أفق نيوز
الخبر بلا حدود

القبيلة.. جيش اليمن الاستراتيجي وحكمة الإيمان في الميدان

49

أفق نيوز| محسن علي

لم تكن القبيلة اليمنية عبر التاريخ تجمعًا اجتماعيًا منعزلًا عن قضايا الوطن والأمة، بل كانت قوة حاضرة في لحظات الخطر حين يتعرض لها الأوطان حيث تتحول من إطارها الاجتماعي إلى طاقة وطنية منظمة تحكمها المسؤولية وحكمة الإيمان، وحائط صدٍّ في مواجهة الغزاة، وحاملةً لقيم الكرامة والاستقلال، ومن هذا الامتداد التاريخي الأصيل ، برز حضورها في ثورة 21 سبتمبر، ثم في سنوات العدوان الأمريكي السعودي على اليمن، حين وقفت إلى جانب القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وأسهمت في حماية الجبهة الداخلية وتعزيز الصمود الوطني، وإسنادها لمؤسسات الدولة خلال سنوات الحصار والعدوان وإلى اليوم.

 

تحتل القبيلة مكانة محورية في البناء الاجتماعي والسياسي اليمني، ليس باعتبارها موروثًا تاريخيًا فحسب، بل بوصفها مكوّنًا حاضرًا في حماية المجتمع والدفاع عن قضاياه، وعلى امتداد قرون طويلة، سجلت القبائل اليمنية حضورًا مشرفًا في مقاومة الغزاة، ورفض الهيمنة الخارجية، وصون الأرض والقرار الوطني، مستندة إلى منظومة من القيم التي تجعل الشجاعة والوفاء وحماية المستضعفين مسؤولية جماعية.

 

حكمة الإيمان

وقد ارتبط هذا الدور بالوسام النبوي العظيم الذي خص به رسول الله صلوات الله عليه وآله أهل اليمن وحدهم حين قال «الحكمة يمانية»، وهي الحكمة التي توازن بين القوة والمسؤولية، وبين الحماسة والانضباط، وبين الدفاع عن الوطن والحفاظ على وحدة المجتمع، لذلك لم تكن مواقف القبيلة قائمة على ردود الفعل العابرة، بل على وعي بطبيعة المخاطر، وإدراك لأهمية تماسك الصف الداخلي، وتقديم المصلحة الوطنية على النزاعات والخلافات المحدودة.

 

إسناد مشرف يعزز الصمود

ومع قيام ثورة 21 سبتمبر، ظهر الدور القبلي بوصفه عاملًا مهمًا في حماية التحول السياسي ومنع إعادة إنتاج الوصاية الخارجية، فقد أسهمت قطاعات واسعة من القبائل في تأمين المناطق، ورفض الفوضى، ودعم مؤسسات الدولة الناشئة، والتصدي لمحاولات جر البلاد إلى صراع داخلي يخدم القوى المتربصة باليمن، وبهذا المعنى، لم تكن الثورة حدثًا سياسيًا منفصلًا عن المجتمع، بل حظيت بإسناد اجتماعي وقبلي عزز قدرتها على الصمود.

 

قوة إسناد متعددة المستويات

ومنذ بدء العدوان على اليمن، اتسع نطاق هذا الدور. فمع تعرض المدن والقرى والمنشآت للقصف والحصار، تحولت القبائل إلى قوة إسناد متعددة المستويات؛ فقد رفعت الجاهزية المجتمعية، ورفدت الجبهات بالرجال وفق الأطر المعتمدة، وقدمت الدعم المالي واللوجستي، وأسهمت في توفير الاحتياجات الأساسية للمقاتلين، وساندت القوات المسلحة في حماية المناطق والدفاع عن السيادة.

وشمل الإسناد القبلي تنظيم حملات التعبئة والتحشيد المجتمعي، وتسيير القوافل، وجمع التبرعات، وإيصال المؤن والملابس والاحتياجات الطبية، إلى جانب متابعة أحوال المرابطين والتواصل مع أسرهم، كما أدت القبائل دورًا مهمًا في حماية الطرق والمناطق، وتأمين الجبهة الداخلية، ومنع استغلال الانشغال بالمواجهة العسكرية لإثارة الفوضى أو تفجير النزاعات المحلية.

 

رغم الحصار والظروف الاقتصادية

ولم يقتصر الإسناد القبلي على الجبهات، بل امتد إلى رعاية أسر الشهداء والجرحى، وتقديم المبادرات المجتمعية، والمساهمة في حل النزاعات، ومنع الثارات من استنزاف المجتمع في لحظة وطنية استثنائية،كما حافظت القبائل على قنوات التواصل والتكافل، وساندت النازحين والمتضررين، وأسهمت في إبقاء الحياة العامة ممكنة رغم الحصار والظروف الاقتصادية الصعبة.

 

مساندة غزة

وفي ملف فلسطين، حضرت القبيلة اليمنية في مقدمة المواقف الشعبية المساندة لغزة؛ فنظمت الوقفات واللقاءات، وأعلنت تضامنها مع الشعب الفلسطيني، وجمعت التبرعات، ورفعت الوعي بمظلومية غزة، وشجعت على مقاطعة منتجات العدو الصهيوني المجرم وداعميه، معتبرة أن نصرة فلسطين ليست موقفًا موسميًا، بل التزامًا دينيًا وإنسانيًا وقوميًا. كما باركت المواقف التي تتخذها القيادة والقوات المسلحة اليمنية لإسناد غزة، وأكدت استعدادها لتحمل تبعات هذا الموقف في مواجهة الضغوط والحصار.

 

تكامل إيماني ودور وقائي

وفي مواجهة محاولات اختراق الجبهة الداخلية، اضطلعت القبيلة بدور وقائي مهم، من خلال الدعوة إلى وحدة الصف، ورفض التحريض، ومعالجة الخلافات بالحكمة، والتعاون مع الأجهزة الأمنية في حماية المجتمع،وقد أثبت هذا التكامل أن الأمن الوطني لا تصنعه المؤسسات وحدها، بل يحتاج إلى وعي اجتماعي يساندها ويحمي منجزاتها، مع بقاء المسؤولية التنفيذية ضمن الأطر الرسمية والقانونية.

وتتجلى أهمية القبيلة اليوم في قدرتها على الجمع بين أصالة الدور التاريخي ومتطلبات الدولة الحديثة، فالإسناد الحقيقي لا يعني تجاوز المؤسسات أو الحلول محلها، بل دعمها، واحترام اختصاصاتها، وتوجيه الطاقات القبلية نحو حماية السلم الأهلي، ومواجهة الفساد والفوضى، وخدمة الناس، وترسيخ ثقافة التصالح والتعاون.

 

ختاما

إن القبيلة اليمنية، بما تختزنه من تاريخ وتجربة وقيم، ليست مجرد شاهد على معارك الماضي، بل شريك حاضر في حماية اليمن وصون قراره، ومن مقارعة الغزاة إلى إسناد ثورة 21 سبتمبر، ومن مواجهة العدوان والحصار إلى دعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، واصلت القبائل تقديم نموذج للقوة المنضبطة بحكمة الإيمان، ما جعلها سندًا للدولة وحارسًا للسلم الأهلي والاستقلال الوطني.