إن العدوان وحالة الحرب التي فرضتها أمريكا على إيران لصالح كيان الاحتلال الصهيوني لم تشعل السياسة الإقليمية فحسب، بل ألحقت أضراراً بالغة بالاقتصاد العالمي، وبشكل خاص بالاقتصاد الأمريكي والاستقرار الاقتصادي على المستوى الشعبي.
إن الحكومة الأمريكية، التي فرضت عقوبات اقتصادية على إيران لمدة 47 عاماً دون أن تحقق أي نتائج، أقدمت قبل ستة أشهر على ارتكاب عدوان عسكري ضد إيران، واليوم، وعقب هذا العدوان الحربي، تعود مجدداً للتهديد بتشديد العقوبات الاقتصادية، إلى جانب التهديدات التي يطلقها وزير الخزينة الأمريكي ضد الدول التي تواصل تبادلها التجاري مع إيران.
وفي الحقيقة، تتصرف الحكومة الأمريكية بأسلوب إرهابي تجاه دول العالم، وتهين حلفاءها أنفسهم من خلال هذه التصريحات العدوانية والخاطئة.
منذ ستة أشهر، تُفرض حرب خطيرة على إيران، لكن إيران تواصل مواجهة القوة العظمى في العالم دون أن تتراجعَ خطوة واحدة في أية جبهة.
ولا شك أنه لو كانت أية دولة أخرى مكان إيران، لكانت قد أعلنت استسلامها أمام الولايات المتحدة منذ اليوم الأول.
وكنتيجة لهذه الحرب، وبينما تواجه إيران تحديات، فإن دول المنطقة الأخرى، وبشكل خاص الولايات المتحدة والشعب الأمريكي، يواجهون أيضاً صعوبات بالغة.
وفقاً للتقارير الموثوقة والإحصاءات الاقتصادية الدولية الصادرة مؤخراً عن “مرصد تكاليف طاقة حرب إيران” التابع لمعهد واتسون الشهير للشؤون الدولية والعامة بجامعة براون، فقد دفع الشعب الأمريكي من جيبه الخاص أكثر من 100 مليار دولار كرسوم إضافية للطاقة والبنزين والديزل منذ بداية الحرب.
ويُعد هذا العبء المالي الاستثنائي المباشر على المواطنين واحداً من أثقل الأعباء في تاريخ الحروب الأمريكية.
وتوضح أبحاث جامعة براون أن هذا المبلغ يمثل عبئاً إضافياً يبلغ متوسطه نحو 763 إلى 767 دولاراً لكل أسرة أمريكية.
ولم تعد هذه الأزمة محصورة في محطات الوقود فحسب، بل تسللت إلى شرايين الاقتصاد الأمريكي بأكمله.
وخلال الأشهر الستة الماضية، أدت اضطرابات سلاسل الإمداد الناتجة عن هذه الحرب والتوترات في مضيق هرمز إلى تدهور حاد في قطاعات متعددة من الحياة الأمريكية، حيث ظهر أثرها تدريجياً وسلسلةً في أركان الاقتصاد.
ظهرت المرحلة الأولى والمباشرة لهذه الأزمة الاقتصادية في شكل انفجار في أسعار الوقود والبترول، مما أثر بشكل حاد على التنقل اليومي للمواطن الأمريكي العادي.
ووفقاً لإحصاءات جمعية السيارات الأمريكية (AAA)، فقد ارتفعت أسعار البترول والديزل إلى مستويات غير مسبوقة بعد اندلاع الحرب، حيث قفز سعر البنزين العادي بنسبة 39% ليتجاوز 4.15 دولار للغالون، مما كلف المستهلكين الأمريكيين نحو 55 مليار دولار إضافية في بند الوقود.
وتُعد ولايات كبيرة مثل كاليفورنيا وتكساس وفلوريدا من بين الأكثر تضرراً، حيث وصل سعر البنزين في كاليفورنيا إلى 5.86 دولار للغالون، بينما أنفق المواطنون في تكساس ما إجماليه 11 مليار دولار إضافية على البنزين والديزل وحدهما.
التهم هذا الارتفاع جزءاً كبيراً من ميزانيات الأسر، مما أدى إلى تصفير المدخرات اليومية للطبقات المتوسطة والفقيرة وتسجيل هبوط تاريخي في القدرة الشرائية.
أما المرحلة الثانية والأكثر خطورة لهذا الصدمة النفطية الأولى، فقد تجلت في قطاع سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، وكان محورها الارتفاع الهائل في أسعار الديزل.
ولأن الديزل يمثل العمود الفقري لشحن البضائع والشاحنات التجارية ووسائل النقل والسكك الحديدية، فقد ارتفع سعره بنسبة 39% ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 5.90 دولار للغالون.
واضطرت شبكات النقل واللوجستيات الكبرى في الولايات المتحدة، بما في ذلك “فيديكس” و”يو بي إس” والسائقون المستقلون للقطارات والشاحنات، إلى فرض رسوم إضافية للطوارئ على الوقود (Fuel Surcharges).
