أفق نيوز
الخبر بلا حدود

تصدع الأطلسي فوق صفيح إيران.. أوروبا بين كماشة “مغامرة ترامب” وفشل استراتيجية الانقياد لواشنطن

54

أفق نيوز|

لم يكن العدوان الأمريكي-الإسرائيلي الأخير على الجمهورية الإسلامية في إيران مجرد جولة أخرى من الصراع في الشرق الأوسط، بل كان اللحظة الفارقة التي كشفت عورات التحالف الأطلسي ومحدودية القدرة الأمريكية على حشد الحلفاء خلف مغامراتها العسكرية.

اليوم، يجد العالم نفسه أمام مشهد جديد؛ حيث لم تعد “القارة العجوز” تلك الكتلة الصماء التي تسير خلف واشنطن مغمضة العينين.

لقد أحدثت الصواريخ الباليستية الإيرانية والصلابة السياسية لطهران مفعولاً عكسياً في العواصم الأوروبية؛ فبدلاً من “الاصطفاف العدواني”، رأينا “تصدعاً أطلسياً” غير مسبوق.

هذا التقرير يغوص في أعماق هذا التحول، مستعرضاً كيف تحولت أوروبا من “شريك في الضغوط” إلى “هارب من التبعات”، في ظل فشل استراتيجية الانقياد الأعمى لواشنطن وبروز إيران كقوة إقليمية عصية على الانكسار.

“الفيتو الإيبيري”.. تمرد القواعد وانهيار اللوجستيات

في أولى مفاجآت هذا الصراع، برزت شبه الجزيرة الإيبيرية كساحة تمرد قانوني وسياسي ضد الإرادة الأمريكية.

إن رفض إسبانيا الصريح للحرب لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل ترجمه الجار البرتغالي إلى فعل ميداني زلزل الحسابات الأمريكية.

أعلنت لشبونة بوضوح رفضها القاطع لاستخدام قاعدة “لاجيس” (Lajes Field) الجوية الواقعة في جزر الآزور لأي عمليات عدوانية ضد إيران.

هذا الموقف البرتغالي، المستند إلى مبادئ القانون الدولي التي تشترط “الضرورة والتناسب”، كشف أن القواعد العسكرية في أوروبا لم تعد ملكية خاصة للبنتاغون.

لقد أدركت البرتغال وإسبانيا أن الانخراط في “مغامرة ترامب” لخدمة الكيان الإسرائيلي سيعني تحويل أراضيهما إلى أهداف مشروعة للرد الإيراني، وهو ثمن باهظ لم تعد العواصم الأوروبية مستعدة لدفعه من أجل حماية أمن تل أبيب.

خديعة الموقف الألماني وعجز الحليف البريطاني عن الحسم

بينما كانت واشنطن تنتظر “زخماً عسكرياً” من حلفائها الكبار، جاء الرد من برلين ولندن مخيباً للآمال ومجسداً لحالة الرعب من المواجهة المباشرة مع طهران.

ألمانيا، القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا، مارست نوعاً من “النفاق السياسي” للهروب من الميدان؛ فبينما كان المستشار الألماني يكرر الأسطوانة المشروخة حول “المبررات الأمنية” والبرنامج النووي، كانت أوامره العسكرية تقضي بسحب القوات وخفض الوجود الألماني في المنطقة بشكل عاجل.

هذا الانسحاب الألماني تحت ذريعة “تدهور الوضع الأمني” هو اعتراف ضمني بأن المظلة الأمريكية لم تعد قادرة على حماية الجنود الأوروبيين أمام دقة الصواريخ الإيرانية.

أما في لندن، فقد بدا الارتباك سيد الموقف. كير ستارمر، الذي يواجه ضغوطاً داخلية هائلة، حاول الإمساك بالعصا من المنتصف؛ فنفى المشاركة في العمليات الهجومية، لكنه عرض “فتاتاً دفاعياً” على المنامة عبر طائرات متمركزة في قطر.

هذا “الدفاع الجوي” الخجول يعكس عجز بريطانيا عن الدخول في حرب شاملة، وإدراكها أن أي مشاركة فعلية ستجعل مصالحها في المنطقة رماداً في لحظات.

