الجواب المجمل، بل يعود إلى جذوره النفسية والسلوكية، فيقول: »التفريط إنما هذا منبعه: يوم أن يسمع الناس الكلام، ويسمعون التوجيهات، ويسمعون منطق الحق ثم لا يهتمون ولا يبالون، ولا يعطون كل قضية ما تستحقه من الأهمية«.
ثم يقدم صورة بليغة تختصر مأساة الوعي المتلقي الذي لا يتحول إلى وعي فاعل، فيقول: »يوم كنت تسمع الحِكَم تتساقط من فم علي كالدرر، فتنظر إليها وكأنها بَعَر، لا تهتم بها«.
وتكشف هذه العبارة أن المشكلة لم تكن في غياب الحجة، ولا في ضعف البيان، ولا في قصور الخطاب، وإنما في قابلية المجتمع نفسه للتفاعل مع الهداية، وفي استعداده لتحويل المعرفة إلى موقف، والكلمة إلى التزام، والبصيرة إلى عمل.
ومن هنا تتحول كربلاء إلى مناسبة لمراجعة سؤال لا يزال مطروحاً في كل عصر: هل يكفي أن تتوفر النصوص، والخطب، والعلماء، والدعاة، حتى تتغير المجتمعات؟ أم أن الخطر الحقيقي يبدأ حين تتحول الهداية إلى مادة للإعجاب أو التقدير النظري دون أن تتحول إلى قوة موجهة للسلوك والقرار؟
كما ان من أبرز الملامح الفكرية والدروس في المحاضرة أن السيد حسين بدر الدين الحوثي لا ينطلق في قراءته للواقع من الحسابات السياسية المجردة، ولا من موازين القوى المتعارف عليها في الأدبيات السياسية، وإنما يؤسس لنمط مختلف من الوعي يستمد معاييره من القرآن الكريم.
فهو يرى أن كثيراً من المواقف التي تبدو في نظر أصحابها حكيمة وواقعية ليست في حقيقتها إلا نتاج خوف أو سوء تقدير أو ضعف في الثقة بالله، ولذلك يقول: »نحن من خلال القرآن، من خلال الأحداث استطعنا أن نفهم الواقع الذي أنتم جزء منه، استطعنا أن نفهم خلاف الفهم الذي أنتم تفهمونه«.
ثم يستشهد بقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وبذلك يقدم السيد تصوراً معرفياً يرى أن معيار تقدير القوة والضعف، والنصر والهزيمة، ليس هو الرؤية المادية المجردة، بل الرؤية القرآنية التي تستمد يقينها من الله سبحانه وتعالى، وتعيد تشكيل وعي الإنسان بحيث لا يكون أسيراً للرهبة من القوى المهيمنة، وإنما محكوماً بالمقاييس التي أرساها القرآن الكريم.
رابعاً: منطق التفريط الأول وأثره التراكمي في صناعة المأساة
من القضايا المركزية التي يلحّ عليها السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي في قراءته لكربلاء أن الانحرافات الكبرى لا تنشأ عادةً من موقف نهائي مفاجئ، ولا من قرار معزول في لحظة تاريخية محددة، وإنما تكون حصيلة سلسلة متراكمة من حالات التهاون والتقصير واللامبالاة تجاه الحق منذ بداياته الأولى. ولذلك فإن جريمة كربلاء – في نظره – لا يمكن فهمها بوصفها حدثاً منفصلاً عن مقدماته، بل هي النتيجة الطبيعية لمسار طويل من التفريط المتدرج.
ولهذا يقرر قاعدة عامة في فهم حركة المجتمعات بقوله: »الجرائم ليست في العادة هي نتيجة عمل طرف واحد فقط، المجرمون من جهة، المضلون من جهة يجنون، والمفرِّطون والمقصرون والمتوانون واللاأباليون هم أيضاً يجنون من طرف آخر، فالجريمة مشتركة«.
ويكشف هذا التحليل عن رؤية تتجاوز الاقتصار على إدانة الجناة المباشرين، لتتجه إلى مساءلة البيئة الاجتماعية التي تسمح بتنامي الانحراف، وإلى تحميل المسؤولية لأولئك الذين يتخلون عن دورهم في حماية الحق أو يتعاملون معه بمنطق اللامبالاة والفتور.
ومن هنا يربط السيد بين مأساة كربلاء وبين ما سبقها من حالات التفريط في استقبال الهداية والاستجابة لها، مؤكداً أن المشكلة لا تبدأ عند وقوع الحدث، وإنما تبدأ يوم يسمع الإنسان كلمة الحق ثم لا يمنحها ما تستحقه من الاهتمام والعمل.