وأدى هذا التغيير إلى مضاعفة تكلفة نقل البضائع من المصانع إلى أرفف المتاجر، مما أسفر عن تباطؤ سلاسل الإمداد وتأخيرها، وارتفاع لا مفر منه في التكاليف النهائية للبضائع.
وأدى التأثير المباشر لأزمة اللوجستيات إلى مرحلة ثالثة طالت قطاعات الزراعة والأغذية والسوبرماركت، حيث أصبحت المواد الغذائية والبقالة الأساسية بعيدة عن متناول المواطنين العاديين.
وفي القطاع الزراعي، لم تقتصر الزيادة على تكاليف السماد والديزل المشغل للآلات الزراعية فحسب، بل أصبحت عملية نقل الفواكه والخضروات ولحوم الأبقار والألبان من المزارع إلى أرفف المتاجر باهظة التكلفة للغاية.
وبدأت سلاسل المتاجر الكبرى ومتاجر التجزئة مثل “وول مارت” بنقل تكاليف الإمداد المرتفعة مباشرة إلى المستهلكين، مما تسبب في ارتفاع سريع وملحوظ في أسعار المواد الغذائية الأساسية خلال الأشهر الستة الماضية.
هذا العبء المزدوج على المواد الغذائية شوه هيكل الميزانية الشهرية للأسر الأمريكية، وأوجد موجة جديدة من انعدام الأمن الغذائي والضائقة الاقتصادية بين الفئات ذات الدخل المنخفض في مختلف أنحاء البلاد.
ظهرت المرحلة الرابعة من هذه الأزمة المتسلسلة بوضوح في قطاعات الإسكان والعقارات والبناء في الولايات المتحدة.
ووفقاً للخبراء والاقتصاديين والبيانات الرسمية، فقد فرضت تكاليف الحرب وموجة التضخم ضغوطاً شديدة على مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول من المتوقع، مما أدى إلى حالة من الركود في سوق الإسكان.
ومع استمرار أسعار الفائدة على الرهن العقاري عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، انخفضت عمليات شراء المنازل الجديدة وأنشطة البناء السكني إلى أدنى مستوى لها منذ ستة أشهر.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكلفة نقل المواد الخام المستخدمة في البناء مثل الأسمنت والصُّلب وآلات البناء بشكل مفرط بسبب ارتفاع أسعار الوقود، مما دفع أسعار المنازل الجديدة إلى مستويات قياسية ودمر الحلم الأمريكي للمشترين الجدد، وخاصة الجيل الجديد من الشباب.
أما الطبقة الخامسة والأوسع نطاقاً من هذا الضغط الاقتصادي، فقد ضربت قطاعات السفر الجوي والسياحة والخدمات.
ونتيجة للارتفاع القياسي في أسعار وقود الطائرات، اضطرت شركات الطيران مثل “دلتا” و”أمريكان إيرلاينز” و”يونايتد” إلى رفع أسعار التذاكر بشكل حاد، مما أدى إلى فتور ملحوظ في السياحة الداخلية والدولية.
وشهد قطاع الخدمات والمطاعم والضيافة انخفاضاً في إنفاق المستهلكين، حيث اضطر المواطن الأمريكي العادي إلى تقليص إنفاقه على الترفيه والسفر غير الضروري والمطاعم لتغطية النفقات الإلزامية مثل الوقود والكهرباء والبقالة.
هذا الانكماش أضر بشدة بالقدرة الربحية للشركات الصغيرة وأثر سلباً على فرص العمل الجديدة في قطاع الخدمات.
وفِي الخلاصة، فإن هذا الاضطراب الاقتصادي الذي استمر لستة أشهر قد ضرب في النهاية القواعد الاقتصادية الكلية وسوق العمل ومعدلات التضخم.
إن رأس المال الإضافي الذي تم استنزافه في تكاليف الطاقة والذي تجاوز 100 مليار دولار يمثل أموالاً خرجت تماماً من الدورة الاقتصادية الأمريكية دون أي أمل في الاسترداد القريب.
ويثير تقرير جامعة براون التحذير من أن رقم 100 مليار دولار ليس نهائياً، إن الخسائر تتزايد بمعدل يبلغ نحو مليون دولار كل دقيقتين.
بالنسبة للشعب الأمريكي – وخاصة وهو يواجه قرارات سياسية واقتصادية حاسمة قادمة – فقد أوجدت هذه الصدمة التضخمية المستمرة حالة عميقة من عدم الاستقرار الاقتصادي.
ولقد أصبح من الواضح كالشمس أن الأمريكيين العاديين يدفعون ثنائياً اقتصادياً باهظاً ومباشراً لهذا الصراع الممتد في غرب آسيا من خلال تكاليف معيشهم اليومية.
وكل هذا ليس سوى النتيجة المباشرة للسياسات الهوجاء والمثيرة الحروب التي ينتهجها الرئيس ترامب، والتي جعلت حياة الشعب الأمريكي جحيماً لا يُطاق.