أفق نيوز
الخبر بلا حدود

طهران تطوق واشنطن بـتشييع الملايين.. وحماقات كاتس تعجل بهزيمة “الخط الأصفر” في لبنان

42

أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة 

في اليوم التاسع عشر لمذكرة التفاهم، تفرض ديناميكيات الميدان والجماهير تفوقها المطلق على الغرف المغلقة. فبينما تقود طهران ومسقط ثورة صامتة في إدارة التأمين الملاحي لمضيق هرمز لإنهاء الاحتكار الغربي، يوجه التشييع المليوني للمرشد الإيراني ضربة قاضية لرهانات التفكك الداخلي. في المقابل، يغرق الكيان الإسرائيلي في مستنقع “الخط الأصفر” اللبناني، معترفاً بعجزه عن تطهير القرى من عناصر حزب الله، في وقت يُصدر فيه وزير دفاعه يسرائيل كاتس تصريحات استفزازية حول اغتيال خامنئي، ليصب الزيت على نار الردع الإيراني ويؤكد انغلاق الأفق السياسي والعسكري لحكومة نتنياهو.

أولاً: ثورة التأمين البديل في هرمز.. مسقط وطهران تقلبان الطاولة

بعيداً عن الصخب العسكري، تدير إيران وسلطنة عمان هندسة استراتيجية واقتصادية بالغة الخطورة لفرض سيادة دائمة على مضيق هرمز وإخراج شركات التأمين الغربية من المعادلة.
* الشركة المشتركة العمانية-الإيرانية: وفقاً للباحثة في مركز الجزيرة للدراسات فاطمة الصمادي (نقلاً عن مسؤول عماني رفيع)، تم اقتراح إنشاء شركة مشتركة تقدم خدمات الإنقاذ والطوارئ والإجراءات البيئية (التي كانت تُقدم سابقاً مجاناً). هذه الشركة ستتقاضى مبالغ مالية مقابل خدماتها، ولكن بأسعار تفضيلية وأقل من شركات التأمين الغربية، ولن يُسمح لأي باخرة بالمرور دون تسديد الرسوم لها.
* الغطاء القانوني والدولي: حشدت مسقط فريقاً من القانونيين، مدعوماً بخبير بريطاني بارز، أثبت أن هذا الإجراء السيادي لا يمثل انتهاكاً للقانون الدولي. وفي خطوة تضمن الغطاء الدولي، وافقت روسيا على المقترح (مع تحفظ تكتيكي بشأن تعميمه لممرات أخرى)، بينما ستستفيد الصين (أكبر المستهلكين) من أسعار تفضيلية، مما يضمن دعماً من القوى الشرقية العظمى لهذه الترتيبات. هذا التطور يفسر التحذيرات المتتالية للخارجية الإيرانية من أن هرمز “ليس ساحة استعراض”، وهو رد عملي على الاستنفار الأمريكي المتجه لقمة الناتو.

ثانياً: التشييع المليوني.. شرعية “رايات الثأر” وصفعة لحرب واشنطن النفسية

انطلق موكب التشييع الرسمي لثمانية جثامين (بينها جثمان المرشد الأعلى وأفراد عائلته) في مشهد غير مسبوق في العاصمة طهران.
* طوفان بشري ورسائل سياسية: أربك حجم الحشود (الذي تطلب تعديل مسار الانطلاق من ساحة الإمام الحسين إلى ساحة انقلاب وامتد لـ 12 ساعة) التقديرات الغربية. ورفعت الحشود “رايات الثأر الحمراء” ولافتات تتعهد بقتل ترامب. وقد لخص محللون هذا المشهد بأنه “رسالة سياسية واضحة تؤكد عدم السماح بالتفريط بدماء الشهيد”، ويثبت فشل التقديرات الأمريكية والحرب الإعلامية التي راهنت على تفكك النموذج الإيراني.
* تصعيد سياسي إيراني: استند رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى هذا التفويض الشعبي، ليُطلق “لاءاته” الحاسمة: “لا سلام بيننا وبين الولايات المتحدة، ولن نعترف بإسرائيل”. وشدد على رفض التراجع عن مطلب وقف الحرب ضد الحلفاء وجبهة المقاومة، محولاً التفاوض إلى مسار لانتزاع السيادة الكاملة.

