أفق نيوز
آفاق الخبر

الربيع العربي والأدوار العلنية لدول الخليج.. ماذا نفهم من مؤشرات السلام عام 2022م

87

أفق نيوز../

 

نشرت قناة الحُرَّة الأمريكية على موقعها بالفيسبوك في الأسبوع الأول من شهر يونيو 2022م، تقريرها المُزلزل التي تضمنت فيه مقارنات بين مؤشرات السلام في عددٍ من بلدان مجلس التعاون الخليجي مثل: (قطر، الإمارات العربية المتحدة والسعودية)، مُقارنةً بعددٍ من البلدان العربية وهي (العراق، سوريا واليمن)، تلك البلدان التي طبقت عليها (الوصفة أو الروشتة الأمريكية) في المعالجة السياسية الاجتماعية، وطبقت عليها ما سُمِّي آنذاك بوصفة (الربيع العربي) بمقدماتها ونتائجها التي حاقت بعالمنا العربي برُمّته.

 

كان الرأي العام العربي منقسماً وهو يتابع هذه الظاهرة الجديدة عليه، أي ظاهرة هبوب رياح الربيع، فكان جزءاً منه مُنبهراً مُتماهياً بل وفاعلاً مع ظاهرة (الربيع العربي)، مع ما يحمله المُسمَّى من قدومٍ لفصل الربيع السنوي الذي تتبرعم فيه بواكير براعم إعصار الأشجار مع مقدم الفصل، وتبدأ معه بدايات بزوغ مشاهد رؤوس الأزهار الربيعية في الظهور ونشر أريجها الفوّاح في أرجاء المكان، لأن فصل الربيع الجميل مُقدم على العالم ويحمل معه كل تلك التباشير الزاهية الزكية من الألوان والروائح الزكية العطرة، هذا الفريق من الرأي العام العربي قد صدَّق بهرجة الإعلام (العربي) الموالي للغرب (الاستعماري)، استقبلوا حدث (الربيع العربي) والمصاحب له بصخبٍ إعلاميٍ درامي هائل، استقبلوه بشيءٍ من الأمل والتفاؤل نحو مستقبلٍ أفضل يتوقون إليه بشغفٍ ليعيشوه ويتعايشوا مع مُنجزاته في قادم الأيام.

 

وفريق عربي ثانٍ، كان مُشكِّكاً في المشهد وبنسبةٍ عالية منذ اللحظة الأولى، لأنه فريق يتكئ في تشكُكه على إرثٍ وتراثٍ ملغوم وطويلٍ من مُخلَّفات المرحلة الاستعمارية الغربية (الخبيثة)، ألم يشرع الغرب الاستعماري مسرحية سايكس-بيكو لتقسيم أرضنا العربية؟!، ويصنعوا لنا (وعد بلفور) المشؤوم كأسوأ مؤامرةٍ عالميةٍ على أمتنا العربية والإسلامية، وهي مؤامرة بيع فلسطين على الكيان الصهيوني اليهودي، ألم نرِث فكرة التجربة الاستعمارية الخبيثة التي حولت إفريقيا إلى حديقة واسعة لتطبيق التجربة لمرحلة تحويل أحرار إفريقيا إلى عبيد يُباعوا ويُشتروا!، وللمساعدة في نهب الثروات ولإبقائهم فقراء مُعدمين لقرونٍ قادمة!، ألم نتعلم من فكرة حصار الثورة الإيرانية المستمرة منذ عام 1979م، مُنذ ثورة القائد / آية الله الخميني وتأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ألم نتعلم من توريط العراق الشقيق في حروبٍ إقليمية وبينية وبالتالي مهّدوا للأمريكان إلى تدمير واحتلال العراق في العام 2003م!، وبسقوط بغداد وخسارة الشعب العراقي الشقيق الملايين من شعبه العظيم وتدمير والقضاء على تجربته العلمية، كل تلك المآسي والويلات تركت في وعي الإنسان العربي المسلم ندوباً عميقة في نفسياته ووعيه ووجدانه، وحتى في بصيرته لاستبصار حاضره ومستقبله، فكيف به يشاهد مسرحية جديدة قادمة من عواصم الاستعمار، قادمة من لندن، باريس، روما، برلين، بروكسل، امستردام وواشنطن، كل تلك العواصم الاستعمارية التي هلَّلت بالأمس لاحتلال شعوب قارات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، هي ذاتها تُهلل لقدوم (الربيع العربي)، هذا الفريق من الرأي العام العربي مُتَّهم بأنه لازال يفكر بلغةٍ خشبية من العصور الغابرة، ولم يتحرر بعد من عُقدة ما قرأه من التاريخ الاستعماري، وأن هذا الفريق لم يفهم بعد استيعاب معادلات التكنولوجيا الجديدة، ولم يستوعب ثورة المعلومات الهائلة، وأنه لازال متقوقعاً في زاويةٍ مُهملة من أركان التاريخ، وأن ذهنيته لم تتشبع بعد بعصر الابتكارات والإنجازات الهائلة للعلوم والمعرفة ….. إلخ.

