أفق نيوز
الخبر بلا حدود

الفوضى المنظمة .. قراءة في أبعاد ودلالات التحركات الرامية إلى زعزعة الأمن والاستقرار في اليمن

54

أفق نيوز| طارق الحمامي

تشهد الساحة اليمنية بين الحين والآخر موجات من التوتر الأمني المفتعلة تتجسد في أعمال التقطع والنهب والسلب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة واستهداف المدنيين وإزهاق الأرواح البريئة، ويرى مراقبون أن هذه الأحداث لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق العدوان الأوسع الذي يشنه تحالف العدوان بقيادة السعودية ، حيث تمثل الفوضى الأمنية إحدى أدوات الاستنزاف التي تستهدف إرباك المشهد الداخلي وإضعاف الجبهة الوطنية واستنزاف المجتمع اقتصادياً ونفسياً واجتماعياً.

الفوضى كأداة للضغط والاستنزاف

تشير القراءات السياسية والأمنية إلى أن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المواجهات العسكرية التقليدية، بل باتت ترتكز بصورة متزايدة على أدوات الاستنزاف الداخلي وإثارة الاضطرابات الأمنية وإرباك الحياة العامة بهدف إنهاك المجتمعات وإشغال مؤسسات الدولة بالتعامل مع التداعيات اليومية للأزمات المفتعلة،
وفي هذا السياق، يُنظر إلى أعمال التقطع والنهب والاعتداء على الممتلكات باعتبارها أفعالاً تتجاوز بعدها الجنائي المباشر لتأخذ أبعاداً سياسية وأمنية تسعى إلى التأثير على الناس والنظام العام وإثارة القلق والخوف.

 

استهداف الاقتصاد ومعيشة المواطنين

تمتد تداعيات هذه الأعمال إلى الجانب الاقتصادي من خلال تعطيل حركة التجارة والنقل ورفع تكاليف السلع والخدمات وإرباك سلاسل الإمداد، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الأوضاع المعيشية للمواطنين ويضاعف الأعباء الاقتصادية المفروضة عليهم، كالذي تفرضه السعودية على المواطنين في الجنوب وفي حصارها لليمن شمالا ، كما أن استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني يخلق بيئة طاردة للاستثمار ويعرقل فرص التنمية وإعادة الإعمار، الأمر الذي يجعل الاقتصاد الوطني أحد أبرز الأهداف المتضررة من هذه الممارسات.

 

الحرب النفسية وتآكل الثقة المجتمعية

من أبرز أهداف هذه التحركات إضعاف الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة وإشاعة حالة من الخوف والقلق المستمر، بما يهيئ المناخ لانتشار الشائعات والحملات الإعلامية المصاحبة التي تسعى إلى تضخيم الأحداث واستثمارها سياسياً وإعلامياً، وتعتمد هذه الاستراتيجية على تحويل الحوادث المتفرقة إلى صورة ذهنية عامة توحي بغياب الاستقرار، بما يسهم في خلق حالة من الإحباط والتشكيك لدى المواطنين.

 

الذباب الإلكتروني وحروب التضليل.. الجبهة الخفية للصراع

بالتوازي مع التحركات الميدانية، تبرز وسائل التواصل الاجتماعي كساحة أخرى للصراع من خلال حملات منظمة من الشائعات والمعلومات المضللة تستهدف إثارة المخاوف ونشر التضليل وتغذية الانقسامات وتوسيع دائرة الاحتقان بين أبناء المجتمع الواحد، ويشير متابعون إلى أن شبكات الحسابات المنظمة والذباب الإلكتروني باتت تمثل إحدى أبرز أدوات الحرب الإعلامية والنفسية لتحالف العدوان، من خلال إعادة تدوير الأخبار غير الموثوقة وتضخيم الحوادث الفردية وصناعة الروايات المتناقضة وإثارة النعرات المناطقية والسياسية والاجتماعية، وتسعى هذه الحملات إلى تحويل الفضاء الإلكتروني إلى ساحة لتأجيج الفتنة وإضعاف الجبهة الداخلية واستنزاف المجتمع من الداخل، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى الرقمي وصعوبة التحقق الفوري من المعلومات، ومن هنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي والإعلام المسؤول والتحقق من المصادر قبل تداول الأخبار أو إعادة نشرها، باعتبار أن مواجهة التضليل الإعلامي أصبحت جزءاً أساسياً من معركة حماية الأمن والاستقرار.

