أفق نيوز
الخبر بلا حدود

المولد النبوي بين المحبّة والبدعة

54

أفق نيوز| عبدالله علي هاشم الذارحي

كلما اقتربت ذكرى مولد نبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- يخرج علينا من يرفع شعار “بدعة” في وجه هذه المناسبة، وكأن الاحتفاء برسول الله، واستذكار سيرته، وتعظيم مقامه، والصلاة والسلام عليه، جريمةٌ دينية تستوجب إنكار علينا ذلك والمبالغة في الخصومة.

ومن العجب أنهم ابتدعوا أعياد واحتفالات وأماكن للترفيه ما أنزل الله بها من سلطان، ولما نجتمع لذكر الله، والصلاة على محمد وآله، وقراءة سيرته، واستحضار أخلاقه، وتعليم أبنائنا من هو رسولهم، ونحتفل بمولده ونعبر عن محبتنا له بوسائل وفعاليات كثيرة امتثالًا لقول الله تعالى: {قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَلِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ}، [سُورَةُ يُونُسَ: ٥٨]

فَلْيَفْرَحُوا بالنبي الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- فهو الحقيق بأن يفرحوا به؛ لأنه {هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} لأنه يهدي إلى السعادة الدائمة وإلى النجاة من الشقوة الدائمة، فالفرح به والاطمئنان إليه حق وصواب، ليس كالفرح بالدنيا الذي هو اغترار.

ثم إن محبة النبي صلى الله عليه وآله ليست قضية هامشية؛ فالله عز وعلى لسان نبينا محمد صلى الله عليه وآله يقول: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

فمحبة الرسول مرتبطة بالاتباع، والاتباع يحتاج إلى معرفة سيرته وأخلاقه ومواقفه ورسالته، ومن هنا يصبح الحديث عن مولده فرصةً لإعادة الناس إلى شخصيته العظيمة، لا مجرد احتفال شكلي.

بالتالي؛ فإن إحياء مناسبة ذكرى المولد النبوي هي للتذكير بسيرة رسول الله والتعبير عن محبته بالسير على نهجه، والتخلق بأخلاقه العظيمة، والاقتداء به في شجاعته وجهاده، وفي تعبده لله تعالى، ورحمته وتواضعه، وصبره وصفحه، وفي… وفي… إلى ما لا نهاية؛ فليس من الإنصاف اختزال كل ذلك في كلمة “بدعة” دون تفصيل أو تمييز.

وعن احتفالنا بذكرى المولد النبوي الشريف، قال السيد القائد الحكيم: “شعبنا يحيي مناسبة المولد النبوي الشريف كل عام عرفانا للنعمة وشكرا لله وفرحا وابتهاجا وسرورا بفضله وبرحمته”، والأعجب أن بعض من يصفون المولد بأنه “بدعة” لا يتوقفون عند حدود النصيحة العلمية، وإنّما يحوّلون القضية إلى وسيلة للطعن في المسلمين الذين يحتفلون، وكأنهم وحدهم يملكون مفاتيح الجنة والنار.

ثم لنسأل أصحاب شعار “البدعة” سؤالًا: لماذا يضيقون بذكر مولد رسول الله، بينما المسلمون في كل مكان يستثمرون المناسبات للتذكير بالشخصيات والأحداث التاريخية؟

إن القضية في جوهرها ليست شموعًا ولا زينةً ولا مظاهر؛ القضية هي: هل ما زلنا نعرف رسول الله؟ هل نعرف أخلاقه؟ رحمته؟ عدله؟ جهاده؟ صبره؟ علاقته بالأعداء والمنافقين، وموقفه من المستضعفين؟

فالاحتفال بالمولد سيعيد هذه المعاني إلى الواجهة، ويجعل الطفل والشاب يتساءلان: من هو محمد؟ وكيف عاش؟ وماذا أراد من أمته؟؛ فهذه مناسبة ينبغي أن نستثمرها في التوعية والتعليم والاقتداء.

أمّا أن يتحول النقاش إلى معركة عنوانها “بدعة” وغير بدعة، بينما تغيب شخصية الرسول الأعظم من حياة الناس؛ فهنا تكون المشكلة أكبر من مجرد اختلاف بين شعوب الأمة.

ختامًا: مما سبق ويغيره يتبين أننا لا نحتفل بمولد النبي الأكرم لأنه عيدٌ فرضه الله علينا، وإنما نحتفي برسول الله نعمةً ومحبةً وذكرًا وتعريفًا بسيرته، ونرى في هذه المناسبة فرصةً لإحياء الارتباط به صلوات الله عليه وعلى آله.

ومن أراد أن يناقش، فليناقش بالدليل والعلم والأدب، وليترك لغة التخوين والتبديع؛ فمحمد -صلى الله عليه وآله- ليس ملكًا لطائفة ولا مذهب ولا جماعة؛ إنه رسول الله إلى العالمين، ومحبته جامعة للمسلمين، فما أحوجنا اليوم للسير على نهج نبيانا محمد صلى عليه وآله، فهل من مُدكر؟