أفق نيوز
الخبر بلا حدود

قراءة في كتاب “التربية في فكر الشهيد القائد” رضوان الله عليه

67

أفق نيوز| محسن علي|

تتصف مسيرة الشهيد القائد المؤسس السيد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه” بأنها حركة إحيائية غيرت الواقع, والفرد والمجتمع, وقدمت نموذجا ملهماً في التغير والتغيير, واستطاعت تكوين مجتمع وأمة موحدة باتجاه واحد, وهذا يعود لعدد من العوامل, ولعل أهمها عامل التربية والتعليم, وإذا كان عدد مدرسي مدارس التربية والتعليم وصل إلى مئات الآلاف, وبلغ عدد أستاذة الجامعات اليمنية ما يقارب عشرة آلاف أستاذ, فأين هي مخرجات التربية والتعليم الأساسي والجامعي في مضمار حركة التغير والتغيير؟ بينما استطاع شخص واحد مثل الشهيد القائد أن يحدث كل هذا التغيير في مدة زمنية قصيرة جدا, وجعل من الوعي سلاحا أمضى من الصواريخ.

 

قضية أساسية في التربية
يُعد كتاب “التربية في فكر الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي” مرجعاً تأسيسياً لفهم الفلسفة التي قام عليها المشروع القرآني في اليمن,وفي خضم التحولات الفكرية والسياسية التي تعصف بالمنطقة، برز هذا الكتاب كمصدر أساسي لفهم الأبعاد التربوية التي شكّلت نواة “حركة أنصار الله”, أعده الدكتور حمود عبد الله الأهنومي، كورقة بحث شارك بها الباحث في ندوة كانت بعنوان ( في رحاب الشهيد القائد) في العام 1437هـ , ومن ثم أدخل عليه الإضافات, ويصدر عن المجلس الزيدي الإسلامي , حيث تتخذ التربية في فكر “شهيد القرآن” شكلا فلسفيا متجذرا, كون الإنسان هو هدف هذه العملية وهو أيضا محط عناية الله أولا, والله هو الخالق والمربي لعباده, وقد تناول الشهيد القائد هذه القضية من منطلق حاجة الأمة التي شعر بها في هذا المجال إلى الثقافة الدينية الإسلامية, بعد أن شخص افتقارها إلى قضية أساسية في التربية وهي قضية الارتباط بالقرآن الكريم, واستطاع الشهيد القائد بهذه النظرة الثاقبة أن يؤسس لمشروع تغييري جذري، مُعيدًا تعريف مفاهيم التربية والتعليم من منظور قرآني خالص.

 

الشهيد القائد تربويا
الكتاب الذي احتوى على 91 صفحة وشمل 25 عنوانا عريضا واختتم بنتائج وتوصيات, قدم رؤية شاملة ومتكاملة للفكر التربوي عند السيد حسين بدر الدين الحوثي، مؤسس حركة أنصار الله, بداء من مفاهيم التربية وشخصية الشهيد القائد تربويا, ومصادر التربية الإيمانية والجهادية’ متطرقا إلى عدة دروس تربوية من القرآن الكريم, ومستدلا بحركة الأنبياء والمرسلين ولا سيما خاتمهم رسولنا محمد صلوات الله عليه وآله, هذا الاستعراض يغوص في أعماق هذا الفكر، ليكشف عن السر الذي جعل من الوعي سلاحاً أمضى من الصواريخ.

 

مركزية القرآن الكريم
المحور الأساسي الذي يدور حوله الكتاب هو مركزية القرآن الكريم والعودة إليه كمصدر وحيد ومنهج شامل للتربية’ حيث يرى الشهيد القائد “رضوان الله عليه” أن ابتعاد الأمة عن القرآن هو سبب ضعفها وتشتتها، وأن أي عملية تربوية لا تنطلق منه مصيرها الفشل, كما يربط الكتاب بشكل وثيق بين الإيمان والجهاد، معتبرًا أن التربية الحقيقية هي التي تبني نفسًا مؤمنة، عزيزة، ومستعدة للتضحية كأساس ثابت في الإسلام لمواجهة التحديات.

 

التربية.. من التلقين إلى صناعة الإيمان المتحرك
يُقدم الشهيد القائد تعريفاً للتربية يتجاوز حدود المناهج الدراسية، حيث يصفها بأنها “تنشئة نفسية وأخلاقية” هدفها الوصول بالفرد والمجتمع إلى “كمال الإيمان” الفاعل والمثمر في جميع مجالات الحياة, ويكمن جوهر الفكر التربوي للشهيد القائد في ربط العملية التربوية بـ “قضية الارتباط بالقرآن الكريم”, فالقرآن في رؤيته ليس مجرد نص يُتلى، بل هو “قيادة ووعي ومسؤولية”, هذا الربط أعاد للتربية وظيفتها الأصلية: تحويل المعرفة إلى موقف، وتحويل الإيمان إلى فعل ومبادرة.