ويقول: »إنه التفريط، ليس فقط التفريط أمام الحدث، بل التفريط يوم نسمع التوجيهات فلا تعطيها أهميتها«.
ثم يوضح طبيعة هذا التفريط قائلاً:
»أن تحصل حادثة معينة، فتتقاعس، تقاعسك، قعودك، إنما هو نتيجة لتفريطك الأول يوم كنت تسمع توجيهات علي، يوم كنت تسمع إنذار علي، يوم كنت تسمع الحِكَم تتساقط من فم علي كالدرر، فتنظر إليها وكأنها بَعَر، لا تهتم بها«.
وتبرز في هذا النص صورة بليغة تعكس حجم المفارقة بين قيمة الهداية المعروضة وبين طريقة تلقي الناس لها؛ فالحِكم التي يصفها بأنها «تتساقط من فم علي كالدرر» فقدت أثرها العملي في النفوس بسبب اعتياد سماعها أو عدم استشعار خطورتها، حتى أصبحت تُستقبل ببرود ولامبالاة، وهو ما أدى إلى تعطيل وظيفتها في صناعة الوعي وحماية المجتمع من الانحراف.
ولذلك يحدد السيد المنبع الحقيقي للتفريط بقوله:» التفريط.. التفريط إنما هذا منبعه: يوم أن يسمع الناس الكلام، ويسمعون التوجيهات، ويسمعون منطق الحق ثم لا يهتمون ولا يبالون، ولا يعطون كل قضية ما تستحقه من الأهمية«.
وانطلاقاً من هذه القاعدة، فان شهيد القران يعيد قراءة المسار التاريخي الذي انتهى بكربلاء، فيربط بين حلقاته الأولى والمتأخرة، معتبراً أن قبول الانحرافات الأولى هو الذي مهّد للانحرافات اللاحقة، وأن التنازلات الصغيرة تتحول مع الزمن إلى مآسٍ كبرى ومع أن الشهيد القائد كان يرى أن التاريخ لم يقدم ولم يكتب بالطريقة البناءة وقد تحدث في دروس من هدي القرآن عن رؤيته لكتابة التاريخ. إلا انه وبالتتبع والقراءة الواعية يرى من يقرأ دروس من وحي عاشوراء كيف قراء هذه الحادثة كمثال تطبيقي قدمه ووضح فيه التشخيص الحقيقي لما وصل حال الأمة ومأساة كربلاء في هذا الدرس نفسه.
أنا أدعو لقرائتها القراءة الواعية ليفهم الجميع رؤيته وكيف بيّن شهيد القرآن امتداد هذا المسار
وكيف بلغت هذه الفكرة ذروتها في استخلاصه للنتيجة التاريخية المؤلمة بقوله: »ذلك التفريط هو الذي جعل أهل العراق قبل أهل الشام يصلون إلى كربلاء فيحاصرون الحسين (عليه السلام) وأهل بيته، وجعلهم قبل أهل الشام يوجهون النبال إلى صدره، وهم من عاش بينهم علي (عليه السلام) سنين يحدثهم ويعظهم ويرشدهم«.
ونؤكد ايضاً أن من أهمية هذا الدرس نظرته التي تكمن في نقل قراءة كربلاء من دائرة البحث عن المسؤول المباشر إلى دائرة أوسع، تتناول مسؤولية المجتمع عن تراكمات التفريط، وعن تعطيل أثر الهداية حين تُعرض عليه، ليصبح الدرس المركزي في كربلاء
خامسا: منهج السيد حسين بدر الدين الحوثي في قراءة التاريخ: من الحدث إلى السنن
من أهم ما يلفت النظر في محاضرة “دروس من وحي عاشوراء”  أن السيد حسين بدر الدين الحوثي لا يتعامل مع واقعة كربلاء بوصفها حادثة تاريخية مغلقة، ولا بوصفها مجرد مناسبة لإثارة الحزن واستحضار المأساة، بل يقرأها من داخل منهج يقوم على تتبع السنن والقوانين الحاكمة لحركة المجتمعات، والبحث عن الجذور الأولى للأحداث الكبرى، انطلاقاً من أن الوقائع التاريخية ليست حوادث منفصلة عن مقدماتها، وإنما هي نتائج طبيعية لمسارات طويلة من الخيارات والمواقف والتراكمات.
