أفق نيوز
الخبر بلا حدود

الغارات السعوديّة على المحافظات الشرقية.. عدوانٌ على كُـلّ اليمن

58

أفق نيوز| شاهر أحمد عمير|

ما يتعرض له اليمن، وبصورة خَاصَّة محافظاته الشرقية، من غارات سعوديّة لا يمكن فهمه أَو تبريره خارج سياقه الحقيقي بوصفه عدوانًا خارجيًّا صريحًا على دولة ذات سيادة، عدوانًا لا يستهدف منطقة بعينها ولا فصيلًا محدّدا، بل يطال اليمن بأكمله شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، أرضًا وإنسانًا ومستقبلًا.

فالقنابل التي تسقُطُ على حضرموت أَو المهرة أَو عدن أَو أبين أَو لحج لا تنفصلُ سياسيًّا ولا وطنيًّا عن تلك التي سقطت على صنعاء أَو صعدة أَو الحديدة أَو الجوف؛ لأن السيادة واحدة لا تتجزأ، ولأن الوطن لا يُقاس بحدود الجغرافيا الضيقة ولا يُختزل بالخلافات المرحلية بين أبنائه.

إن أخطر ما تشهده هذه المرحلة ليس فقط استمرار الغارات والاعتداءات، بل محاولة تبريرها أَو التخفيف من وقعها عبر ذرائع الخلافات الداخلية، وكأن الخصومة السياسية بين أطراف يمنية تحوّلت إلى مبرّر أخلاقي وسياسي للتصفيق للطيران الأجنبي وهو ينتهك سماء البلاد ويدمّـر بنيتها التحتية ويزهق أرواح أبنائها.

هذا المنطق لا يعكس خلافًا سياسيًّا مشروعًا، بل يكشف انزلاقًا خطيرًا ينقل الصراع من كونه شأنًا يمنيًّا داخليًّا قابلًا للحل بالحوار والتفاهم، إلى تفويض مفتوح لقوى خارجية كي تتحكم بمصير اليمن تحت أي ذريعة وبأي عنوان.

السيادة الوطنية ليست شعارًا يُرفع عند الرضا ويُسقط عند الغضب، وليست ورقة تفاوض بيد هذا الطرف أَو ذاك.

السيادة مفهوم جامع لا يقبل القسمة، إما أن تُحترم كاملة أَو تُنتهك كاملة، ومن يقبل بتجزئتها اليوم بحجّـة الخلاف السياسي أَو المناطقي، سيجد نفسه غدًا بلا سيادة، وبلا قرار، وبلا وطن.

فالتجارِبُ التاريخية، القريبة والبعيدة، تؤكّـدُ أن القوى الخارجية لا تتدخَّلُ في شؤون الدول نصرةً لطرف أَو دفاعًا عن مبدأ، بل بحثًا عن نفوذٍ ومصالحَ، وما إن تترسَّخَ أقدامُها حتى يتحوَّلَ الجميع، دون استثناء، إلى أدوات أَو ضحايا.

إن القبول أَو الصمت أَو التبرير للغارات السعوديّة على المحافظات الشرقية يضع أصحابه، شاءوا أم أبوا، في موقع الشريك السياسي والأخلاقي في هذا العدوان، مهما اختلفت الحسابات أَو تنوعت المبرّرات.

فالعدوان لا يُجزَّأ، والدم اليمني لا يُصنَّف، والخراب الذي يبدأ في منطقة لن يتوقف عند حدودها، بل سيمتد ليطال الجميع.

ومن يراهن على الخارج لضرب خصمه الداخلي، إنما يفتح الباب واسعًا لضربه هو ذاته في اللحظة التي تنتفي فيها الحاجة إليه.

وفي خضم هذا المشهد المعقّد، يبقى الميزانُ الأخلاقي والوطني واضحًا لا لَبْسَ فيه، وقد وضع القرآن الكريم قاعدة جامعة لا تحتمل التوظيف السياسي أَو الانتقائي: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

فالعدل هنا ليس مُجَـرّد قيمة دينية مُجَـرّدة، بل أَسَاس للاستقرار الوطني، ومعيار للحكم على المواقف، وبوصلة تميّز بين الخلاف المشروع وبين الارتهان المرفوض.

أن تختلف مع خصمك الداخلي فهذا حق، وأن تنازعه سياسيًّا فهذا شأنُك، أما أن تفرحَ لقصف بلده أَو تبرّرَ انتهاكَ سيادته فذلك سقوط وطني لا يمكن تغطيته بأي خطاب أَو شعارات.

إن اليمن، بكل جراحه وتعقيداته وتراكم أزماته، لا يحتاجُ إلى مزيد من الطائرات الأجنبية ولا إلى المزيد من القنابل، بل يحتاج إلى وعي وطني يعيد ترتيب الأولويات، ويضع السيادة فوق الخلاف، والوطن فوق الجماعة، والعدل فوق الأحقاد.

فالغارات السعوديّة على المحافظات الشرقية ليست قضية مناطقية، بل قضية يمنية بامتيَاز، والسكوت عنها أَو تبريرها هو سكوت عن انتهاك الجمهورية اليمنية نفسها.

ومن هنا لا يمكنُ تجاهُلُ الدور التخريبي الذي مارسته السعوديّة والإمارات، ومعهما أمريكا، بوصفهم رأسَ الشر وأَسَاسَ الفتنة والبغضاء التي زُرعت بين أبناء الشعب اليمني.

فقد كانت هذه القوى هي من قاد اليمن من مسارِ الحوار الوطني الشامل إلى مربع السلاح، وحوّلت لُغةَ السياسة إلى لُغةِ المدافع، واستبدلت طاولةَ التفاهُمِ بأصوات البنادق، في إطار مشروعٍ لا يستهدفُ إنهاءَ الخلاف، بل تعميقه وإدارته بما يخدُمُ مصالحَها ونفوذَها على حساب وَحدة اليمن وسيادته واستقراره.

إن من يريد حقًّا مستقبلًا آمنًا لهذا البلد، عليه أن يبدأ من موقف واضح لا لَبْسَ فيه: لا للعدوان بأي شكله أَو موقعه، ولا للتدخل الخارجي تحت أية ذريعة، ونعم للعدل؛ لأن العدل وحدَه هو الأقربُ للتقوى، وهو الطريق الوحيد لبناء وطن لا يُستباح ولا يُمزّق ولا يُدار من خارج حدوده.