أفق نيوز
الخبر بلا حدود

غرينلاند في قلب العاصفة.. اختبار السيادة الأوروبية أمام الابتزاز الأمريكي

41

أفق نيوز| تقرير|

تدخل العلاقات الأمريكية–الأوروبية مرحلة من أكثر مراحلها توتراً منذ عقود، على وقع أزمة غير مسبوقة تتقاطع فيها الجغرافيا بالاقتصاد، والسيادة بالأمن، والسياسة بالمصالح الكبرى.

فملف غرينلاند، الذي عاد إلى الواجهة بقوة، لم يعد مجرد طرح عابر أو تصريح مثير للجدل، بل تحوّل إلى محور صدام مفتوح بين واشنطن وبروكسل، تُستخدم فيه أدوات الضغط الاقتصادي والتهديدات التجارية، في اختبار قاسٍ لوحدة الاتحاد الأوروبي ولمستقبل الشراكة عبر الأطلسي.

الأزمة الحالية تكشف أن الخلاف لم يعد حول جزيرة في أقصى الشمال، بل حول ميزان النفوذ في النظام الدولي، وحدود القوة الأمريكية، وقدرة أوروبا على الدفاع عن سيادتها ومصالحها الاستراتيجية.

غرينلاند… من الهامش الجغرافي إلى مركز الصراع الدولي

جرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك ذات الموقع الاستراتيجي في القطب الشمالي، تحوّلت إلى كنز جيوسياسي في عصر الصراع على الموارد والممرات الجديدة.

فذوبان الجليد يفتح طرقاً بحرية مختصرة بين آسيا وأوروبا وأمريكا، ويكشف ثروات ضخمة من المعادن النادرة والغاز والنفط. لذلك ترى واشنطن أن السيطرة على غرينلاند تمنحها تفوقاً استراتيجياً في مواجهة روسيا والصين في القطب الشمالي.

لكن أوروبا، وخاصة الدنمارك، تعتبر أن أي حديث عن “شراء” غرينلاند أو الضغط لانتزاعها يمثل مساساً مباشراً بمبدأ السيادة، وعودة إلى منطق الهيمنة بالقوة الاقتصادية والسياسية.

ومن هنا، تحوّل الملف من قضية جغرافية إلى رمز للصراع على قواعد النظام الدولي: هل يُحترم مبدأ السيادة، أم يُعاد تشكيل العالم بمنطق الصفقات القسرية؟

سلاح الرسوم الجمركية… من التجارة إلى الابتزاز السياسي

إعلان الرئيس الأمريكي فرض رسوم بنسبة 10% على واردات من ثماني دول أوروبية، مع التهديد برفعها إلى 25% ما لم توافق كوبنهاغن على بيع غرينلاند، يؤكد أن واشنطن تستخدم التجارة كسلاح سياسي مباشر.

لم تعد الرسوم أداة لحماية الاقتصاد الأمريكي فقط، بل تحوّلت إلى وسيلة ضغط لإجبار دول ذات سيادة على قرارات استراتيجية.

في المقابل، بدأ الاتحاد الأوروبي التحضير لحزمة ردود تصل إلى 93 مليار يورو من الرسوم المضادة، إضافة إلى تفعيل “أداة مكافحة الإكراه”، التي تسمح لبروكسل باستهداف شركات أمريكية كبرى، خصوصاً عمالقة التكنولوجيا، والاستثمارات الأمريكية داخل القارة.

هذه الخطوات تعني أن الصراع لم يعد دبلوماسياً فقط، بل يتجه إلى مواجهة اقتصادية واسعة قد تُربك الأسواق العالمية وتؤثر على سلاسل الإمداد الدولية.

 انقسام أوروبي أم جبهة موحدة؟

ورغم إعلان سفراء الاتحاد الأوروبي السعي للحفاظ على جبهة موحدة، إلا أن الواقع يكشف تبايناً في المقاربات.