 

وبالعودة إلى التباين الحاد في فهم معطيات الأحداث والوقائع ووقائع (الربيع العربي) من كِلا الفريقين سالفا الذكر، سنحاول هنا استدراك مجموعة من المعطيات والمعلومات والبيانات التي أصبحت متاحةً للرأي العام العربي والعالمي ولم تعد تلك المعلومات محصورةً في دوائر خاصة أو مدفونة في أضابير دوائر المخابرات العالمية.

 

أولاً:

تحدث الشيخ/ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس وزراء دولة قطر ووزير خارجيتها المخضرم السابق لقناة الجزيرة وللإعلامي أحمد منصور، بما يلي:

 

إن فكرة (الربيع العربي) هي فكرة متفق عليها بين كل من حكومات الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية تركيا ودولة قطر والمملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية، وشكلوا لذلك غرفة عمليات تُدير معركة اسقاط النظام العربي السوري بقيادة الرئيس/ بشار الأسد، وقد ساهمت دولة قطر مالياً باعتبارها حاملة ملف (الربيع العربي) كله ومنها ملف اسقاط النظام الوطني العروبي السوري، ساهموا بدفع ما يزيد عن 130 مليار دولار، ولأن الحكام في السعودية لم يكونوا مقتنعين بأداء القادة القطريين، فقد عيّنوا الأمير/ بندر بن سلطان ليتولّى منصب الاستخبارات في السعودية وبالتالي تحويل ملف سوريا من قطر إلى السعودية، مع طلب زيادة مبالغ الموازنة إلى مبلغ ألفين مليار دولار، أي اثنين ترليون دولار.

 

هذه الحالة السياسية التي أسهب الشيخ/ حمد بن جاسم في عرضها حول الجمهورية العربية السورية، أراد أن يسردها للرأي العام ليُبرئ بلده إمارة قطر وسياساتها ودورها في مؤامرة اسقاط النظام السوري، وأن القطريين كانوا جزءاً من هذه اللعبة وليس هم الوحيدون وبمفردهم اللاعبون في مسرحية (الربيع العربي)، وأن اشتراك الشركاء العرب والمسلمون كان بقيادةٍ أمريكية-صهيونية، (والشيخ/ حمد كمن أراد أن يكحلها لكنها أعماها)، لأن حجم المأساة الإنسانية التي تعرَّض لها شعبنا العربي السوري كانت أكبر بكثير مما تعرضت له بقيّة شعوبنا العربية التي خضعت لتجربة مؤامرة (الربيع العربي).

 

ثانياً:

أظهرت العديد من مراكز الدراسات الأوروبية والأمريكية بعملية التحضير لما سُمي (بالربيع العربي) المراد تنفيذه في عالمنا العربي، وخُصصت الأموال والدورات والدراسات لتحديد الرأي العام العربي للاصطفاف وراء فكرة التغيير للنُظم السياسية، عبر أسلوب التنظيم والتوجيه الإعلامي والتهييج الاستخباراتي الدعائي ضدَّ النُظم السياسية بعينها، والتي كان لها موقفاً مُعادٍ للكيان الصهيوني الإسرائيلي وهي:- ( تونس، ليبيا، مصر وسوريا وقبلها العراق واليمن).

 

ثالثاً:

وظفت الدوائر الاستخباراتية الاستعمارية الغربية طاقاتها للبحث عن أداةٍ حزبية جماهيرية لتقود الناس في حركة تمرُّدٍ مُعلنة في شوارع المدن العربية، ووجدت ضالتها في حركة الإسلام السياسي، وهم جماعة الإخوان المسلمين وفروعها في الوطن العربي.