ولهذا يرفض بصورة صريحة النظر إلى كربلاء باعتبارها حادثة وليدة يومها، فيقول: » إنه حدث – أيها الإخوة – مليء بالدروس، مليء بالعبر.. وما أحوجنا نحن في هذا الزمن إلى أن نعود إلى تاريخنا من جديد، إلى أن نعود إلى الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) فنتطلع في سيرته وحركته الرسالية، منذ أن بعثه الله رسولاً إلى أن صعدت روحه الشريفة للقاء ربه، إلى أن نعود إلى علي (عليه السلام) لنقرأ سيرته وحركته في الحياة، إلى أن نعود إلى الحسن وإلى فاطمة الزهراء وإلى الحسين، إلى الحسين الذي نجتمع هذا اليوم لنعزي أنفسنا بفقد مثله، وإلى أن نستلهم في هذا اليوم بالذات ما يمكننا أن نفهمه من دروس وعبر من تلك الحادثة التي كان هو وأهل بيته ضحيتها. حادثة كربلاء فاجعة كربلاء هل كانت وليدة يومها؟ هل كانت مجرد صدفة؟ هل كانت فلتة؟ أم أنها كانت هي نتاج طبيعي لانحراف حدث في مسيرة هذه الأمة، انحراف في ثقافة هذه الأمة، انحراف في تقديم الدين الإسلامي لهذه الأمة من اليوم الأول«.
ويكشف هذا التساؤل عن السمة الأولى في منهجه، وهي الانتقال من توصيف الحدث إلى البحث عن أسبابه التأسيسية؛ إذ لا يتوقف عند الجريمة بوصفها واقعة مكتملة، وإنما يعود إلى بدايات الانحراف الأولى التي مهدت لها، ويبحث في الحلقات المتراكمة التي أسهمت في إنتاجها.
ومن هنا يؤكد أن النظر إلى النتائج دون استحضار أسبابها الأولى يفضي إلى قراءة مبتورة للتاريخ، فيقول: »لا تنظر إلى فاجعة كربلاء أنها وليدة يومها«.
ثم يضيف: »إذا لم ننظر دائماً إلى البدايات، ننظر إلى بدايات الانحراف، ننظر إلى الأسباب الأولى، النظرة التي تجعلنا نرى كل تلك الأحداث المؤسفة، نرى كل هذا الواقع الذي تعيشه الأمة إنما هو نتاج طبيعي لذلك الانحراف، إنما هي تداعيات لتلك الآثار السيئة التي كانت نتاج ذلك الانحراف«.
وتبرز هنا السمة الثانية في منهجه، وهي القراءة التراكمية للأحداث التاريخية؛ إذ يرى أن الانحرافات الصغيرة والتفريطات الأولى لا تبقى محدودة الأثر، بل تتحول مع مرور الزمن إلى وقائع كبرى ومآسٍ ممتدة، وهو ما يفسر تركيزه المتكرر على مفهوم «التفريط» بوصفه قانوناً اجتماعياً يؤدي – إذا تُرك دون معالجة – إلى إعادة إنتاج المأساة بأسماء مختلفة وفي أزمنة متعددة.
كما تتمثل السمة الثالثة في مركزية القرآن الكريم في تفسير التاريخ؛ فالسيد لا يعتمد على التحليل السياسي المجرد، ولا على القراءة العاطفية للوقائع، وإنما يجعل القرآن هو المرجع الأعلى في فهم حركة المجتمعات واستخلاص الدروس منها.
ولهذا يقول: »إن الحكمة أن تعود إلى التاريخ، وتعود إلى القرآن، وتأخذ العبر والدروس من خلال تلك الأحداث، وتأخذ المقاييس الثابتة والوعي والبصيرة من خلال القرآن الكريم«.
وتكشف هذه العبارة أن القرآن – في رؤيته – ليس مجرد مصدر للتزكية الروحية أو الأحكام التعبدية، بل هو أيضاً مصدر لبناء الوعي التاريخي، واكتشاف القوانين الثابتة التي تحكم صعود الأمم وانحدارها.
ومن السمات المنهجية المهمة أيضاً تحويل الذكرى إلى أداة لبناء الوعي، إذ يرفض السيد أن تبقى كربلاء أسيرة البعد الوجداني وحده، على الرغم من اعترافه بأهمية هذا البعد، فيقول:
»نحن – أيها الإخوة – عندما نتحدث عن كربلاء لا نتحدث عنها فقط من الجانب العاطفي، الجانب العاطفي مثير لكن قد يجعل القضية تتجمد في عصرها، ويجعلنا نحن لا نستطيع أن نستلهم منها الدروس والعبر«.