فرنسا وألمانيا تميلان إلى موقف متشدد، معتبرتين أن أوروبا “لم تُبتز”، وأن الردع الاقتصادي ضرورة لحماية الكرامة والسيادة الأوروبية.

في المقابل، يظهر ميل بريطاني للمصالحة، حيث يرى رئيس الوزراء كير ستارمر أن الحرب التجارية لا تخدم أحداً، وأن معاقبة دول الناتو بسبب سعيها للأمن الجماعي خطأ استراتيجي.

هذا التباين يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يتصرّف كقوة سياسية موحدة في مواجهة ضغط أمريكي مباشر، أم أن الخلافات الداخلية ستقوّض قدرته على الرد الفعّال؟ الأزمة الحالية قد تتحول إلى لحظة فاصلة: إما أن تعزز وحدة القرار الأوروبي، أو تكشف هشاشته أمام الضغوط الخارجية.

 البعد الأمني… القطب الشمالي ساحة صراع كبرى

تصعيد الأزمة تزامن مع تدريبات لحلف شمال الأطلسي في غرينلاند بمشاركة دول أوروبية، اعتبرتها واشنطن تحدياً مباشراً.

وهذا يوضح أن الخلاف لا يقتصر على الاقتصاد، بل يمتد إلى الأمن والعسكر.

الولايات المتحدة ترى أن ضعف أوروبا يجعل سيطرتها على جرينلاند “ضرورة للاستقرار العالمي”، بحسب تعبير وزير الخزانة الأمريكي، وهو خطاب يعكس عقلية الوصاية لا الشراكة.

في المقابل، تؤكد أوروبا أن حماية غرينلاند جزء من أمنها الجماعي، وأن أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة الاقتصادية أو السياسية تهدد استقرار المنطقة القطبية برمتها، وتفتح الباب أمام صراع دولي أوسع تشارك فيه قوى كبرى أخرى كروسيا والصين.

الخيارات الأوروبية… بين الردع والمخاطرة

ومن بين الخيارات المطروحة أوروبياً: التضييق على قطاع التكنولوجيا الأمريكي، فرض رسوم على صادرات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، وتقييد بعض الاستثمارات الأمريكية.

غير أن هذه الخطوات ليست بلا ثمن، فاقتصادات أوروبية عديدة تعتمد على الطاقة الأمريكية وعلى شركات التكنولوجيا العملاقة، ما يعني أن الرد قد يحمل ارتدادات مؤلمة على الداخل الأوروبي نفسه.

لهذا تسعى بروكسل إلى الجمع بين مسارين: تكثيف الجهود الدبلوماسية لثني واشنطن عن التصعيد، مع الإبقاء على أدوات الرد جاهزة.

هذا التوازن الدقيق يعكس إدراك أوروبا أن المواجهة الشاملة قد تضر بالجميع، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تظهر بمظهر الطرف الضعيف القابل للابتزاز.

أزمة غرينلاند… اختبار التاريخ للعلاقة عبر الأطلسي

أزمة غرينلاند لم تعد مجرد خلاف حول جزيرة، بل تحولت إلى اختبار تاريخي لطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا: هل هي شراكة بين أطراف متكافئة، أم علاقة قوة تفرض إرادتها على شركائها؟ كما أنها امتحان حقيقي لوحدة الاتحاد الأوروبي وقدرته على الدفاع عن سيادته ومصالحه في عالم يتجه نحو مزيد من الصراعات الجيوسياسية.

الأسابيع المقبلة، خاصة مع اللقاء المرتقب بين القادة الأوروبيين والرئيس الأمريكي في منتدى دافوس، ستكشف ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو تسوية تحفظ ماء وجه الجميع، أم نحو تصعيد اقتصادي وأمني يعيد رسم ملامح العلاقة عبر الأطلسي، ويفتح فصلاً جديداً من الصراع على النفوذ في عالم يتغيّر بسرعة.

يمانيون