 

مفهوم “الربوبية” كمحور للتربية
من أبرز ما يميز هذا الفكر هو ربطه العميق بين مفهوم “الربوبية” (التي تعني التعهد بالتربية والرعاية) و “التربية”. يرى الشهيد القائد أن الله هو “المربي” الأساسي، وأن التربية الحقيقية هي تلك التي تُنشئ الإنسان على أساس هدى الله وشرائعه, فـ “الربوبية هي من التربية… والله هو الذي يربينا، وهو الذي يقوم بتدبير شؤوننا، وهو القيوم على كل أمورنا باستمرار, ” هذا المفهوم يرسخ في وعي الفرد أن السيادة المطلقة لله وحده، مما يجعله يرفض أي وصاية أو تبعية لأي قوة أخرى، وهو ما يفسر سر “استقلالية القرار” اليمني التي أذهلت العالم.

 

بناء الإنسان “الرباني” لمواجهة التحديات الكبرى
لم يكن هدف التربية في هذا الفكر هو بناء مواطن صالح فحسب، بل بناء “الإنسان الرباني” الذي يتصف بصفات القوة والعزة والكرامة والشجاعة والتضحية. هذا الإنسان هو القادر على مواجهة “الحرب الناعمة” حيث يرى الشهيد القائد أن هذه الحرب أخطر من القنابل، وأن سلاح مواجهتها هو “الوعي والإيمان” الذي يُحصّن العقول من الاختراق الثقافي والإعلامي.
يجدد التأكيد على أن محور عملية البناء والتربية هو “الإنسان”, والهدف هنا ليس فقط نقل المعرفة، بل تزكية النفوس، تقويم السلوك، وبناء شخصية متكاملة وواعية قادرة على فهم واقعها والتفاعل معه, كما وجه المعد نقدًا لاذعًا للمناهج التعليمية والتربوية السائدة في العالم الإسلامي، معتبرًا إياها قد أُفرغت من مضمونها الحقيقي وتأثيرها، وأنها خضعت لتأثيرات خارجية تهدف إلى إضعاف الأمة وفصلها عن دينها, في الوقت نفسه أبرز دور “أهل البيت” كمصدر أساسي للتربية والهداية إلى جانب القرآن، معتبراً أنهم الضمانة للوصول إلى كمال الإيمان وتربية الأمة تربية صحيحة.

 

التربية والواقع.. من التهميش إلى صناعة الموقف
يُقدم الكتاب شواهد عملية على تطبيق هذا الفكر، بدءاً من اهتمام الشهيد القائد بمحاربة ظاهرة الغش في التعليم، وتشجيعه على تعليم المرأة وتأهيلها لتأدية دورها في بناء الحياة على أساس هدى الله، وصولاً إلى تحويل المجتمع من حالة التهميش والتبعية إلى “موقع صانع الموقف”.

 

نماذج إيجابية وخاطئة للتربية
في سياق الكتاب أوردت عناوينه العريضة عدة نماذج تعليمية عملية لبناء الفرد والمجتمع على أسس إيمانية متينة, ووسائل التربية وطرقها, كما أشار إلى صور من التربية الخاطئة في واقع مجتمعنا اليمني, وكيف يجب أن نؤسس لتربية سليمة تقود إلى أمة ناهضة, ولعل من أهم ما تضمنه الكتاب مخاطر الوهابية على التربية, ولماذا سعى اليهود وأمريكا في السيطرة على المناهج الدراسية؟.

 

خلاصة القول:
إن كتاب “التربية في فكر الشهيد القائد” هو دعوة لإعادة اكتشاف الذات والهوية، وتأكيد على أن القوة الحقيقية للأمة تكمن في وعيها وارتباطها بمصدر قوتها الإلهية, مشروع حياة يفسر كيف تحول الألم والمعاناة في اليمن إلى صلابة وتصميم على الانتصار’ كما يبرز هذا الكتاب كـ “قنبلة وعي” موقوتة في وجه المشروع التغريبي الشامل , ويقدم خارطة طريق فكرية ومنهج تربوي متكامل يكشف عن الجذور العميقة للتحول الجذري الذي شهدته الساحة اليمنية, ومفتاح لفهم كيف تحول شعب محاصر ومستهدف إلى قوة إقليمية ودولية ذات قرار مستقل, ويجيب على تساؤلات جوهرية حول سرعة تأثيرها وقدرتها على التغيير.
لتحميل الكتاب يرجى الضغط على الملف أدناه

يمانيون