أفق نيوز
الخبر بلا حدود

الهجرة النبوية.. سنّة التمكين الإلهي وإفشال مشاريع الاستكبار في قراءة علماء اليمن

36

أفق نيوز| طارق الحمامي

مثّلت الفعالية الثقافية التي نظمتها رابطة علماء اليمن والهيئة العامة للأوقاف والإرشاد بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية الشريفة تحت شعار “سنة الله في تأييد المستضعفين ومكره بالطواغيت المستكبرين” مناسبة فكرية وثقافية لتجديد قراءة الهجرة النبوية باعتبارها حدثاً تأسيسياً في مسيرة الأمة الإسلامية، وربط دلالاتها التاريخية والقرآنية بالواقع المعاصر وما يشهده من صراعات وتحديات سياسية وحضارية وأمنية، وقد حملت الكلمات والبيانات الصادرة عن الفعالية رسائل متعددة الأبعاد، تجاوزت الاستحضار التاريخي للهجرة إلى توظيفها كمنهج لفهم التحولات الجارية في المنطقة واستشراف مآلات الصراع بين قوى الاستضعاف وقوى الهيمنة والاستكبار.

الهجرة النبوية .. من حدث تاريخي إلى مشروع حضاري متكامل

في جوهر الطرح الذي قدمه العلماء وعلى رأسهم مفتي الديار اليمنية والمشاركون، جاءت الهجرة النبوية بوصفها أكثر من مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة؛ فهي تمثل انتقالاً استراتيجياً من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة وصناعة القوة وإدارة الصراع وفق السنن الإلهية، هذا الفهم يضع الهجرة في إطارها الحضاري الواسع باعتبارها نموذجاً عملياً لكيفية مواجهة التحديات الوجودية التي تتعرض لها الأمم، فالرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يواجه حصار قريش ومؤامراتها بالاستسلام أو الانكفاء، وإنما بالتخطيط والإعداد والأخذ بالأسباب والثقة المطلقة بالله تعالى، وهو ما جعل الهجرة نقطة تحول صنعت لاحقاً أعظم دولة عرفها التاريخ الإسلامي، ومن هنا جاءت تأكيدات مفتي الديار اليمنية العلامة شمس الدين شرف الدين على أن الاقتداء بمنهج الهجرة والأخذ بأسباب القوة والثبات والتوكل على الله يمثل الطريق الحقيقي لتحقيق النصر في مواجهة قوى الاستكبار العالمي، في رسالة تعكس فهماً يربط بين السنن الإلهية الثابتة ومتطلبات العمل الواقعي في ميادين المواجهة المختلفة.

قراءة قرآنية للصراع بين المستضعفين والمستكبرين

العنوان الذي حملته الفعالية يعكس رؤية فكرية مستمدة من القرآن الكريم، حيث جرى التركيز على مفهوم الصراع التاريخي بين المستضعفين والطغاة باعتباره من السنن الإلهية المتكررة عبر التاريخ، فالقرآن الكريم يقدم نماذج متعددة لهذا الصراع، بدءاً من مواجهة النبي موسى لفرعون، مروراً بمواجهة الأنبياء لأقوامهم المستكبرين، وصولاً إلى تجربة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم مع قريش وأحلافها، وفي هذا السياق، سعت الفعالية إلى التأكيد على أن موازين القوة المادية ليست العامل الحاسم في نتائج الصراع، بل إن الإرادة والإيمان والثبات والالتزام بالمشروع الحق تشكل عناصر جوهرية في صناعة النصر، وهو ما اعتبره المشاركون قاعدة يمكن إسقاطها على الواقع الراهن الذي تشهده المنطقة.

 

إسقاط دلالات الهجرة على الواقع المعاصر

أحد أبرز الأبعاد التي تضمنتها كلمات الفعالية تمثل في الربط بين ما تعرض له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من مؤامرات ومخططات لإجهاض مشروعه الرسالي، وبين ما تتعرض له شعوب المنطقة اليوم من تدخلات وصراعات ومشاريع سياسية وعسكرية، وفي هذا الإطار، اعتبر رئيس الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد العلامة عبد المجيد الحوثي أن المشاريع الأمريكية والصهيونية المعاصرة تمثل امتداداً لمحاولات الهيمنة التي عرفها التاريخ بأشكال مختلفة، مؤكداً أن الوقائع الميدانية أثبتت عجز هذه المشاريع عن تحقيق أهدافها رغم الإمكانات الضخمة التي تمتلكها، ويعكس هذا الطرح رؤية سياسية ترى أن المنطقة تشهد صراعاً بين مشروعين متقابلين، مشروع الهيمنة والسيطرة وإعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الأمريكية والإسرائيلية، ومشروع المقاومة والتحرر والدفاع عن الهوية والسيادة والاستقلال.