ثالثاً: لبنان.. مقبرة “الخط الأصفر” واحتراق “المناطق التجريبية”

تتهاوى المخططات الإسرائيلية والأمريكية في لبنان أمام صمود المقاومة ورفض القوى الوطنية اللبنانية للغطاء المسمى بـ”اتفاق الإطار”.
* الفشل الأمني باعتراف العبرية: وجهت القناة 12 العبرية صفعة للسردية الإسرائيلية باعترافها نقلاً عن مصادر أمنية: “لا يزال لدى حزب الله عناصر في مناطق داخل الخط الأصفر مثل بنت جبيل ودير سريان ومجدل زون.. والقضاء عليهم ليس أمراً يمكن تحقيقه في فترة وجيزة”. هذا الاعتراف الصريح يفسر لجوء جيش الاحتلال إلى تكتيك الأرض المحروقة، حيث نفذ عمليات تفجير وتسوية للأحياء في عيترون، حداثا، حولا، وكفرتبنيت.
* وهم “علي الطاهر” وتوغل حداثا: رغم استهداف جيش الاحتلال لـ”علي الطاهر”، فإن هذه التلال ستكون “مكلفة وشرسة لإسرائيل”. وفي حداثا، أعلن جيش الاحتلال محاولة فرض “سيطرة عملياتية” متوغلاً بدبابات ميركافا وجرافات D9، في محاولة يائسة لتأمين موطئ قدم.
* سقوط المظلة السياسية: على الصعيد السياسي الداخلي، نقل موقع “المدن” عن الرئيس نبيه بري أنه يتعامل مع اتفاق الإطار على أنه “غير موجود”. كما شنت شخصيات غربية هجوماً لاذعاً، إذ وصف السفير البريطاني السابق كريغ موراي الرئيس عون بأنه يقود “نظاماً عميلاً يسعى لإبادة الشيعة ويخون المسيحيين”. في هذا السياق، كشفت مصادر عن تعثر شديد في تشكيل “اللجنة الثلاثية” بسبب رفض حزب الله التعاون، مما يكبل تنفيذ أي انسحاب تجريبي.

رابعاً: غطرسة كاتس وتشظي الداخل الإسرائيلي

في ذروة التخبط العسكري، يحاول قادة الكيان الهروب إلى الأمام عبر تصريحات تصعيدية، مما يُعمق أزمة دولتهم.
* استفزازات كاتس: صرح وزير الدفاع يسرائيل كاتس بتبجح: “نحن من قتلنا علي خامنئي لأنه قاد خطة لتدميرنا، وأي قائد إيراني سيفعل ذلك سيتم القضاء عليه”. هذا التصريح المتزامن مع التشييع المليوني ليس استعراضاً للقوة، بل هو تأجيج لدوافع الثأر الإيراني، وورقة إدانة دولية تزيد من عزلة إسرائيل وتثبت مسؤوليتها المباشرة عن جرائم الاغتيال.
* هاجس الحرب الأهلية: يقف الكيان الإسرائيلي على حافة انهيار داخلي وفقاً لاستطلاع “معهد سياسة الشعب اليهودي (JPPI)”؛ حيث يرى 60% من الإسرائيليين خطراً “ملموساً وحقيقياً” لاندلاع حرب أهلية، وأعرب 49% عن تشاؤمهم بشأن المستقبل، بينما توقع 52% وقوع اغتيال سياسي لشخصية كبيرة. هذا التمزق يترافق مع تقييم الجيش الإسرائيلي (وفق موقع والاه) بأن إيران لم تنهَر بل بدأت عملية إعادة الإعمار، ما ينسف أوهام نتنياهو بـ”النصر المطلق”.

الخلاصة والمآلات الاستراتيجية

مع انقضاء اليوم التاسع عشر، يتضح أن واشنطن وتل أبيب فقدتا زمام المبادرة على كافة الجبهات. فالسيادة على مضيق هرمز باتت تُفرض بهندسة عُمانية-إيرانية متقدمة، تجرد التحالف الغربي من ورقة الابتزاز الملاحي، وسط قبول روسي وصيني يضمن الغطاء الدولي.
أما في لبنان، فإن اعتراف الاستخبارات الإسرائيلية باستحالة تطهير “الخط الأصفر” (بنت جبيل، مجدل زون) من عناصر حزب الله، يؤكد فشل فكرة “المناطق التجريبية” من أساسها. الرد اللبناني السياسي (فيتو الرئيس بري) والميداني (كمائن المقاومة) يُفرغ “اتفاق الإطار” من مضمونه، تاركاً إسرائيل عالقة في حرب استنزاف بلا أفق وبلا قوات احتياط كافية.
وأخيراً، أثبتت حشود طهران أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية أنتجت قيادة إيرانية أكثر صلابة ومشروعية للتمسك بخطوطها الحمراء. حماقات كاتس التصريحية وتصاعد خطر الحرب الأهلية الإسرائيلية يؤكدان أن الكيان هو من يواجه تهديد الانهيار الحقيقي، بينما ستُجبر إدارة ترامب في محادثات الناتو على الرضوخ لمعادلات الأمر الواقع في هرمز، لإنقاذ اقتصادها على حساب استراتيجية “النصر المطلق” الإسرائيلية الموؤودة.