“أفول الهيمنة”.. كيف أعادت المواجهة مع إيران صياغة موازين القوى في عهد ترامب الثاني؟
أفق نيوز| تقرير| خاص
متغيرات جيوسياسية متسارعة منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولايته الثانية، دخلت العلاقات الدولية مرحلة من “إعادة التقييم الشاملة”. لقد دشن البيت الأبيض عهداً تبدو فيه “لغة القوة” مرتكزاً أساسياً لإدارة الملفات الخارجية، متجاوزاً في كثير من الأحيان القواعد التقليدية للقانون الدولي. ومع تصاعد التوترات مع طهران، يجد العالم نفسه أمام تحولات ميدانية وسياسية تعيد رسم موازين القوى، وتضع الهيمنة الأمريكية تحت مجهر الاختبار الحقيقي.
“لغة القوة” في مواجهة الواقع الميداني
اعتمدت إدارة ترامب في سياستها الخارجية نهجاً اتسم بالصدامية، متجاهلةً في كثير من الأحيان التحالفات التقليدية. ويرى مراقبون أن هذا النهج “الاستعلائي” لم يلقَ صدى إيجابياً حتى بين حلفاء واشنطن، الذين أبدوا تحفظات متزايدة تجاه سياسات قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار العالمي.
وفي السياق الميداني، تشير المعطيات إلى أن المراهنة على القوة المطلقة قد اصطدمت بحقائق صلبة على الأرض. وتعد التطورات البحرية الأخيرة، لا سيما ما أُشير إليه حول انسحاب القوات الأمريكية من السواحل اليمنية في البحرين الأحمر والعربي، نقطة تحول مفصلية، حيث أثبتت أن “لغة القوة” قد تجد من يردعها حينما تتعارض مع إرادة الشعوب والدول المستقلة.
من “الوعود السريعة” إلى “طاولة التفاوض”
على الرغم من التصريحات المتعجرفة التي سادت في بداية التصعيد، والتي بشرت بحسم سريع للصراع على غرار سيناريوهات سابقة، إلا أن الواقع الميداني فرض معطيات مغايرة تماماً. الفشل في تحقيق الأهداف العسكرية المرسومة أجبر إدارة ترامب على التحول من “خطاب الحسم” إلى “الجلوس الاضطراري” على طاولة المفاوضات.
هذا التحول يراه المحللون دليلاً على تآكل القوة الردعية للولايات المتحدة، حيث فشلت الرهانات على انهيار سريع للخصوم، لتتحول الحرب إلى استنزاف سياسي وعسكري يعيد تشكيل الأولويات الأمريكية.
تداعيات إقليمية ودولية: هل نحن أمام عصر جديد؟
لا تقتصر تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتطال البنية التحتية للنظام الدولي. فقد أظهرت الحرب تراجعاً في “الغطاء الدولي” الذي كانت تحظى به واشنطن سابقاً؛ إذ بدت دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) أكثر حذراً وأقل اندفاعاً خلف السياسات الأمريكية، مما يعكس تصدعاً في وحدة الجبهة الغربية.
في المقابل، تتعالى الأصوات المطالبة بضرورة وجود موقف عربي وإسلامي موحد تجاه ما يوصف بالعدوان الأمريكي-الصهيوني. ويرى الخبراء في المنطقة أن الوقوف في وجه هذا المسار لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة أمنية؛ إذ إن أي اختلال في موازين القوى لصالح “قانون الغاب” سيهدد استقرار الشرق الأوسط برمته.
الخاتمة: نهاية حقبة
تؤكد التطورات الراهنة أن “العصر الأمريكي”، الذي استند لعقود إلى التفوق العسكري المطلق، يمر بمرحلة انتقالية نحو الزوال. إن التحولات التي أفرزتها الحرب مع إيران ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي مؤشر على ولادة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، لا مكان فيه للهيمنة الفردية، وتُفرض فيه السيادة الوطنية كركيزة لا يمكن تجاوزها