أفق نيوز
الخبر بلا حدود

ملحمة السماء

45

أفق نيوز| صفاء فايع

​لقد عشنا في اليمن كل أنواع التهديدات، وتجرعنا فصولاً من الإثارة الحقيقية المجبولة بالدم والنار؛ كنا نظن قبل العدوان أن مثل هذه الأمور والأحداث لا تحدث إلا في أفلام (الأكشن) السينمائية، ولكننا عشناها جميعاً واقعاً ملموساً؛ قُصفت بلادنا، واستشهد قادتنا ورئيسنا، وضُربت مقار حكومتنا، وعشنا لحظات الترقب مع إخراج أسرانا، وانطلاق صواريخنا ومسيراتنا دكّاً في عمق السعودية وتزلزلاً في أركان الكيان الصهيوني. لكن آخر ما عشناه ومثّل ذروة التحدي، كان حبس الأنفاس لدقائق معدودة في كبد السماء، حين وجدت طائرة مدنية إيرانية تقل وفدنا الوطني العائد من مراسم تشييع السيد علي خامنئي نفسها عالقة في الأجواء، بسبب قصف همجي من العدو السعودي بـ 4 غارات استهدفت مدرجي الهبوط والإقلاع بمطار صنعاء الدولي في محاولة بائسة لمنعها من الهبوط، غير أن الإرادة لم تنكسر، فغيّرت الطائرة مسارها نحو مطار الحديدة، وحطّت بسلام متحديةً كل محاولات الغدر، ليعلن الوفد ومن رحم النيران كسرًا رسميًا وعمليًا للحصار الغاشم.

​كان بإمكان وفدنا الوطني أن يختار الحلول الآمنة ديبلوماسيًا، كالعودة على متن طائرة أممية، أو التوجه إلى عُمان ومنها برًا إلى اليمن، لكنهم حملوا أرواحهم على أكفهم ورفضوا التراجع, وبرفقتهم كابتن الطائرة الإيراني الشجاع وطاقمه الفدائي الذين يستحقون منا اليوم كل الثناء والإجلال وفائق الشكر والتقدير على موقفهم الأخوي البطولي وصمودهم الأسطوري في وجه التهديد. لقد أراد الوفد بهذا الموقف إيصال رسالتين صارمتين؛ الأولى للشعب اليمني بأن قيادتكم هي أول من يضحي بروحه ودمه لإنهاء هذا الحصار، والثانية للنظام السعودي الأحمق الذي توهم بغبائه أن قصف المدرج سيجبر الطائرة على المغادرة، فجاء الرد بصفعة الهبوط في الحديدة ليمرغ غطرسته في التراب.

​لم يكد غبار الغارات يُقشع حتى خرج المتحدث الرسمي للقوات المسلحة العميد يحيى سريع ليعلن حق اليمن المشروع في الرد على هذا الانتهاك السافر والسلوك المستفز والحاقد، وهو وعيد سبقه تفويض شعبي جارف من أبناء الشعب اليمني لقيادة صنعاء باقتلاع الحصار وتلقين المعتدين درسًا قاسيًا. وما هي إلا لحظات من صدور ذلك البيان، حتى بدأت القنوات الإخبارية ببث نبأ إعلان حالة الطوارئ في السعودية، في تجسيد حي وسريع لمعادلة الرعب والردع التي فرضتها صنعاء بفضل الله، مغيرةً موازين القوى ومثبتةً أن زمن الاستقواء بلا عقاب قد ولى إلى غير رجعة.

​إن من حق اليمن واليمنيين العيش بحرية كبقية شعوب العالم دون قيود، فاليمن ليس حديقة حيوانات يتفرج عليها المجتمع الدولي، وليس حديقة خلفية للسعودية تنتهك سيادتها بالقصف والتجويع. وإن من يتباكون اليوم على “السيادة” من مرتزقة السعودي والصهيوني هم آخر من يحق لهم التحدث باسم اليمن، فانتهاك السيادة لم يكن يومًا في هبوط طائرة إيرانية مدنية جاءت لتكسر حصارًا ظالمًا، بل الانتهاك هو ضرب مدرجات المطارات المدنية وجعل مطار صنعاء مرتعاً حصرياً للطائرات الأممية، بينما يُحرم ملايين اليمنيين وآلاف المرضى والجرحى من حقهم الإنساني البسيط في السفر والخروج أينما شاءوا.

​أما أولئك القابعون في فنادق الرياض وأبوظبي ممن يسمون أنفسهم “قوة دفاع” أو متحدثين باسم اليمن، فهم لا يملكون من أمرهم شيئاً، وليسوا سوى أدوات مسلوبة الإرادة والكرامة يضطر أحدهم لأخذ تصريح من أسياده السعوديين والإماراتيين لمجرد الدخول إلى دورة المياه في الفنادق التي تحتضن عمالتهم. بينما السيادة الحقيقية والحرية الفعلية تصنعها الصواريخ، وتحميها الإرادة الباسلة، ويكتبها في أنصع صفحات التاريخ أولئك الرجال والوفد الشجاع والطيار البطل الذين يهبطون بطائراتهم تحت ألسنة اللهب، معلنين للعالم أجمع أن اليمن أرض الأحرار التي لا تقبل الانكسار.