القرآن الكريم من كتاب يُتلى إلى مشروع يغيّر العالم
أفق نيوز| أعده للنشر| طارق الحمامي
في مرحلة من أكثر المراحل خطورة، تكاثرت فيها الأزمات، وفقدت فيها القيم، تحت وطأة الهيمنة والظلم والفراغ الأخلاقي، تبرز رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي للقرآن الكريم بوصفها قراءة دلالية عميقة واستثنائية تعيد للنص القرآني حضوره كقوة فاعلة في صناعة الإنسان والتاريخ، لا ككتاب يُتلى بمعزل عن الواقع، إنها رؤية تنطلق من الإيمان العميق بأن القرآن الكريم رسالة عالمية حيّة، تمتلك القدرة على تقديم الحلول، وبناء الوعي، وصياغة مواقف إنسانية عادلة في مواجهة التحديات الكبرى، يستعرض هذا التقرير الأبعاد والدلالات الفكرية لهذه الرؤية القرآنية، التي تعيد تعريف العلاقة مع القرآن من التلاوة إلى الثقافة والمسؤولية، وتقدّمه كميزان قيمي لتقويم المواقف والرؤى، وكمنهج حضاري لصناعة القوة والكرامة الإنسانية، كما يسلّط الضوء على البعد العالمي الذي يرى في القرآن مشروع نهضة إنسانية شامل، قادراً على توحيد الإنسان على قيم العدل والحرية والوعي، وبناء نموذج إنساني قرآني فاعل، يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والتاريخية في عالم يموج بالتحديات والمخاطر.
القرآن الكريم قوة شاملة لا تُهزم
ينطلق الشهيد القائد من حقيقة محورية مفادها أن القرآن الكريم هو مصدر القوة الحقيقية للأمة، فهو كله قوة، كله عزة، كله شرف، كتاب يحرر الإنسان من الخوف، ويمنحه الوعي، ويزرع فيه الثقة والقدرة على مواجهة التحديات الكبرى، هذه النظرة تجعل من القرآن رسالة عالمية لكل الشعوب المستضعفة، ولكل إنسان يبحث عن الكرامة والعدل، وليس خطاباً منغلقاً أو محصوراً في نطاق جغرافي أو ثقافي معين، فالقرآن الكريم في فكر الشهيد القائد لا يعترف بمنطق الاستسلام أمام القوة المادية، بل يصنع توازناً أخلاقياً وروحياً يمكّن الإنسان من الوقوف بثبات أمام أي طغيان.
إعادة تعريف العلاقة مع القرآن الكريم
أحد أهم الإسهامات الفكرية في رؤية الشهيد القائد هو التفريق الواضح بين حمل القرآن الكريم شكلاً، والتثقف بثقافته مضموناً، فالعلاقة الحقيقية مع القرآن الكريم، لا تتوقف عند التلاوة أو الحفظ، وإنما تبدأ من الفهم الواعي، وتنتهي بالسلوك العملي المسؤول، ويقدّم هذا الطرح نقداً بنّاءً لحالة الفصل بين الدين والواقع، داعياً إلى استعادة الدور الحضاري للقرآن بوصفه مرجعاً أخلاقياً وفكرياً يوجّه المواقف، ويصنع الوعي، ويمنح الإنسان القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في القضايا المصيرية.
القرآن ميزان القيم والمواقف
في الرؤية القرآنية للشهيد القائد، يصبح القرآن معياراً عالمياً لتقييم المواقف لا الأشخاص، والأفكار لا المظاهر، فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بكثرة الشعائر أو المظاهر الدينية، بل بمدى انسجام رؤيته وسلوكه مع المبادئ القرآنية الكبرى، العدل، المسؤولية، نصرة الحق، التكافل، والوحدة الإنسانية، ومن هنا، يطرح القرآن كمرجع أخلاقي حيّ، يكشف التناقض بين الخطاب والممارسة، ويمنح المجتمعات القدرة على التمييز بين المواقف التي تخدم إنسانية الإنسان، وتلك التي تكرّس الضعف أو اللامبالاة تجاه قضايا الحق والعدالة.
