حين تصبح “الأرض” سلاحاً فتاكاً.. تكتيكات حزب الله الميدانية تُغرق جنود الاحتلال في مستنقع الشمال
أفق نيوز|
لم تكن جبهة الشمال في مطلع مارس 2026 مجرد ساحة لتبادل القذائف، بل تحولت إلى مختبر عسكري أثبتت فيه المقاومة الإسلامية في لبنان تفوق “العقل الميداني” على “التكنولوجيا الصماء”.
اليوم، يجد جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه غارقاً في رمال متحركة على طول الحدود، حيث لم تعد محاولات التسلل أو القصف الجوي قادرة على كسر حلقة الحصار الناري التي تفرضها المقاومة.
إن المشهد الراهن، الذي يمتد من ألسنة اللهب في مصفاة حيفا إلى عمليات الإنزال الفاشلة في البقاع، يرسم لوحة انكسار استراتيجي لكيان باتت مرافقه الحيوية وقواعده القيادية تحت رحمة “المسيّرات الانقضاضية” التي لا تخطئ أهدافها.
“خيبة النخبة”.. تفكيك أسطورة الإنزال في النبي شيت
في ساعات الفجر الأولى، حاول العدو تنفيذ مغامرة سينمائية لاستعادة هيبته المفقودة؛ أربع مروحيات عسكرية تسللت عبر الحدود السورية في محاولة لإنزال قوة مشاة نخبوية عند مثلث بلدات (يحفوفا، الخريبة، ومعربون). لكن الحسابات الصهيونية اصطدمت بحائط الصد المقاوم.
لقد كانت المقاومة “تنتظرهم”؛ فبمجرد ملامسة أقدام جنود النخبة للأرض، انفتحت أبواب الجحيم.
الاشتباكات العنيفة عند مقبرة حي “آل شكر” لم تكن مواجهة عادية، بل كانت “كميناً مطبقاً”.
وما زاد من مرارة الفشل الصهيوني هو التحام الحاضنة الشعبية؛ حيث هبّ أهالي القرى المجاورة بأسلحتهم لمساندة المجاهدين، مما حول القوة المتسللة إلى “طريدة” محاصرة.
لم يجد العدو مفراً سوى تنفيذ “سياسة الأرض المحروقة” بـ 40 غارة جوية هستيرية لتأمين هروب ما تبقى من جنوده، ليُسجل التاريخ فشل “الكوماندوز” أمام يقظة الأرض وأهلها.
“الخيام ومركبا”.. الجغرافيا التي تأكل الغزاة
بالانتقال إلى القطاع الشرقي، تبرز مدينة “الخيام” كرمز للمصيدة الكبرى.
لقد حاول جيش الاحتلال استحداث مواقع عسكرية وتجمعات لآلياته في “تلة الحمامص” و”بوابة هونين”، ظناً منه أن الكثافة النارية ستحميه.
لكن المقاومة حولت هذه المواقع إلى “بقع قتل”.
عبر استخدام “المسيّرات الانقضاضية” بدقة جراحية، استهدف حزب الله تجمعات الجنود عند الأطراف الجنوبية للخيام، محولاً آلياتهم إلى خردة مشتعلة.
أما عند بوابة هونين، فقد كان القصف الصاروخي المركز كفيلاً بجعل أي محاولة للتحشيد العسكري انتحاراً معلناً.
إن اعتراف إعلام العدو بنقل الجرحى عبر المروحيات المستمرة إلى المستشفيات ليس إلا غيضاً من فيض الخسائر البشرية التي تُمنى بها قواته في هذه الجغرافيا الوعرة التي باتت تعرف بـ “مستنقع الشمال”.
“شلل الحيوية”.. حيفا تحت مجهر الردع
لم تعد صواريخ المقاومة تبحث عن الأهداف العسكرية التقليدية فحسب، بل بدأت تضرب “عصب الحياة” والاقتصاد في الكيان.
استهداف مصفاة حيفا وشركة “ألتا” للصناعات العسكرية بسرب من المسيّرات الانقضاضية هو رسالة واضحة: “أمنكم الاقتصادي مقابل أمن مدننا”.
إن صافرات الإنذار التي دوت في حيفا ومحيطها، والانفجارات التي هزت أرجاء المدينة، وضعت الملايين من المستوطنين أمام حقيقة عجز أنظمتهم الدفاعية.
عندما تتوقف المصافي وتتضرر شركات التصنيع الحربي، فإننا نتحدث عن “شلل بنيوي” يصيب المجهود الحربي الإسرائيلي في مقتله.
هذا التصعيد النوعي في العمق المحتل هو الذي دفع المقاومة لإصدار “تحذيرات الإخلاء” للمستوطنين، فارضةً واقعاً جديداً يجعل من البقاء في الشمال مخاطرة غير محسوبة العواقب.
“ضربة الرأس”.. قاعدة دادو وأزمة القيادة
في ذروة التصعيد، جاء استهداف قاعدة “دادو” (مقر قيادة المنطقة الشمالية) في صفد، ليمثل “ضربة الرأس”.
هذه القاعدة ليست مجرد ثكنة، بل هي العقل المدبر لكل العمليات الصهيونية ضد لبنان وسوريا.
استهدافها بصلية صاروخية مكثفة يعني إرباك غرفة العمليات وإخراجها عن الخدمة ولو جزئياً، مما يضع القوات المنتشرة على الحدود في حالة “تيه ميداني”.
تزامن هذا مع عمليات استنزاف ذكية طالت “موقع بلاط المستحدث” و”قاعدة عميعاد”، حيث أثبتت المقاومة قدرتها على إدارة 20 عملية عسكرية في يوم واحد بنسق متصاعد، مما كشف عن مخزون هائل من الإرادة والعتاد والقدرة على المناورة الاستراتيجية.
ختاماُ ..
تظهر الأحداث أن حزب الله لم ينجح فقط في صد العدوان، بل نجح في “إغراق” العدو في أزمة وجودية.
“فشل الإنزال” كان عنواناً لانكسار هيبة النخبة، و”مصيدة الخيام” كانت دليلاً على عجز التقدم البري، و”شلل حيفا” كان برهاناً على امتلاك المقاومة ليد طولي قادرة على خنق الكيان خدمياً واقتصادياً.
إن الشمال الفلسطيني المحتل اليوم هو ساحة لـ “الاستنزاف الشامل”؛ حيث انقطعت الكهرباء، وتوقفت المصانع، وهجر المستوطنون، وبقي الجندي الصهيوني وحيداً يواجه قدراً مجهولاً أمام مقاومة تزداد صلابة مع كل عدوان.
إن تكتيكات حزب الله الميدانية قد حسمت الجدل: الأرض لأصحابها، والمستنقع لن يبتلع سوى الغزاة.
يمانيون