أفق نيوز
الخبر بلا حدود

المنهج القرآني لبناء المؤمن الواعي في زمن التضليل

65

أفق نيوز| أعده للنشر| طارق الحمامي

في منهج المسيرة القرآنية ، الإيمان الواعي هو الذي يملك صاحبه فهماً عميقاً وقدرةً على الفهم والتمييز واتخاذ الموقف الصحيح، من هذا المنطلق يقدّم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه درساً دلالياً هاماً يضع المؤمن أمام مسؤوليته الحقيقية تجاه ما يجري من حوله، مؤكداً أن كل حدث مهما بدا بسيطاً، يحمل في طياته درساً وعبرة، وأن من لا يتعلم من الوقائع سيبقى عرضة للانحراف والاهتزاز، هذا التقرير يتناول بالتحليل أبعاد هذا الدرس العميق، ويكشف دلالاته الفكرية والتربوية في بناء الإيمان الواعي، القائم على تدبر السنن الإلهية، واستيعاب التجارب، ومواجهة سيل الباطل الإعلامي والدعائي ببصيرة قرآنية وعقل متأمل، يجعل من المؤمن إنساناً ثابتاً، مدركاً، وقادراً على السير في طريق الحق رغم كثافة التحديات.

الإيمان ليس حالة جامدة بل وعي متجدد
ينطلق الشهيد القائد في درس ’’ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى’’ من تعريف عميق للإيمان، لا يختزله في الطقوس أو المشاعر العابرة، بل يقدّمه كحالة وعي متحركة، تنمو وتتجدد من خلال التأمل في الأحداث واستخلاص العِبر منها، فالمؤمن هو ذلك الإنسان الذي يأخذ العبر من كل حدث يسمع عنه أو يشاهده، سواء كان هذا الحدث كبيراً على مستوى الأمة، أو بسيطاً داخل السوق أو البيت، هذه النظرة تجعل من الحياة كلها مدرسة مفتوحة، ومن الوقائع اليومية مادة للتفكير والتدبر، لا مجرد مشاهد عابرة،  وبهذا، يتحول الإيمان من مفهوم نظري إلى قوة داخلية تبني الإنسان وتحميه.

 

السنن الإلهية .. مفاتيح الفهم والنجاة
يركز الشهيد القائد على فكرة محورية، وهي أن ما يجري في هذه الحياة يخضع لسنن ثابتة، وراء كل عمل نتيجة، ووراء كل سلوك عاقبة، وهذه الفكرة لها ارتباط بعمق مع ما ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: ((العاقل من تدبر العواقب))، فالتدبر في العواقب لا يأتي من فراغ، بل من تراكم التجارب، ومن القدرة على الربط بين الأسباب والنتائج، وهنا يستحضر الشهيد القائد مقولة أخرى للإمام علي عليه السلام: ((العقل حفظ التجارب))، ليؤكد أن المؤمن هو الذي لا يكرر الأخطاء، ولا ينخدع بالمظاهر، لأنه تعلّم من الأحداث، سواء كانت تجاربه الشخصية أو تجارب الآخرين.

القرآن الكريم .. مصدر الوعي والبصيرة
لا يفصل الشهيد القائد بين تدبر القرآن الكريم والتأمل في أحداث الواقع، بل يقدمهما في إطار تكاملي، فالقرآن يرسم القواعد، ويكشف السنن، ويعطي الميزان، والواقع يقدّم الشواهد والتطبيقات الحية لتلك السنن، ومن خلال هذا التفاعل بين النص الإلهي والحدث الواقعي، تتشكل لدى الإنسان بصيرة تجعله قادراً على الفهم الصحيح، وعلى اتخاذ الموقف السليم، وعلى العمل وفق رؤية واضحة، لا وفق ردود فعل آنية أو انفعالات عاطفية.

 

 صدق المنهج في زمن التضليل
وتأتي الأحداث المعاصرة لتؤكد صدق هذا المنهج، فوسائل الإعلام اليوم تمارس دورًا واسعًا في صناعة وعي زائف، عبر تزييف الحقائق وتلميع الباطل بزخارف القول، وقد أثبت الواقع أن من يستهلك الرسائل الإعلامية دون وعي وتمحيص، يكون أكثر عرضة للانقسام والارتباك، تمامًا كما حذّر الشهيد القائد، كما تكشف الوقائع سقوط الكثير من الرهانات على وعود كاذبة ومشاريع براقة، انتهت إلى خيبات قاسية، وما يجنيه المرتزقة في الجنوب من الشواهد التي لا لبس فيها ، لتؤكد أن من لا يتدبر العواقب ولا يتعلم من تجارب غيره، سيقع في الفخ ذاته مرارًا، وفي المقابل، يظهر بوضوح أن الأفراد والمجتمعات التي بنت وعيها على أساس قرآني وتجربة متراكمة، كانت أكثر ثباتًا أمام المتغيرات، وأقل تأثرًا بحملات التخويف أو الإغراء، بينما اهتزت مواقف أولئك الذين تحركوا بلا بوصلة فكرية واضحة.

الوعي .. خط الدفاع الأول 
في ظل هذا الخلل في ميزان القوة الإعلامية والثقافية، يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول، فالمؤمن الواعي لا يقيس الحق بالكثرة، ولا ينجرف مع السائد، بل يحتكم إلى  القرآن الكريم ، وبإعمال العقل بالتدبر والرجوع إلى السنن الإلهية.
إنه يدرك أن كثافة الباطل الإعلامية لا تعني صحته، وأن ضعف حضور الحق لا يعني بطلانه، ومن هنا، فإن الإيمان الواعي يمنح صاحبه الثبات، ويجنبه الارتباك، ويحميه من السقوط في فخاخ التضليل.

ختاماً 

يشخّص الشهيد القائد واقعًا لا يزال قائمًا، الباطل يمتلك أدوات ضخمة وإمكانيات واسعة ومنابر مؤثرة، فيما يعاني دعاة الحق من قلة العدد وضيق الإمكانات، ومع ذلك، يثبت الواقع أن الحق حين يُحمل بوعي وبصيرة، يمتلك قدرة على الصمود والتأثير، لأنه منسجم مع السنن الإلهية، لا مع ميزان القوة المادية وحدها، فالمؤمن الحقيقي هو الذي يزداد إيماناً كلما فهم أكثر، ويزداد وعياً كلما تدبر أعمق، ويزداد ثباتاً كلما قرأ الأحداث بعين البصيرة، لا بعين الغفلة.

يمانيون