أفق نيوز
الخبر بلا حدود

تفكيك “صدمة الاثنين”.. واشنطن تسحب الضوء الأخضر وتفرض “أمر عمليات” يربك تل أبيب وبعبدا

52

أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة 

شهدت الساعات الأخيرة تحولاً دراماتيكياً أطاح بهوامش المناورة الإسرائيلية، ونقل مفاعيل “مذكرة تفاهم إسلام آباد” الموقعة في 18 يونيو/حزيران من الشق النظري إلى الإجراءات الزجرية الصارمة. وجاءت معطيات الميدان الدبلوماسي والعسكري لتؤكد أن الإدارة الأمريكية، الواقعة تحت وطأة “الإجبار الاستراتيجي” وخنق مضيق هرمز، قد انتقلت إلى مرحلة فرض “أمر عمليات” مباشر وقاسٍ على تل أبيب.

أولاً: كبح الاندحار الصهيوني.. “انتهى الضوء الأخضر”

فجّرت القنوات العبرية (12 و13 و15) الصدمة الأكبر في الأوساط الأمنية والسياسية للكيان، كاشفةً عن قرار أمريكي حاسم أنهى “عربدة” نتنياهو وجيشه في لبنان:
* أمر عمليات ترامب: أكدت القناة 13 العبرية أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية تلقت تعليمات أمريكية صارمة ومباشرة تمنع منعاً باتاً استهداف العاصمة بيروت ومدينة صور، بالتزامن مع قيام ترامب بكبح العمليات الإسرائيلية على كافة الجبهات. الرسالة الأمريكية الموجهة لتل أبيب حملت عبارة واحدة لا لبس فيها: “انتهى الضوء الأخضر”.
* تسريح قوات الاحتياط في الشمال: وترجمةً لهذا التكبيل، أبلغ الجيش الإسرائيلي “فرق التأهب” وقوات الاستنفار المحلية في المستوطنات الشمالية أنه اعتباراً من يوم الأحد القادم سيتم إنهاء استدعاء جميع أفرادها للخدمة وإعادتهم إلى منازلهم، في إقرار مادي صريح بالتسليم بوقف إطلاق النار.
* الكارثة الاستراتيجية بلسان “يهوشع”: علق المحلل العسكري يوسي يهوشع عبر القناة 15 بمرارة قائلاً: “اتفاق الاستسلام الأمريكي أمام إيران يُدخل طهران رسمياً إلى آلية الرقابة والإشراف في لبنان، وإذا أضفنا إلى ذلك تصريحات فانس، فسنحصل على كارثة استراتيجية غير مسبوقة لإسرائيل”.

ثانياً: هندسة “خلية الرباعية” المرفوضة من إسرائيل

تتبلور في كواليس العواصم تفاصيل “الخلية التقنية” لفض النزاع وتثبيت وقف إطلاق النار الدائم، والتي أظهرت عزلة الكيان:
* هيكلية الخلية الخماسية: كشفت مصادر إعلامية ودبلوماسية (ال بي سي آي، والجديد، والشرق) أن الخلية التي تولدت في بورغنشتوك السويسرية ومسار واشنطن الموسع تضم: (إيران، الولايات المتحدة، قطر، لبنان)، دون أي وجود أو دور للكيان الإسرائيلي. وتتولى واشنطن حصراً (عبر التنسيق بين فانس وروبيو) إبلاغ تل أبيب بالقرارات وإجبارها على التنفيذ، فيما تلعب قطر دور صلة الوصل ومحرك صندوق الإعمار بالتنسيق مع السعودية.
* جدول أعمال المسار الموسع: لن تقتصر مهام الخلية على مراقبة الخروقات، بل تشمل وضع آليات الانسحاب الإسرائيلي الشامل (وفق التقسيم الإداري للأقضية الذي طرحه بري)، انتشار الجيش اللبناني، عودة الأسرى والنازحين، وإطلاق خطة إعادة الإعمار والتنمية.
* ثبات الموقف الإيراني: حسم رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف الموقف فور وصوله إلى طهران مؤكداً: “لن نتخلى عن لبنان حتى يصل إلى سيادته الوطنية الكاملة ونحن مطمئنون لنتائج سويسرا”. وتزامن ذلك مع اتصال داعم من الرئيس التركي أردوغان ل بزشكيان، محذراً من الأطراف التي تحاول عرقلة التفاهم.