الإشادة بالانتصار الإيراني

البيان الصادر عن رابطة علماء اليمن حمل بعداً سياسياً واضحاً من خلال اعتباره انتصار الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة العدوان الأمريكي والصهيوني محطة استراتيجية مهمة في مسار المواجهة مع قوى الاستكبار، وتكشف هذه الإشارة عن قناعة لدى الرابطة بأن موازين الصراع في المنطقة تشهد تحولات متسارعة، وأن القوى المناهضة للمشروع الأمريكي والإسرائيلي باتت تمتلك قدرة أكبر على التأثير وإفشال المخططات التي تستهدف المنطقة، كما يعكس هذا الموقف رؤية تعتبر أن الصراعات الجارية لم تعد محصورة في حدود جغرافية ضيقة، بل أصبحت جزءاً من معركة إقليمية أوسع تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والثقافية والإعلامية.

 

فلسطين.. القضية المركزية في خطاب الأمة

احتلت القضية الفلسطينية مساحة واسعة في مضامين الفعالية، حيث حذرت رابطة علماء اليمن من خطورة استمرار الصمت تجاه الجرائم والانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية في فلسطين المحتلة،
ويكشف هذا التركيز عن استمرار حضور القضية الفلسطينية بوصفها معياراً رئيسياً لقياس مواقف الأمة وقواها المختلفة، كما يعكس رؤية تعتبر أن الصراع في فلسطين لا يخص الفلسطينيين وحدهم، بل يمثل معركة تتعلق بمستقبل الأمة الإسلامية وهويتها ومقدساتها، ومن هذا المنطلق، جاءت الدعوة إلى تعزيز المواقف الداعمة للمقاومة وتحمل المسؤوليات الدينية والأخلاقية تجاه فلسطين باعتبارها جزءاً من الواجب الجماعي للأمة.

 

الإساءة للمقدسات الإسلامية ومحاولة استفزاز الأمة

كما حمل البيان الصادر عن الرابطة إدانة شديدة للتصريحات المسيئة من قبل الرئيس الأمريكي المجرم دونالد ترامب بحق الكعبة المشرفة، واعتبرها تعبيراً عن حالة العداء للمقدسات الإسلامية واستفزازاً لمشاعر المسلمين حول العالم، وتبرز هذه الإدانة ضمن سياق أوسع يتعلق بحساسية الرموز الدينية والمقدسات في الوعي الإسلامي، حيث ينظر إلى أي إساءة للمقدسات باعتبارها تجاوزاً للخطوط الحمراء التي تمس هوية الأمة وعقيدتها ووحدتها المعنوية، وفي الوقت ذاته، فإن مثل هذه المواقف تعكس حالة الاستنفار الثقافي والفكري تجاه ما يُنظر إليه كمحاولات للنيل من الرموز الدينية أو التقليل من مكانتها في نفوس المسلمين.

 

الهجرة النبوية ورسالة الثبات في زمن التحولات

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تبرز الهجرة النبوية في الخطاب الذي قدمته الفعالية باعتبارها مدرسة متكاملة في إدارة الأزمات وصناعة التحولات التاريخية،
فالهجرة تعلم الأمة أن الانتصارات الكبرى لا تولد من فراغ، وإنما تأتي نتيجة الإيمان بالمشروع، والصبر على التحديات، وحسن التخطيط، والثبات أمام الضغوط، والثقة بوعد الله سبحانه وتعالى، ولهذا حرص العلماء والمشاركون على تقديم الهجرة النبوية بوصفها مصدر إلهام متجدد للأمة في مواجهة مختلف التحديات، مؤكدين أن السنن الإلهية التي نصرت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين الأوائل قادرة ـ وفق هذا التصور ـ على أن تتجلى مجدداً في واقع الأمة متى ما تمسكت بقيم الإيمان والوحدة والصمود والعمل المسؤول.

 

ختاما. .

تعكس الفعالية الثقافية الخاصة بذكرى الهجرة النبوية رؤية فكرية وسياسية تربط بين الماضي والحاضر، وتستحضر الهجرة باعتبارها نموذجاً خالداً لانتصار الحق على الباطل، والمستضعفين على المستكبرين، كما تكشف مضامين الكلمات والبيانات الصادرة عنها عن محاولة قراءة الأحداث الجارية في المنطقة من خلال السنن القرآنية والتجربة النبوية، بما يجعل من الهجرة النبوية إطاراً مرجعياً لفهم الصراع الراهن واستلهام عوامل الصمود والثبات وبناء القوة في مواجهة التحديات والمشاريع التي تستهدف الأمة وهويتها ومقدساتها.