ومن ثم تصبح وظيفة استحضار كربلاء – في هذا المنهج – ليست مجرد استعادة الألم التاريخي، وإنما استبصارا بالحدث في إنتاج بصيرة قادرة على تشخيص الانحرافات المعاصرة قبل أن تتحول إلى مآسٍ جديدة. وتكرار الصورة التي كان يحذر منها كما يقول شهيد القرآن الإمام علي (عليه السلام) كأنه يحذر الأمة إذا ما بقي هذا الشخص ولو لحظة واحدة والياً على منطقة فيها فإن التاريخ سيتحول إلى تاريخ مظلم، وإن الدين ستطمس أعلامه، وهذا هو ما حدث بالذات، هذا هو ما حدث بالذات. ويعطي – كما أسلفنا – درساً لنا نحن؛ لنفهم نظرة أهل البيت إلى السلطة، لأن أكثر ما يقوله المنحرفون عن أهل البيت والمضللون على الناس: أن ذلك إنما تحرك لأنه يريد أن يحكم، إن هذا إنما ثار لأنه يريد أن يصل إلى السلطة!.
إن من يتأمل تاريخ أهل البيت سيجد أنه ليس فقط مجرد حالة بل مبدأ لديهم ثابت أنه يجب أن لا يكون للسلطة عندك قيمة تساوي شراك نعلك.
ويدعو شهيد القرآن بقوله: “عودوا – أيها الإخوة – إلى تاريخ أهل البيت، ادرسوه دراسة حقيقية واقعية حتى تجدوا أنه ليس هناك مكان لتلك المقولة: بأنهم كانوا إنما يثورون من أجل أن يصلوا إلى السلطة، وأنهم كانوا عشاق سلطة. هم عشاق حق، هم من قال لهم جدهم – وهو يوصي الحسن – ((وخض الغمرات للحق حيث كان)) خض غمرات الموت من أجل الحق حيث كان. هذه هي طريقتهم”
كما يلاحظ أن السيد يتجاوز في قراءته التركيز على الأشخاص إلى تحليل البنى النفسية والاجتماعية التي تصنع المواقف؛ فالقضية في نظره ليست مرتبطة بأسماء فقط يزيد أو ابن زياد أو غيرهما بقدر ما ترتبط بالنفسيات والذهنيات التي أعادت إنتاج تلك المواقف، ولذلك يتحدث عن «التفريط»، و«اللامبالاة»، و«المرض»، و«الجبن»، و«العشق للسلطة»، باعتبارها عوامل تتكرر في كل عصر، ويمكن أن تنتج صوراً جديدة من المأساة وإن اختلفت الأسماء والظروف.

خاتمة الدرس الثالث
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن قراءة السيد حسين بدر الدين الحوثي لكربلاء ليست قراءة تأريخية تقليدية، وإنما هي قراءة سننية قرآنية تسعى إلى اكتشاف القوانين الحاكمة لحركة المجتمعات، وتحويل التاريخ من سجل للوقائع الماضية إلى مخزون حي للعبر والدروس، بما يجعل كربلاء مشروع وعي دائم، لا مجرد ذكرى موسمية للحزن والبكاء.
وبذلك يقول شهيد القرآن: »يجب أن نعود إلى القرآن الكريم، وأن نعود إلى تاريخنا، وأن يكون إحياؤنا لهذه المناسبات… كلام من يستلهم العبر والدروس ليصحح فهمه، ليصحح نظرته، ليقوي إيمانه«.

الدرس الرابع: الأمن والفساد للتدخل الخارجي ووظيفة الوعي القرآني

تمهيد

يناقش السيد القائد التصورات التي تربط بين مقاومة التدخل الخارجي وبين تهديد الأمن الداخلي، ويرى أن هذا الربط ينطلق من فهم قاصر لحقيقة الأمن ومصادر التهديد الفعلية له. فالأمن، في تصوره، لا يتحقق عبر التكيف مع المشاريع التي تحمل عوامل الإفساد، وإنما يتحقق بمواجهة الأسباب التي تؤدي إلى تفكيك المجتمع وإضعاف هويته.
وفي هذا السياق يؤكد أن السماح للقوى الأجنبية بالتدخل في شؤون البلاد لا يمثل ضمانة للاستقرار، بل يشكل عاملاً لإنتاج الاضطراب وتعميق الاختلالات الاجتماعية والسياسية. ومن هنا يصبح الأمن الحقيقي مرتبطاً بحماية المجتمع من مصادر الإفساد، لا بالتسليم لها أو التعامل معها بوصفها ضرورة سياسية تفرضها موازين القوى.
ويكشف هذا التصور عن رؤية قرآنية للأمن تقوم على ربطه بسلامة المرجعية الإيمانية، بحيث يصبح فقدان البوصلة العقدية مقدمة لفقدان الاستقرار الاجتماعي والسياسي، بينما يغدو الحفاظ على الهوية الدينية شرطاً لحفظ الكرامة والاستقلال والأمن الشامل.