 

التوقيت والدلالات السياسية

يكتسب توقيت هذه التحركات دلالات خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، وهو ما يدفع العديد من المحللين إلى الربط بينها وبين محاولات التأثير على المشهد الداخلي وإرباك الأولويات الوطنية من خلال فتح جبهات استنزاف أمنية واقتصادية وإعلامية، كما أن تزامن بعض هذه الأحداث مع محطات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية مهمة يعزز من فرضية وجود أهداف تتجاوز البعد الجنائي التقليدي لتدخل في إطار الصراع على النفوذ والتأثير السياسي.

 

تحذيرات من استمرار التصعيد ودعوات إلى اليقظة والجاهزية الوطنية

وفي ظل هذه التطورات، برزت خلال الفترة الماضية مواقف وتحذيرات صريحة للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، من استمرار السياسات التصعيدية والتحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه اليمن، معتبرة أن المرحلة المقبلة قد تحمل مزيداً من التحولات والتحديات التي تتطلب أعلى درجات الوعي واليقظة،  وفي هذا السياق، دعا السيد القائد، في أكثر من مناسبة إلى تعزيز التماسك الداخلي ورفع مستوى الجاهزية المجتمعية والاعتماد على الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات، مؤكداً أهمية الحفاظ على الجبهة الداخلية باعتبارها الركيزة الأساسية للصمود والاستقرار، ويرى مراقبون أن هذه الرسائل تعكس إدراكاً لطبيعة التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، كما تؤكد أهمية الاستعداد لمختلف السيناريوهات المحتملة والحفاظ على عوامل القوة والتماسك الوطني في مواجهة الضغوط والتحديات القائمة.

 

مسؤولية المجتمع والدولة

إن مواجهة هذه التحديات لا تقتصر على الدور الأمني وحده، بل تتطلب شراكة مجتمعية واسعة تقوم على تعزيز الوعي، ومساندة الجهود الرامية إلى حماية السكينة العامة، ورفع مستوى التعاون المجتمعي في الإبلاغ عن الجرائم وأعمال التخريب، ومواجهة الشائعات والحملات التضليلية التي تستهدف المجتمع، كما تبرز الحاجة إلى تطبيق القانون ومحاسبة المتورطين في أعمال التخابر مع العدوان والتقطع والنهب والاعتداء على المواطنين والممتلكات بما يسهم في حماية الأمن والاستقرار وترسيخ السلم المجتمعي.

 

ختاما ..

لقد أصبحت الحروب المعاصرة تعتمد على مزيج من الأدوات العسكرية والأمنية والاقتصادية والإعلامية والنفسية، الأمر الذي يجعل حماية الجبهة الداخلية وتعزيز الوعي المجتمعي والتماسك الوطني عوامل حاسمة في مواجهة التحديات، ويبقى الأمن والاستقرار الركيزة الأساسية لأي عملية تنموية أو سياسية أو اقتصادية، فيما تمثل محاولات نشر الفوضى وإثارة الفتن واستهداف المدنيين والممتلكات تهديداً مباشراً لمصالح المجتمع ومستقبله، الأمر الذي يفرض تكاتف الجهود الرسمية والشعبية للحفاظ على السلم المجتمعي وإفشال كل المساعي الرامية إلى السيطرة على الوطن ومقدراته واستنزاف ثرواته وادخال اليمنيين في الفوضى.