أفق نيوز
الخبر بلا حدود

الهجرة النبوية في رؤية السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي .. مشروع بناء الأمة والتحرر من الشح والضياع

58

أفق نيوز| طارق الحمامي

تمثل كلمة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله بمناسبة الذكرى السنوية للهجرة النبوية للعام 1446هـ قراءةً فكرية وتربوية وسياسية عميقة للهجرة النبوية، تتجاوز البعد التاريخي التقليدي لتقدمها باعتبارها محطة تأسيسية في بناء الأمة الإسلامية وصياغة مشروعها الحضاري. وقد ركزت الكلمة على استلهام الدروس العملية من تجربة الهجرة وربطها بواقع الأمة المعاصر وما تواجهه من تحديات فكرية وثقافية وسياسية.

الهجرة النبوية حدث تأسيسي في ميلاد الأمة

ينطلق السيد القائد من دلالة اعتماد الهجرة النبوية أساساً للتقويم الإسلامي، معتبراً أن اختيار المسلمين للهجرة مرجعاً لتاريخهم ليس مجرد إجراء زمني، بل تعبير عن عظمة هذا الحدث ودوره المفصلي في انتقال الإسلام من مرحلة الدعوة المحدودة إلى مرحلة بناء الدولة والأمة، وتبرز هنا رؤية تعتبر أن الهجرة لم تكن انتقالاً جغرافياً من مكة إلى المدينة، بل انتقالاً حضارياً من واقع الضعف والتشتت إلى واقع التمكين والوحدة والنهضة، الأمر الذي جعلها تستحق أن تكون نقطة الانطلاق التاريخية للأمة الإسلامية، وفي هذا السياق يربط السيد القائد بين الهجرة والرسالة الإلهية باعتبارها مشروعاً لإنقاذ الإنسان من الضلال والجهل والانقسام، مؤكداً أن نجاح الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بناء الأمة مثّل تحولاً جذرياً في واقع العرب آنذاك، حيث انتقلوا من حالة الجاهلية إلى أمة موحدة تحمل مشروعاً حضارياً عالمياً.

 

الأنصار نموذج الأمة الحاضنة للمشروع الإسلامي

يخصص السيد القائد مساحة واسعة لتحليل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ…}، ويعتبر أن هذه الآية رسمت المعايير الأساسية لأي مجتمع يريد أن ينهض بمشروع الإسلام في أي زمان ومكان، رسوخ الانتماء الإيماني، يقدم تفسيراً عميقاً لعبارة: “تبوؤوا الدار والإيمان”، حيث يرى أن الأنصار لم يكتفوا باعتناق الإسلام شكلياً، بل استوطن الإيمان قلوبهم كما يستوطن الإنسان داره، فأصبح جزءاً من هويتهم ووعيهم وسلوكهم،
ويبرز هنا مفهوم “الإيمان المسؤول”، الذي يجمع بين العبادة والعمل والجهاد والتضحية، في مقابل الإيمان الشكلي الذي يفتقر إلى الالتزام العملي، وكذا الانفتاح على الآخرين وبناء الأمة
من أبرز الدلالات التي يستخلصها السيد القائد من وصف الأنصار أنهم: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}
أي أنهم لم ينغلقوا على ذواتهم أو قبائلهم أو مصالحهم الخاصة، بل نظروا إلى المهاجرين باعتبارهم شركاء في بناء الأمة الإسلامية،
ويقدم هذا النموذج باعتباره نقيض العصبيات الضيقة والنزعات الفردية التي تعيق بناء المجتمعات، كذلك سلامة الصدر من الحسد والضغائن، حيث يرى السيد القائد أن من أهم أسرار نجاح مجتمع المدينة خلوه من أمراض الحسد والحساسيات والصراعات الداخلية، ويعتبر أن قوله تعالى : {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا}، يجسد حالة متقدمة من النقاء النفسي والقدرة على تجاوز المصالح الشخصية لصالح المصلحة العامة، وأيضا الإيثار كقيمة حضارية، فهو يتوقف عند قوله تعالى:
{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}
معتبراً أن الإيثار يمثل أعلى درجات السمو الأخلاقي، وأن المجتمعات التي يسودها العطاء والتضحية تكون أكثر قدرة على النهوض ومواجهة التحديات.