فيقول:  “نحن من فهمنا من خلال القرآن – وهو ما يجب أن يُفهم دائماً بالرجوع إلى القرآن وبالرجوع إلى الأحداث، ونحن أيضاً من نستطيع أن نفهم مصالحنا، ونفهم سلامتنا – إنه إذا لم يسلم ديننا فلا سلامة لنا، لا أمن لنا، لا كرامة لنا”
وينتقل السيد القائد شهيد القران حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه من استحضار الدروس التاريخية المرتبطة بمسار الانحراف في الأمة الإسلامية إلى مقاربة عدد من القضايا المعاصرة، وفي مقدمتها قضية الأمن، والتدخل الخارجي، ووظيفة الدولة، وحدود العلاقة بين الشعوب والسلطة. ولا يعالج هذه القضايا من منظور سياسي أو أمني محض، وإنما ينطلق من رؤية قرآنية تجعل الدين والقرآن الكريم المرجعية العليا في تحديد المصالح، وتشخيص مصادر التهديد، وتقويم المواقف السياسية والاجتماعية، بما يكشف عن تصور متكامل للأمن بوصفه ثمرة لسلامة المرجعية الإيمانية وحماية المجتمع من عوامل الإفساد والانحراف.

أولاً: الأمن في المنظور القرآني بين سلامة الدين وسلامة المجتمع
يربط السيد بين سلامة الدين وسلامة المجتمع ربطاً عضوياً، ويرى أن فقدان المرجعية الدينية الصحيحة ينعكس بصورة مباشرة على الأمن والاستقرار والكرامة الإنسانية، وفي هذا السياق يقول: «إذا لم يسلم ديننا فلا سلامة لنا، لا أمن لنا، لا كرامة لنا».
وانطلاقاً من هذا التصور، يصبح الأمن في الرؤية القرآنية مفهوماً شاملاً لا يقتصر على حفظ النظام العام أو تجنب الاضطرابات الآنية، بل يرتبط بحماية الهوية الإيمانية والثقافية للأمة، وصيانة المجتمع من العوامل التي تؤدي إلى إضعاف بنيته العقدية والأخلاقية.
(عندما يدخل الأمريكيون في هذه الفترة هو يختلف عن دخولهم إلى أي بلدان أخرى دخلوها قبل عشرات السنين، وأنشئوا فيها قواعد عسكرية، الآن هي المرحلة التي يتوجه فيها أولئك لضرب الإسلام، وضرب الأمة. دخلوا بلدان وبنوا فيها قواعد عسكرية، وفعلاً انهكوها، وفعلاً أذلوها، وأنهكوا اقتصادها, وأذلوا زعماءها، لكن دخولهم في هذه الفترات لبناء قواعد عسكرية، لإرباك وضعية الأمة.. هو فعلاً سيكون في مرحلة تنفيذ الخطة الأخيرة لضرب الإسلام والمسلمين)

ثانياً: الفساد بوصفه ظاهرة شاملة وآثاره على الأمن المجتمعي
يقدم السيد الفساد بوصفه ظاهرة مركبة تتجاوز حدود الجرائم الفردية أو الاختلالات الاقتصادية، لتشمل مختلف الجوانب الثقافية والأخلاقية والعقدية والاجتماعية، ويقول: «في هذه المناسبة التي نحن نحتفل بها في هذا اليوم. من هو الذي يسعى لتحقيق أمن وطنه؟ من ينطلقون لمحاربة أولئك الذين يسعون في الأرض فساداً.. ألم يقل الله عن اليهود والنصارى أنهم يسعون في الأرض فساداً؟ من أين يأتي الفساد؟ من أين يأتي الإرهاب؟ من أين تأتي الجريمة؟. أليس منبعها الفساد الأخلاقي، الفساد الثقافي، الفساد العقائدي، الفساد الاقتصادي؟ يسعون في الأرض فساداً في كل المجالات. إذا ما انتشر الفساد. ما الذي سيحصل؟ من هو ذلك السياسي الذي يستطيع أن يقول إن انتشار الفساد يؤدي إلى استقرار أمني؟ أليسوا يقولون هم: أن الجريمة تؤدي إلى الإختلالات الأمنية؟ الجريمة تؤدي إلى الإختلالات الأمنية.. من الذي يخلق شاباً، أو يخلق مجتمعاً ينطلق في الجريمة؟.».