بناء الإنسان القدوة .. من الفرد إلى الأمة
تركّز رؤية الشهيد القائد على خطورة أن يتحول حامل القرآن إلى نموذج ضعيف أو سلبي في المجتمع، لأن ذلك لا يؤثر على الفرد وحده، بل ينعكس على وعي الأمة بأكملها، ومن هنا، يقدّم نموذج الإنسان القرآني، بوصفه إنساناً واعياً، مسؤولاً، فاعلاً في محيطه، قادراً على الإلهام، وصناعة الأمل، وتحمل تبعات الموقف، وهذا النموذج لا يُطرح كنموذج صدامي مغلق، بل كنموذج تحرري يرفض الظلم، ويؤمن بأن القرآن الكريم جاء ليحرر الإنسان من الهيمنة، ويصون كرامته، ويمنحه دوراً إيجابياً في صناعة مستقبل أفضل.
أبعاد عالمية ورسالة إنسانية
ما يميز رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي للقرآن الكريم، هو أنه يخاطب وعي الإنسان أينما كان، إنها رؤية ترى في القرآن الكريم خطاباً إنسانياً عابراً للحدود، قادراً على تقديم إجابات عادلة لقضايا الظلم، والاستغلال، والهيمنة، وفقدان المعنى في عالم اليوم، وفي زمن تتزايد فيه الأزمات الأخلاقية والسياسية وهيمنة قوى الطغيان، تطرح هذه الرؤية القرآن الكريم ، كمرجعية قادرة على إعادة التوازن، وبناء إنسان يمتلك الوعي، والكرامة، والمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين.
الأثر والتحولات في الوعي والمجتمع والقدرة على الصمود
لم تبقَ رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي للقرآن الكريم حبيسة الإطار النظري أو الخطاب الفكري، بل تحولت إلى عامل فاعل في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وإحداث تحولات ملموسة في مختلف مجالات الحياة، من الثقافة والمجتمع، وصولاً إلى بناء القدرة على الصمود الشامل في مواجهة التحديات الكبرى، وأحد أبرز آثار هذه الرؤية تتمثّل في نقل المجتمع من حالة التلقي المجرد للنص القرآني إلى حالة التفاعل الواعي معه، فقد أسهم التركيز على الثقافة القرآنية، في إعادة الاعتبار للفهم، وربط النص بالواقع، وتعزيز الشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية، وبرز ذلك في ارتفاع مستوى الوعي العام حول القضايا المصيرية، وخطورة الهيمنة والظلم، ورفض حالة اللامبالاة أو الانكفاء، وعلى المستوى الاجتماعي، عززت هذه الرؤية ، قيم التضامن، والتكافل، وتحمل المسؤولية المشتركة، باعتبارها قيماً قرآنية عملية لا شعارات مجردة، وقد انعكس ذلك في قدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه في ظروف استثنائية، ومواجهة محاولات التفكيك الداخلي، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي رغم الضغوط المتراكمة،
سياسياً، أسهمت الرؤية القرآنية التي طرحها الشهيد القائد في ترسيخ مفهوم الاستقلال في الموقف والقرار، ورفض الخضوع للإملاءات الخارجية، فالقرآن الكريم، يشكّل مرجعية أخلاقية عليا تحرر الإنسان من الخوف، وتمنحه القدرة على اتخاذ موقف واضح في مواجهة مشاريع الهيمنة، معتبراً أن الوعي هو خط الدفاع الأول في أي مواجهة.
وفي إطار التحديات الكبرى، يُقدَّم أثر هذه الرؤية بوصفه عاملاً أساسياً في بناء حالة من الصمود الشامل، لا تقتصر على البعد النفسي أو المعنوي، بل تمتد إلى تنمية القدرات الذاتية في مختلف المجالات، ضمن رؤية ترى أن القوة بمفهومها الواسع، ضرورة لحماية الكرامة والقرار المستقل.
ختاماً
تمثل رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي للقرآن الكريم مشروعاً فكرياً ونهضوياً متكاملاً، يعيد للقرآن دوره الإيماني والرسالي، كقوة تغيير وبناء، لا كنص معزول عن الواقع، وهي رؤية تفتح أفقاً عالمياً لفهم القرآن، بوصفه رسالة حياة، وميزان عدل، ومنهجاً لتحرير الإنسان وصناعة مستقبل أكثر إنصافاً وكرامة.
يمانيون