 

الشح . العدو الداخلي للأمة

يشكل مفهوم “الشح” المحور المركزي في كلمة السيد القائد، حيث يقدمه بوصفه أخطر العوائق التي تمنع الأمة من النهوض، فالشح في الرؤية المطروحة ليس مجرد بخل مادي، بل منظومة من السلوكيات السلبية تشمل الأنانية، والتمحور حول الذات، والحسد، والأحقاد،والحسابات الشخصية الضيقة، والسعي للاستحواذ والسيطرة، ويرى السيد القائد أن هذه الأمراض كانت السبب في سقوط أمم سابقة، كما أنها تمثل اليوم أحد أبرز أسباب ضعف المسلمين وتفرقهم، ومن هنا فإن الفلاح الذي تحدثت عنه الآية الكريمة: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، يرتبط بالتحرر من الأنانية والانطلاق نحو العمل الجماعي والتضحية والبذل، وهنا دلالة مهمة في رؤية السيد القائد، فإن معركة الأمة ليست فقط مع الأعداء الخارجيين، بل مع الأمراض النفسية والأخلاقية الداخلية التي تعطل قدرتها على التوحد والعمل المشترك.

 

إسقاطات الهجرة على واقع الأمة المعاصر

لا تتوقف الكلمة عند الجانب التاريخي، بل تنتقل إلى قراءة الواقع الإسلامي المعاصر،  ويؤكد السيد القائد أن الأمة تعيش اليوم حالة شبيهة بما قبل الهجرة من حيث  التحديات الفكرية، ومحاولات الإفساد الثقافي، والاستهداف الإعلامي، والاختراق السياسي، وتفكيك الهوية الإسلامية، ومن هذا المنطلق يدعو إلى استلهام تجربة الأنصار بوصفها نموذجاً عملياً لمواجهة التحديات الراهنة.

 

الهجرة كفكرة متجددة

الهجرة في هذا السياق ليست انتقالاً مكانياً، بل انتقال من التبعية إلى الاستقلال، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الأنانية إلى الإيثار، ومن الضعف إلى القوة، من الانحراف إلى أصالة الإسلام.

 

اليمن ودور الأنصار الجديد

من أبرز مضامين الكلمة الربط بين دور الأنصار التاريخي وبين الهوية الإيمانية للشعب اليمني،
فالسيد القائد يستحضر انتماء الأوس والخزرج إلى الجذور اليمنية، ويستند إلى الحديث النبوي الشريف: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”
ليؤكد أن اليمن يمتلك رصيداً تاريخياً وإيمانياً يؤهله للقيام بدور محوري في حمل راية الإسلام ومواجهة التحديات، وتحمل هذه الرؤية بعداً تعبوياً واضحاً، يهدف إلى تعزيز الشعور بالمسؤولية التاريخية لدى الشعب اليمني وربط الحاضر بالموروث الإسلامي الأول.

 

البعد التربوي في مناسبة العام الهجري

إلى جانب الأبعاد الفكرية والسياسية، ركزت الكلمة على البعد التربوي الفردي، فبداية العام الهجري تمثل فرصة للمراجعة والتقييم الذاتي من خلال مراجعة العلاقة بالله، وتقييم الأداء والمسؤوليات، واكتشاف جوانب التقصير، ووضع أهداف جديدة، والاستعداد للآخرة، وهنا تتحول المناسبة من مجرد احتفال تاريخي إلى محطة سنوية للمحاسبة والتجديد والإصلاح.

 

ختاما .

تكشف كلمة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله عن رؤية تعتبر الهجرة النبوية مشروعاً متكاملاً لبناء الأمة وليس مجرد ذكرى تاريخية، وتتمحور هذه الرؤية حول ثلاثة مرتكزات رئيسية، منها التمسك بأصالة الإسلام باعتباره مشروع نهضة وإنقاذ، وبناء مجتمع متماسك يقوم على الإيمان الراسخ والإيثار والتعاون، ومواجهة الشح والأنانية باعتبارهما أخطر عوامل الفشل والتفكك، وبذلك تتحول الهجرة في الخطاب إلى مدرسة عملية لتأسيس أمة قوية وموحدة، قادرة على مواجهة تحديات العصر، واستعادة دورها الحضاري والإنساني، تماماً كما فعل الأنصار والمهاجرون في فجر الإسلام الأول.