أفق نيوز
الخبر بلا حدود

“تفاهمات على الورق وألغام في البحر”.. مأزق الاتفاق الأمريكي الإيراني وصراع السيادة في مضيق هرمز

53

أفق نيوز| تقرير| خاص

يعيش الشرق الأوسط على وقع ترتيبات سياسية وأمنية بالغة الحرج والتعقيد، فبينما نجحت الجهود الدبلوماسية مؤخراً في صياغة مذكرة تفاهم رسمية بين طهران وواشنطن لإنهاء حالة الحرب وإعادة فتح الممرات المائية، إلا أن الواقع الميداني في مياه الخليج لا يزال يشي بـ “فوضى عارمة” وعراقيل تهدد بانهيار المسار الدبلوماسي برمته قبل أن يجف حبره.

1. اتفاق سويسرا.. آمال الدبلوماسية وتحديات الواقع

شهدت العاصمة السويسرية حراكاً مكثفاً أفضى إلى إعلان تفاهمات رسمية بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب، ورفع الحصار البحري، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية في غضون 30 يوماً لتعود إلى مستويات ما قبل الحرب.

وتتضمن بنود المذكرة التزامات متبادلة تشمل:

  • رفع الحصار الاقتصادي وبدء التنمية: تعهد واشنطن بإصدار إعفاءات فورية لصادرات النفط الإيراني، والإفراج عن الأصول المجمدة، والمساهمة في خطة تنمية اقتصادية لضمان تمويل لا يقل عن 300 مليار دولار.

  • الالتزامات النووية: تأكيد طهران مجدداً عدم إنتاجها لأسلحة نووية، مع الحفاظ على برنامجها الحالي دون فرض عقوبات أمريكية جديدة.

  • وقف الجبهات: إنهاء فوري ودائم للعمليات القتالية على كافة الجبهات، وبشكل خاص في لبنان.

ورغم هذه البنود الطموحة، يرى المراقبون أن الاتفاق يواجه خطر الفشل الهيكلي، حيث تصف شركات الشحن الدولي ما جرى بأنه “اتفاق على الورق” لا يجد انعكاساً حقيقياً وآمناً على أرض الواقع.

2. مضيق هرمز.. السيادة الإيرانية في مواجهة “الترتيبات الموازية”

عاد مضيق هرمز ليتصدر واجهة الصراع الجيوسياسي، حيث أطلق وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، تصريحات حاسمة من العاصمة العراقية بغداد، أكد فيها أن:

“مضيق هرمز يقع تماماً تحت الإدارة السيادية لطهران، ولا يحق لأي طرف التدخل في شؤون إدارته”.

وحذر عراقجي من أن “الترتيبات الغامضة أو الموازية” والمحاولات الخارجية لإدارة العبور لن تؤدي إلا إلى تأخير إعادة فتح المضيق، معتبراً أن أي آلية لا تحترم التنسيق مع طهران تخالف نص مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن.

هذا الإصرار الإيراني اصطدم برفض إقليمي ودولي؛ حيث عبّر مجلس التعاون الخليجي عن رفضه فرض أي رسوم أحادية في المضيق، بينما برزت على السطح “ثلاثة مسارات” مختلفة لعبور السفن (مسار عُماني جنوبي، مسار أوسط قديم، ومسار إيراني شمالي)، مما وضع مشغلي السفن في حيرة ومخاوف مستمرة من التعرض لعقوبات غربية أو استهداف عسكري.

3. لغم التصعيد الميداني.. رسائل المسيّرات والغارات

لم تدم أجواء التفاؤل بالهدنة طويلاً، إذ تعرضت سفينة الحاويات “Ever Lovely” التي ترفع علم سنغافورة لهجوم بطائرة إيرانية مسيّرة في المضيق، وهو ما اعتبره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “انتهاكاً أحمق لوقف إطلاق النار”، مهدداً بإنهاء المفاوضات فوراً إذا ثبتت عدم جدية التعهدات الإيرانية.

وجاء الرد الأمريكي سريعاً عبر شن غارات جوية على أهداف عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني في محيط المضيق، قابله إعلان إيران استهداف مواقع عسكرية أمريكية رداً على تلك الغارات. هذا التأرجح بين الغارات المتبادلة والتهدئة يوضح أن فتيل الحرب لم ينزع تماماً، وأن الأطراف لا تزال تستخدم القوة الخشنة لتحسين شروط التفاوض النهائي.

4. قراءة تحليلية في المشهد الراهن

سياسياً، يمكن تلخيص الوضع الراهن في إيران والمنطقة عبر الأبعاد التالية:

  • مأزق الثقة المتبادلة: لا تزال طهران تنظر بريبة للرسائل المتناقضة الصادرة من واشنطن، في حين تعتبر الإدارة الأمريكية أن طهران تستخدم أذرعها العسكرية والحرس الثوري لفرض أمر واقع في الممرات البحرية.

  • الوضع الداخلي الإيراني: تأتي هذه التطورات وسط ظروف استثنائية تعيشها إيران، ولا سيما مع الترتيبات الجارية لتشييع المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، مما يجعل القيادة الإيرانية حريصة على إظهار التماسك الداخلي وعدم تقديم أي تنازلات في ملفات السيادة كملف مضيق هرمز.

  • سوق الطاقة العالمي: يُعد مضيق هرمز الشريان الحيوي الأبرز لإمدادات النفط؛ وأي تعثر في تطبيق الاتفاق أو استمرار الفوضى الملاحية فيه سيقود حتماً إلى قفزة جديدة في أسعار الطاقة العالمية واضطراب في سلاسل التوريد التي تعاني أساساً من تبعات أشهر الحرب الماضية.

خلاصة:

يتحرك الاتفاق الأمريكي الإيراني في حقل ألغام حقيقي؛ فالنجاح الدبلوماسي الذي تحقق في سويسرا يواجه اختباراً عسيراً وقاسياً في مياه مضيق هرمز. وإذا لم يتم التوصل إلى صيغة واضحة تضمن التوفيق بين “السيادة الإيرانية” المشروطة على المضيق وبين “حرية الملاحة الدولية الآمنة”، فإن التفاهمات الراهنة ستكون مجرد تهدئة مؤقتة تسبق جولة صراع أخطر وأوسع