 

رابعاً:

المال العربي الخليجي السائب (ويُقدّر بالتريليونات) تم توظيفه من قِبل الدوائر الغربية في تحريك الاقتصاد والصناعات العسكرية في المصانع الأمريكية وأوروبا الغربية، واستطاعت خزائن الغرب الرأسمالي أن تستنزف سيل الأموال من اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي، ومن تصريحات أُمرائهم وملوكهم تؤخذ المعلومات، ولهذا طالما وهذا المال بيد طُغمة مالية احتكارية أن – لن يرى عالمنا العربي خيراً مهما حلمنا أو تخيلنا مجرد التخيُل بأن هؤلاء قد يتغيروا لصالح أمتهم وشعوبهم العربية!!!.

 

خامساً:

تحدثت وسائل الإعلام الأمريكية والغربية بأن الدوائر الاستخباراتية الأمريكية ومعها بريطانيا وكندا هي من صنعت هذه الآفة على الإسلام والعرب تحديداً، والعجيب أنّ هذه التقارير الاستخبارية تقول بأنّ دولة قطر هي التي قدّمت الدعم المالي واللوجستي لِما يُسمى بمشروع (داعش)، كما ساهمت دولاً خليجية في صناعة (تنظيم القاعدة) بشراكة وثيقة بين الاستخبارات الأمريكية والمال السعودي، أليس المال الخليجي العربي شكَّل وسيُشكِّل كارثة على أيّ مشروعٍ نهضويٍ ثقافي فكري حقيقي عروبي في قادم الأيام؟!.

 

سادساً:

الدول الخليجية التي موَّلت وصرفت على مشروع (الربيع العربي) أغلقت حدودها بإحكامٍ في وجه اللاجئين والنازحين من البلدان التي نفذوا فيها مشروعهم (الثوري) أي (الربيع العربي)، وتركوا المواطن العراقي والسوري  والفلسطيني لقمةً سائغةً لأسماك القرش في البحر الأبيض المتوسط، كم شاهد العالم غرق وموت الأطفال والنساء والرجال في أكثر بحار العالم تموجات وهيجاناً، كم شاهد العالم موت اللاجئين في غابات أوروبا وإفريقيا وآسيا، إنها أكبر هجرة ومأساة إنسانية من صنع المُموِّل العربي الخليجي.

 

كيف لعاقل في هذا العالم أن يسامح لمجرد السماح لهؤلاء (الملوك والأمراء والمشائخ) الذين صنعوا بإرادتهم أو تنفيذاً لرغبات أسيادهم في الغرب الاستعماري هذه الكارثة الإنسانية، كيف لهذا المال العربي النجس أن يصنع ملايين المآسي لملايين العرب؟!.

 

والغريب أنهم لازالوا يمارسوا الفاحشة السياسية حتى لحظة كتابة مقالنا هذا وكأن لا ضمير ولا أخلاق ولا دين لهم، وكأنهم مجرد (كراتين) توضع بها ملايين الريالات والدراهم لتتحول تلك الأموال إلى مهلكة مُدمرة تُهلك أمتنا العربية من المحيط إلى الخليج.

 

سابعاً:

تشن السعودية ومشيخة الإمارات المتحدة حرباً عُدوانية قاتلة على الشعب اليمني مُنذ تاريخ 26 مارس 2015م وحتى كتابة مقالنا هذا، حرباً عُدوانيةً وحشيةً دونما رحمة أو خوف من الله وعباده، وتجدهم يتبجحون بكبرياء بأن الحرب هي بين اليمنيين، إنّهم -أي الدولتين- أدواتاً رخيصة وتافهة لتنفيذ المشروع الصهيوني-الأمريكي الغربي الاستعماري، ومن يقول خِلاف ذلك عليه الرد، فالحُجَّة مقابل الحُجَّة والحكم بيننا الأفعال والضمائر الحية وشهادة الله سبحانه وتعالى.

 

الخلاصة:

 

يحسب القادة القطريين بأنهم يمتلكون جُرأة المواجهة مع الغير، وأحياناً لا يحسبون عواقبها السياسية، وجزاهم الله خيراً أنهم ساعدوا في فتح ملف مسرحية ربيع الشعب السوري ليعرف المواطن العربي كم كانت المسرحية مُكلفة وعالية الثمن من دماء ودموع وأرواح وإمكانات، ويتبقى أن تُفتح باقي الملفات العربية لربيع الشعب المصري، التونسي، الليبي واليمني، لكي تتعلم الأجيال من أخطاء وجرائم قادة الدول العربية المرتبطين بالمشروع الصهيوني-الأمريكي والغربي الأوروبي الاستعماري عموماً.

 

*أ.د عبدالعزيز صالح بن حبتور – رئيس حكومة الإنقاذ الوطني