أفق نيوز
الخبر بلا حدود

من الدفاع إلى فرض الشروط.. قراءة في انقلاب موازين الردع الاستراتيجي بين اليمن والسعودية

47

أفق نيوز| تقرير| خاص

في تحول استراتيجي يعد الأبرز في مسار الصراع المستمر منذ سنوات، فرضت العاصمة اليمنية صنعاء معادلة عسكرية واقتصادية جديدة قلب الطاولة رأسًا على عقب، محوّلة أدوات الضغط والابتزاز التي مارستها الرياض طوال السنوات الماضية إلى عناصر تهديد مباشر يرتد إلى عمق المملكة العربية السعودية.

هذا التحول الجذري، الذي نقله المشهد من مرحلة “الدفاع وصمد الحصار” إلى مرحلة “الهجوم المضاد وفرض الشروط”، وضع الاقتصاد السعودي ومشاريع “رؤية 2030” في عين العاصفة، معيدًا رسم خارطة النفوذ وقواعد الاشتباك في المنطقة.

 انقلَاب السِّحر على الساحر: أدوات الحصار ترتد

طوال سنوات الحرب، اعتمدت الرياض على ورقة الحصار الاقتصادي، وإغلاق الأجواء، والتحكم بالملفات الحيوية كأوراق ضغط أساسية لابتزاز صنعاء وانتزاع تنازلات سياسية. إلا أن الاستراتيجية اليمنية الجديدة أثبتت فشل هذا الرهان؛ فمعادلة “المطار بالمطار، والبنوك بالبنوك، والموانئ بالموانئ” جردت النظام السعودي من فائض القوة الذي كان يتباهى به.

مراقبون سياسيون: “إن نجاح صنعاء في ربط أمن المنشآت الحيوية السعودية (كأرامكو والمطارات والموانئ) برفع القيود الاقتصادية عن الشعب اليمني، جعل كلفة استمرار الحصار أعلى بكثير مما يمكن للاقتصاد السعودي تحمله في الوقت الراهن”.

 رؤية السعودية 2030 في مرمى “العد التنازلي”

تجد المملكة العربية السعودية نفسها اليوم أمام خيارات معقدة وضيق في هوامش المناورة؛ فالرياض التي تسوق لنفسها كواجهة استثمارية وسياحية عالمية عبر “رؤية 2030″، تدرك تمامًا أن أي حماقة اقتصادية أو عسكرية جديدة تجاه اليمن ستعني تلقائيًا:

  • شلل حركة الطيران العالمي في الأجواء السعودية جراء حسابات المخاطر لدى الشركات الدولية.

  • هروب الرساميل والاستثمارات الأجنبية نتيجة غياب عنصر الأمان الاستراتيجي.

  • تجدد الضربات المسددة نحو عصب الاقتصاد النفطي (أرامكو)، وهو ما يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية برمتها.

 نهاية مرحلة “شراء الوقت” والوساطة العُمانية

تشير المعطيات السياسية الحالية إلى أن صنعاء أغلقت تمامًا نافذة المماطلة السعودية التي استمرت لسنوات تحت لافتة “خفض التصعيد” أو مفاوضات “شراء الوقت”. الرسائل النارية الأخيرة والتحذيرات الصريحة الصادرة من القيادة في صنعاء وضعت حدًا للمراوغة، مؤكدة أن زمن الحروب بالوكالة أو الحصار الصامت قد ولى بلا رجعة.

تضع هذه القواعد الجديدة الجانب السعودي أمام حقيقة واحدة: التفاهم المباشر وتلبية الاستحقاقات الإنسانية والاقتصادية للشعب اليمني (وعلى رأسها إنهاء الحصار وصرف المرتبات من عائدات الثروات السيادية)، أو تحمل التبعات الكارثية لانفجار الموقف عسكرياً.

 خلاصة التحليل الإعلامي

لم تعد صنعاء اليوم في موقع من يطلب التهدئة أو يستجدي رفع الحصار، بل باتت هي من يحدد السقوف الزمنية، ويضع الخطوط الحمراء، ويمتلك المبادرة العسكرية والاقتصادية. إن لجوء الرياض مؤخرًا للبحث عن مخارج دبلوماسية والحديث عن التهدئة ليس صحوة ضمير، بل هو اعتراف صريح وواضح بـمعادلة الردع الاستراتيجي الجديدة التي فرضتها اليمن بالقوة، ومفادها: إذا لم ينعم اليمنيون بالأمن والعيش الكريم، فلن ينعم به الجوار.