“أليس منبعها الفساد الأخلاقي، الفساد الثقافي، الفساد العقائدي، الفساد الاقتصادي؟ يسعون في الأرض فساداً في كل المجالات”
وبناء على ذلك، فإن اختلال الأمن لا يُعد في هذا التصور حدثاً منفصلاً عن السياقات الفكرية والقيمية، وإنما يمثل نتيجة طبيعية لتراكم أنماط متعددة من الإفساد، تؤدي تدريجياً إلى تفكيك منظومة العلاقات الاجتماعية، وإضعاف حالة الاستقرار داخل المجتمع.
فيقول: “اقرؤوا أنتم عن الجرائم في أمريكا، كم في الدقيقة الواحدة تحدث من جرائم اغتصاب – حسب تعبيرهم – من جرائم سرقة، من جرائم قتل في الدقيقة الواحدة في أمريكا!. في أمريكا نفسها المحلات التجارية يحتاج أصحابها إلى أن يكون داخلها حرس معهم رشاشات لحراستها ممن قد يسطون عليها. مجتمع مليء بالجريمة، مليء بالإرهاب، مليء بالفساد، مليء بالنهب، لا تستطيع أن تتحرك في مدينة أمريكية وفي جيبك دولارات، فقط شيكات، أوراقاً من هذه التي ليست أوراقاً نقدية، شيكات فقط، أو سندات، حوالات أو نحوها. أما أن تتحرك ولديك في جيبك دولارات فقد يقتلونك ويأخذون الدولارات من جيبك..هل هو استقرار أمني؟ أو أنه اختلالات أمنية؟”
ومن هنا ينظر السيد القائد إلى الفساد بوصفه ظاهرة مركبة لا تنحصر في جانب اقتصادي أو سلوكي معين، وإنما تمتد آثارها إلى مختلف مجالات الحياة الإنسانية.
ولذلك يطرح سؤالاً عن مصادر الإرهاب والجريمة والانحراف، ليخلص إلى أن جذورها تكمن في انتشار أنماط متعددة من الفساد، تشمل الجانب الأخلاقي والثقافي والعقدي والاقتصادي.
وتبعاً لهذه الرؤية، فإن المجتمعات التي تتعرض لمشاريع الإفساد لا تفقد أمنها دفعة واحدة، بل تدخل في مسار تراكمي تتوسع فيه مظاهر الانحراف تدريجياً، حتى تصبح الجريمة والعنف والاضطراب سمات ملازمة للحياة العامة. ويعكس هذا الفهم وعياً سننياً يرى أن فقدان الأمن ليس حادثة عارضة، وإنما نتيجة طبيعية لمسار طويل من تعطيل القيم وإضعاف الضوابط الأخلاقية والدينية.
ومن ثم فإن مقاومة الفساد، في المنظور القرآني الذي يقدمه السيد، لا تمثل خياراً سياسياً قابلاً للأخذ والرد، بل ضرورة لحفظ المجتمع من الانهيار، وصيانة الإنسان من الوقوع في دوائر الانحلال والتفكك.

ثالثاً: القرآن الكريم مصدراً أعلى لفهم المصالح والأمن
إن شهيد القران يضعنا أمام درس عملي حين يقول: “اليهود والنصارى عندما يدخلون، هم الأمريكيون، هم أولئك الذين قال الله عنهم أنهم يسعون في الأرض فساداً، أنهم يريدون أن نضل السبيل، هم من سيفقدون كل إنسان أمنه حتى داخل بيته.أين هي جرائم قتل الأبناء للآباء، وقتل الأبناء للأمهات، وقتل الأخ للأخت، وقتل الأخت للأم؟. أليست في بلدان أوروبا؟.”
وهو بهذا يرى أن تشخيص المصالح الحقيقية للأمة لا يتوقف على امتلاك الأجهزة الأمنية أو المؤسسات الاستخباراتية، وإنما يرتبط بالاستفادة من الهداية القرآنية واستحضار دروس التاريخ، ويؤكد فيقول:
«إنها صفة لازمة لهم حكم بها القرآن عليهم.. دخلوا فلسطين سعوا فيها فساداً، يدخلون اليمن سيسعون فيه فساداً، يدخلون أي شعب سيسعون فيه فساداً. وكلمة {فَسَاداً} تعني في كل مجالات الإفساد ليس فقط في مجال معين، في كل مجال من مجالات الإفساد. فنحن نقول للآخرين: نحن أيضاً نفهم ما هو الذي يحقق الأمن لبلادنا، لا تتصوروا بأنكم وحدكم من يمكن أن تعرفوا الآخرين، ومن يمكن أن تعرفوا مصلحة الشعوب، ومن يمكن أن تعرفوا ما يحقق للشعوب أمنها وتطورها وتقدمها وحضارتها، نحن من وصلنا إلى أن نحكم على أن سياستكم التي تقوم على هذا الأساس من أولها إلى آخرها خطأ، وتؤدي إلى انحطاط الأمة، وتؤدي إلى أن تصل الأمة إلى واقع أسوء مما وقعت فيه. من أين ذلك؟ نحن طبعاً ليس لدينا أجهزة معلومات ولا استخبارات لكن القرآن الكريم، والأحداث والتي منها الأحداث التاريخية، وهي ما قلت سابقاً: أن الأحداث التاريخية نفسها هي كافية أن تعطي العبرة ناهيك عن الأحداث التي نحن نعاصرها، تلك الأحداث, والقرآن الكريم هي من يجعلنا نفهم مصالحنا ونفهم أمننا».