 “الاستقلال الفرنسي” والبحث عن طوق نجاة

فرنسا، كعادتها في محاولة التميز عن الهيمنة الأمريكية، اختارت طريقاً يعكس عمق الأزمة داخل الناتو. التحرك الفرنسي المستقل بعيداً عن الانقياد التقليدي لواشنطن، وسعي باريس لتشكيل “تحالف دولي مستقل” لحماية الملاحة، ليس إلا اعترافاً بفشل التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة.

لقد تضررت السفن الفرنسية والمصالح الاقتصادية بفعول المغامرة الأمريكية غير المحسوبة، مما دفع باريس للبحث عن معادلة أمنية “أوروبية خالصة” تحت عنوان حماية قبرص وتأمين الخليج.

هذا التحرك هو بمثابة إعلان وفاة للوحدة الأطلسية في الشرق الأوسط، واعتراف بأن السياسة الأمريكية المتطرفة أصبحت تشكل خطراً على الأمن القومي الأوروبي بدلاً من حمايته.

العجز الدفاعي الأوروبي.. الحقيقة المرة

كشفت الأزمة الإيرانية عن “العري الدفاعي” لأوروبا.

فجأة، أدرك القادة في بروكسل أن الولايات المتحدة، المستنزفة في أوكرانيا وفي دعم الكيان الإسرائيلي، لن تكون قادرة على توفير مظلة حماية لشركائها في الخليج أو حتى لنفسها.

تصاعدت الصرخات الأوروبية بضرورة زيادة إنتاج أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ المضادة للباليستية. هذا التحول ليس مجرد خطة عسكرية، بل هو صرخة رعب من “التفوق الصاروخي الإيراني”.

لقد أثبتت إيران أنها تمتلك من “فائض القوة” ما يجعل الأنظمة الدفاعية الغربية تبدو بدائية أو غير كافية، مما دفع أوروبا للبحث عن سبل لتعويض هذا العجز الاستراتيجي الذي كشفته المواجهة.

 لماذا انتصرت “الصلابة الإيرانية” في وعي أوروبا؟

إن الحذر الأوروبي الشديد والتناقض في مواقف دول الناتو هو النتيجة الطبيعية لثلاثة عوامل رئيسية فرضتها طهران بصمودها:

  • التماسك العسكري والشعبي: أدرك المحللون الأوروبيون أن إيران ليست “دولة هشة”، بل قوة صلبة تمتلك إرادة القتال والقدرة على الرد الموجع في العمق.
  • سلاح الطاقة: يدرك الأوروبيون أن استمرار الحرب يعني بقاء أسعار الطاقة في مستويات جنونية، مما يهدد بانهيارات اجتماعية واقتصادية في القارة العجوز، وهو ما جعل إنهاء الحرب مطلباً أوروبياً ملحاً لإعادة الاستقرار للأسواق.
  • الوعي بـ”فخ تل أبيب”: يسود قلق عميق في أروقة السياسة الأوروبية من أن ترامب قد قفز إلى “حرب بالوكالة” لا تخدم سوى المصالح الضيقة للكيان الإسرائيلي، على حساب أمن واستقرار القارة الأوروبية برمتها.

الخاتمة.. نهاية عصر “الشيك على بياض”

في الختام، يظهر التقرير أن العدوان على إيران كان “المرآة” التي رأت فيها أوروبا وجهها الحقيقي: قارة تعاني من انفصام استراتيجي، وتفتقر للبدائل الدفاعية، وتخشى من دفع ثمن مغامرات غير مدروسة.

إن تصدع الأطلسي فوق صفيح إيران هو إعلان رسمي عن نهاية عصر “الشيك الأمريكي على بياض” في السياسة الأوروبية.

لقد خرجت إيران من هذه الأزمة وهي أكثر قوة في الوعي الجيوسياسي العالمي، كقوة لا يمكن تجاوزها أو إخضاعها بالترهيب، بينما تركت حلف الناتو يواجه أزمة وجودية تتجاوز حدود المنطقة لتضرب في صميم التحالف الأطلسي.

إن “مغامرة ترامب” لم تنجح في حصار طهران، بل نجحت في حصار واشنطن داخل دائرة من عدم الثقة مع أقرب حلفائها، مؤكدة أن القوة الحقيقية هي التي تفرض توازن الردع وتجبر الخصوم على إعادة حساباتهم قبل فوات الأوان.