بين إعادة التموضع والانسحاب الحقيقي.. قراءة في مستقبل القواعد الأمريكية في ظل تنامي “محور المقاومة”
أفق نيوز|
لم يعد الحديث عن تراجع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط مجرد تحليل سياسي أو توقع مستقبلي، بل أصبح واقعا يفرض نفسه بقوة على ضوء التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم. فخلال العقود الماضية، قدمت الولايات المتحدة وجودها العسكري وقواعدها المنتشرة في المنطقة باعتبارها ضرورة لحماية الاستقرار الإقليمي وضمان أمن حلفائها. غير أن الواقع الذي تكشفه الأحداث اليوم يضع هذه الرواية تذهب مع الريح.
لقد خاضت واشنطن سلسلة طويلة من المواجهات المباشرة وغير المباشرة في المنطقة، سواء عبر الحروب العسكرية أو العقوبات الاقتصادية أو الضغوط السياسية، فمن الحرب المفتوحة مع روسيا على الساحة الأوكرانية، إلى الدعم المطلق للحرب في غزة، مروراً بالحرب على إيران، والحروب على اليمن والعراق ولبنان، حاولت الولايات المتحدة فرض معادلات جديدة تعيد تثبيت هيمنتها وتؤكد قدرتها على إدارة النظام الدولي والإقليمي لكن النتائج حتى الآن تشير إلى عكس ذلك تماماً.
في غزة، ورغم الدعم العسكري والسياسي غير المحدود الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل، لم تستطع الحرب تحقيق الأهداف المعلنة المتمثلة في إنهاء المقاومة أو فرض واقع سياسي جديد في القطاع. بل تحولت الحرب إلى أزمة دولية كشفت حجم التناقض بين الخطاب الأمريكي حول حقوق الإنسان وبين ممارسات حليفتها في الميدان، الأمر الذي أضعف كثيراً من صورة الولايات المتحدة ومصداقيتها أمام الرأي العام العالمي.
أما في اليمن، فقد فشلت سنوات الحرب والحصار في تحقيق الأهداف التي أعلنتها القوى الداعمة للتحالف. وعلى العكس، تحولت الساحة اليمنية إلى مثال واضح على حدود القوة العسكرية التقليدية في مواجهة حركات مقاومة قادرة على الصمود وتطوير قدراتها بمرور الوقت. كما أصبحت العمليات المرتبطة بالصراع في البحر الأحمر عاملاً إضافياً يضع الوجود العسكري الأمريكي أمام حقائق وواقع جديد دون أن ينجح في فرض سيطرة حاسمة.
وفي العراق ولبنان، يتكرر المشهد ذاته. فالوجود العسكري الأمريكي الذي كان يُقدَّم باعتباره ضمانة للاستقرار تحول في نظر قطاعات واسعة من شعوب المنطقة إلى مصدر للتوتر وعدم الاستقرار. ومع تصاعد المطالبات السياسية والشعبية بإنهاء هذا الوجود، ودعم اسرائيل جعل واشنطن تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً: البقاء مكلف سياسياً وأمنياً، والانسحاب يحمل في طياته اعترافاً بتراجع النفوذ.
أما إيران، التي شكلت لسنوات محوراً أساسياً في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، فقد أثبتت أن سياسة اغتيال القادة و”الضغط الأقصى” لم تحقق أهدافها. فبدلاً من إضعاف طهران أو تغيير سلوكها الإقليمي، أدت تلك السياسات إلى تعميق شبكة تحالفاتها وتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية، وهو ما جعل مواجهة ايران يعود بنتيجة عكسية على استمرار تواجدها خياراً بالغ الخطورة بالنسبة لواشنطن.
هذه الوقائع كشفت حقيقة الدور الذي تؤديه القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة. فبينما تم تسويقها طويلاً باعتبارها وسيلة لحماية دول الخليج وضمان أمن المنطقة، إلا أن وظيفتها الحقيقية ترتبط أساساً بحماية اسرائيل وضمان استمرار تفوقها في الشرق الأوسط.
ومع تغير موازين القوى الدولية وصعود قوى عالمية جديدة في المسرح الدولي، لم يعد الشرق الأوسط الساحة الآمنة والأهم في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية. فواشنطن باتت مضطرة لإعادة توزيع مواردها العسكرية والسياسية في مواجهة منافسين كبار على مستوى العالم، وهو ما يجعل استمرار الانتشار العسكري الواسع في القواعد العسكرية في الشرق الأوسط عبئاً ثقيلاً يصعب تحمله على المدى الطويل.
كل ذلك لا يعني بالضرورة انسحاباً أمريكياً فورياً أو كاملاً من المنطقة، لكن المؤشرات المتراكمة تدل على أن مرحلة الهيمنة المطلقة التي تمتعت بها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة تقترب من نهايتها. فالعالم يتجه نحو نظام دولي أكثر تعددية، والمنطقة نفسها تشهد تحولات عميقة في موازين القوة والتحالفات.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستغادر المنطقة، بل متى وكيف سيحدث ذلك، وما الشكل الجديد للنظام الإقليمي الذي سيولد بعد تراجع النفوذ الأمريكي. فالتاريخ يعلمنا أن القوى العظمى قد تبقى طويلاً، لكنها في النهاية لا تستطيع الاحتفاظ بنفوذها إلى الأبد إذا تغيرت موازين القوة على الأرض.