ويكشف هذا التصور عن فهم للقرآن بوصفه مرجعية معرفية قادرة على إنتاج وعي يتجاوز حدود القراءة الآنية للواقع، إلى إدراك القوانين والسنن التي تتحكم في حركة المجتمعات ومصائر الأمم.

رابعاً: القرآن معياراً لكشف المواقف السياسية وتقويمها
يؤكد السيد أن القرآن الكريم لا يقتصر دوره على التربية التعبدية، بل يشكل معياراً يمكن من خلاله تقويم المواقف السياسية والحكم على مدى اتساقها مع المبادئ الإيمانية، ويقول:
«أيها الإخوة – أن نرجع إلى القرآن الكريم دائماً، وخاصة في هذه المرحلة، الأمريكيون إذا ما تمكنوا – فعلاً – من سيحاولون أن يضيِّعوا القرآن، من يحاولون أن يدوسوا القرآن الكريم بأقدامهم، من سيفصلون القرآن، من سيمنعوننا عن تلاوة آيات معينة من القرآن الكريم. يجب أن نرتبط بالقرآن الكريم من جديد، ونتعلمه ونعلم أبناءنا وبناتنا ونساءنا، ونكثر من تلاوته، ونهدي مصاحفه لبعضنا البعض وأشرطة تلاوته، نتحرك في إطار أن نشد أنفسنا إلى القرآن من جديد، وأن نرسخ قدسيته ومكانته وعظمته في نفوسنا من جديد؛ لأن القرآن هو من لو لم يكن من عظمته وفضله إلا أنه يكشف الحقائق أمامنا».
كما يدعو إلى إخضاع الخطابات السياسية لمعيارين متكاملين هما القرآن والواقع، بقوله:
«نحن من فهمنا من خلال القرآن – وهو ما يجب أن يُفهم دائماً بالرجوع إلى القرآن وبالرجوع إلى الأحداث
ويؤكد مرة أخرى فلنعرضها على الواقع، ولنعرضها على القرآن».
ويمثل هذا الطرح محاولة لبناء منهج نقدي يستند إلى المرجعية القرآنية في تحليل السياسات والمواقف، بعيداً عن الاكتفاء بالشعارات أو الاعتبارات الظرفية.

خامساً: الحرية في التصور القرآني
يعيد السيد تعريف مفهوم الحرية من منظور قرآني، معتبراً أن الحرية الحقيقية لا تتحقق من خلال الشعارات السياسية، بل من خلال التحرر من الخوف والخضوع لغير الله تعالى، ويقول: «إن الحرية لا تأتي من خلال العبارات، الحرية تتمثل في عبوديتنا لله سبحانه وتعالى».
وبذلك تصبح الحرية في هذا التصور مرتبطة بالاستقلال النفسي والإيماني، وبالقدرة على اتخاذ المواقف انطلاقاً من معيار الحق، لا استجابة لموازين القوة أو الضغوط الخارجية.

سادساً: وظيفة الدولة ومعيار المسؤولية الأمنية
لا يكتفي السيد بالحديث عن القرآن بوصفه مصدراً للمعرفة، بل يجعله معياراً للحكم على المواقف السياسية وتقويم أداء القيادات والأنظمة. فالقرآن، في تصوره، يقدم نموذجاً واضحاً للقيادة المؤمنة التي تتسم بالرحمة تجاه المؤمنين والثبات في مواجهة خصوم الأمة، كما في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
ومن خلال هذا المعيار ينتقد السيد حالة المفارقة التي تظهر فيها بعض القيادات شدةً في خطابها تجاه شعوبها، في مقابل الميل إلى اللين والتنازل عند التعامل مع القوى الخارجية المهيمنة. ويعتبر أن هذا السلوك يعكس اختلالاً في سلم الأولويات، ويكشف عن ابتعاد عن النموذج القرآني في ممارسة السلطة وإدارة العلاقة مع الأمة.