ثالثاً: إرباك بعبدا ومحاولة تثبيت السيادة

أحدثت هذه الهندسة الإقليمية المستندة إلى الصواريخ الإيرانية ومفرمة “علي الطاهر” إرباكاً ظاهراً في سلوك السلطة اللبنانية، التي تجد نفسها عاجزة عن مجاراة دهاء حائكي السجاد:
* الرئيس يرحب ويحذر: سارع رئيس الجمهورية جوزيف عون، عقب اتصاله الهاتفي مع فانس وكوشنر ورئيس وزراء قطر، لإبلاغ بري وسلام بتأييده لفكرة تشكيل الخلية لتأمين الانسحاب وتثبيت الهدنة. ولكنه حاول حفظ ماء الوجه بإطلاق تصريح لافت: *”نرحب بأي مساعدة لإنهاء الحرب، لكننا نميز بين المساعدة والتدخل في شؤوننا الداخلية.. لا أحد يفاوض عنا”.
* غياب دعوة واشنطن وغرف بعبدا: أكدت مصادر “الجديد” أنه لا توجد حتى الآن أي دعوة رسمية أو موعد محدد لزيارة الرئيس عون إلى واشنطن، مما دفعه لدراسة جولة إقليمية تشمل الرياض والدوحة وأنقرة، محاولاً اللحاق بالقطار الإقليمي الذي انطلق بقطبين حصرين: طهران وواشنطن، ومعززاً جهود الوساطة الداخلية التي يقودها اللواء حسن شقير لتقريب وجهات النظر وتضييق فجوة الخلاف بين بعبدا وحزب الله.

رابعاً: معادلة خنق “هرمز” بالأرقام (بيانات كبلر)

جاءت البيانات الفنية الموثقة لشركة “كبلر” المتخصصة في تتبع حركة الطاقة لتكشف للعالم كيف تفرض طهران شروطها السيادية على الملاحة دون قتال:
* خنق الممر الأوسط: أكدت وكالة أسوشيتد برس عن “كبلر” تسجيل عبور 71 سفينة تجارية وناقلة نفط خلال عطلة نهاية الأسبوع (بلغت ذروتها السبت بـ 35 سفينة). المفاجأة الفنية تمثلت في أن المسار الرئيسي الأوسط لمضيق هرمز مغلق بالكامل بأمر القوة البحرية للحرس الثوري، وأن عبور السفن يتم تحت إشراف وتوجيه إيراني صارم عبر مسارين ثانويين ضيقين في المياه الإقليمية الإيرانية والعمانية.
* تسييل الإغلاق لصالح لبنان: هذا الإغلاق التكتيكي المتقن، الذي توازى مع عبور ملايين براميل النفط الإيراني المعفى من العقوبات نحو الأسواق، هو الذي دفع الدبلوماسيين الأمريكيين للرضوخ وإنشاء خط الاتصال الساخن لتفادي الحوادث في هرمز، وتلقي التعهد الإيراني بالعبور الآمن المشروط بـ “كبح جماح إسرائيل في لبنان”، لتسقط أوهام ترامب الذي هدد بالاستيلاء على المضيق، مجبراً نائبه فانس على التراجع وإعلان الرغبة في “بدء صفحة جديدة وتغيير العلاقات مستداماً مع الشعب الإيراني”.

الخلاصة والتقدير الاستراتيجي للملحق:

الشرق الأوسط يُعاد رسمه الليلة بحبر المادة 13 من مذكرة التفاهم؛ فبينما يتبجح ترامب لجمهوره بأن الاتفاق “مجرد تمديد لوقف النار لـ 60 يوماً ليستأنف بعده ما يشاء”، تثبت البنود الفنية أن أمريكا دفعت ثمن الحرب مسبقاً (132 مليار دولار خسائر اقتصادية) وقبلت بـ”تخفيض التخصيب في الموقع نفسه” دون إخراج غرام واحد من اليورانيوم، ورفعت الحصار مرغمة.
إن سحب واشنطن للضوء الأخضر من نتنياهو، وأمر جيش الاحتلال بتسريح فرق الاستنفار في الشمال وكف يده عن بيروت وصور، هو انتصار خالص لمعادلة الصمود المادي في “علي الطاهر” التي دمجت طهران بين ترابها ومياه هرمز. وإذا كان الكابينت الإسرائيلي سيجتمع الخميس القادم وسط عناد لفظي من نتنياهو وشروط شوفال حول “شمال الليطاني”، فإن آلية “خلية فض النزاع” ومجموعات العمل التقنية في بورغنشتوك باتت هي المرجعية الحاكمة؛ وأي محاولة صهيونية للتمرد على الإرادة الأمريكية الجديدة سيعني فوراً إغلاق المسارين الثانويين في المضيق، وترك إسرائيل وحيدة عارية من السلاح والغطاء لتواجه مصيرها المحتوم؛ فالأصابع الإيرانية لا تزال ممسكة بالزناد، وسلاح المقاومة في الجنوب باقٍ في الأيادي ليصون الكرامة والسيادة كلياً.