ويطرح السيد تصوراً لوظيفة الدولة يقوم على اعتبار حماية المجتمع وأمنه الداخلي من أولويات المسؤولية العامة، مستشهداً بمظاهر مختلفة من الاختلالات الأمنية التي تمس حياة المواطنين اليومية، مثل إطلاق النار العشوائي، وأعمال التقطع والنهب، معتبراً أن معالجة هذه القضايا تمثل الاختبار الحقيقي لمدى قيام الدولة بوظيفتها الأمنية.
ويقول في هذا السياق: «الأمن هو مسئولية الدولة».
ويفهم من هذا الطرح أن مفهوم الأمن الوطني لا ينفصل عن قدرة المؤسسات العامة على حماية المواطنين وصيانة مصالحهم المباشرة.

سابعاً: الشعوب بوصفها فاعلاً في مواجهة التحديات
يشدد السيد على أهمية الدور الشعبي في مواجهة التحديات، ويرى أن الشعوب لا ينبغي أن تتحول إلى متلق سلبي للسياسات الرسمية، بل تمتلك القدرة على المبادرة والتأثير، متى ما توفرت لديها القناعة والوعي والإرادة.
كما يربط بين الحكمة السياسية وبين قدرة القيادات على الانسجام مع الاتجاهات العامة للمجتمع، وعدم مصادرة إرادته أو فرض حالة العجز والخوف عليه.

ثامناً: استحضار التاريخ وكربلاء لتصحيح الحاضر
يختتم السيد حديثه بالتأكيد على أهمية استحضار الدروس التاريخية، وفي مقدمتها واقعة كربلاء، بوصفها مجالاً لاستخلاص العبر وتصحيح الرؤى والمواقف، وليس مجرد مناسبة للاستذكار العاطفي.
ويقول: «يجب أن نعود إلى القرآن الكريم، وأن نعود إلى تاريخنا، وأن يكون إحياؤنا لهذه المناسبات… كلام من يستلهم العبر والدروس ليصحح فهمه، ليصحح نظرته، ليقوي إيمانه».
ومن ثم، تتحول القراءة التاريخية إلى وسيلة لإعادة بناء الوعي، وتعزيز القدرة على فهم الواقع المعاصر في ضوء التجارب التاريخية وما تحمله من دلالات وسنن.
ليختتم السيد حديثه بالدعوة إلى استثمار المناسبات الدينية والتاريخية بوصفها محطات تربوية لإعادة بناء الوعي وتصحيح الفهم، بحيث لا تبقى أحداث التاريخ مجرد ذكريات تستعاد بصورة عاطفية، بل تتحول إلى أدوات لفهم الحاضر واكتشاف أسباب الانحراف المتجددة.
ومن هذا المنطلق تصبح كربلاء رمزاً متجدداً لضرورة مراجعة المواقف، ورفض الأسباب التي أدت إلى الانحراف في الماضي، والعمل على تجاوزها في الواقع المعاصر.

خاتمة الدرس الرابع
يتبين من خلال ما تقدم أن السيد حسين بدر الدين الحوثي يقدم تصوراً مترابطاً للأمن والفساد والحرية والمسؤولية السياسية، ولقراءة التاريخ والنظرة إليه تنطلق من القرآن الكريم باعتباره المرجعية العليا في فهم المصالح وتقويم المواقف، ويربط بين سلامة الدين وسلامة المجتمع، وبين الوعي القرآني والقدرة على مواجهة عوامل الانحراف والإفساد، كما يؤكد أهمية استحضار التاريخ الإسلامي بوصفه مجالاً لاستخلاص السنن وتصحيح مسار الحاضر، بما يسهم في بناء وعي قادر على تجنب تكرار أسباب الإخفاقات والانحرافات التاريخية.
ويرى أن الحرية الحقيقية لا تنفصل عن العبودية لله، وأن استحضار التجربة التاريخية، وفي مقدمتها كربلاء، يمثل مدخلاً لإعادة بناء الوعي وصناعة موقف أكثر ارتباطاً بمعايير الحق والعدل.

وفي الأخير نؤكد أن هذه المقتطفات التي اقتطفناها مما قاله الشهيد القائد في “دروس من وحي عاشوراء لا تغني عن العودة إلى دروس من هدي القرآن التي ألقاها الشهيد القائد شهيد القران، وأن العودة لدراستها ومعرفة المنهجية التي بذل دمه من أجل العودة إلى القرآن وتربية الناس عليه كمهيمن ينير الحياة ويعيد للأمة عزها واستقلالها هو ما نؤكد عليه وألا يستغنى عنه.
أسأل الله تعالى أن يدخل شهيد القرآن مدخل الصدق وأن يجزيه عنا خير الجزاء، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.