أفق نيوز
الخبر بلا حدود

زلزال فرساي الرقمي: طهران وواشنطن توقعان وثيقة إنهاء الحرب، وتل أبيب تتجرع مرارة التخلي في أسبوعها الأكثر دموية بالجنوب

44

أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة 

دخلت المنطقة والعالم فجر اليوم الخميس فصلاً جيوسياسياً جديداً بالكامل، بعد أن خطّت طهران وواشنطن نهاية “الحرب المفروضة الثالثة” بتوقيع رقمي مباشر وعن بُعد بين الرئيسين مسعود بزشكيان ودونالد ترامب، مكرسين صيغة “مذكرة تفاهم إسلام آباد”. وقع ترامب نسخته خلال عشاء رسمي في قصر فرساي بباريس، ليطير نص الاتفاق فوراً إلى إيران والوسطاء، معلناً الدخول الفوري للمذكرة حيز التنفيذ الشامل لإنهاء العمليات العسكرية على جميع الجبهات، وبدء السريان اللوجستي لرفع الحصار البحري الأمريكي عن موانئ إيران.

هذا التحول التاريخي الذي وصفته مجلة “فورين بوليسي” بأنه “هزيمة أمريكية أمام إيران أشد وطأة وأكثر ديمومة من فيتنام”، شكّل صدمة تكتونية للكيان الصهيوني الذي تُرِك وحيداً يتجرع مرارة التخلي الاستراتيجي. وبينما أبحرت ثلاث ناقلات نفط إيرانية وسفينتا شحن عملاقتان بحرية كاملة من المحيط الهندي نحو الموانئ الإسلامية، بدأت طائرات التزويد بالوقود الأمريكية بالانكفاء التدريجي من مطار بن غوريون، ليعلن السيناتور الديمقراطي كريس مورفي من قاعة مجلس الشيوخ: “هذه الصفقة المهينة دليل كامل على مدى كارثية هذه الحرب”.

أولاً: كواليس “السجادة” الإيرانية.. كيف تبخرت السقوف الأمريكية؟

أثبتت الدبلوماسية الإيرانية ندية فائقة في فرض شروطها على بنود التفاهم الـ 14، محولةً الاندفاعة الترامبية إلى تراجع استراتيجي كامل عن كل أهداف الحرب المرفوعة سابقاً:

تثبيت السيادة وعقيدة التخصيب: سقطت أوهام “تغيير النظام” و”صفر تخصيب”؛ حيث انتزعت طهران إقراراً أمريكياً بوحدة أراضيها وحقها المطلق في امتلاك الدورة الكاملة للتقنية النووية والتخصيب على أرضها، مع خيار مرن لتخفيف المواد المخصبة لإغلاق الذرائع.

شرعية الصواريخ وحماية الدولار: اعترف ترامب صراحة بشرعية الترسانة الصهباء لطهران قائلاً: “إذا كانت دول أخرى تملك صواريخ باليستية فمن الظلم ألا تمتلك إيران بعضاً منها”، في حين علق المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي بصلابة: “صواريخنا لا تحب بتاتاً أن يتحدث عنها أحد، وقد صُنعت للإطلاق وليس للتفاوض”. وعن الأموال المجمدة، أقر ترامب بالخضوع لإعادة الأموال الإيرانية خوفاً على عملته: “لن يستثمر أحد في الدولار إذا لم نَعِد أموال إيران”.

صندوق الـ 300 مليار: أثمرت حنكة طهران عن إنشاء صندوق استثمار دولي بقيمة 300 مليار دولار لإعادة الإعمار والتنمية، بمساهمة وتنسيق عالمي وإقليمي تقوده قطر، مع فتح الباب قانونياً للاستثمارات الأمريكية داخل البلاد.

ثانياً: زلزال تل أبيب.. رفض طلب الاطلاع، طرد بن غفير، والشارع ينقلب على نتنياهو

تحولت العاصمة المحتلة الليلة إلى ساحة غليان وسخط عارم ضد البيت الأبيض، بعد أن تبين أن الاتفاق طُبخ بالكامل فوق رأس الكيان:

إهانة رفض الاطلاع: في خطوة مذلة، طلبت حكومة الاحتلال رسمياً الاطلاع على مسودة مذكرة التفاهم التي وقعها ترامب، فجاء الرد الأمريكي برفض الطلب. وعلق الوزير زئيف إلكين بمرارة: “لسنا طرفاً في المفاوضات ولا يمكننا طلب الاطلاع على مذكرة لا تلزمنا”.

ترامب يوبخ نتنياهو ويهدد قادته: نقلت “وول ستريت جورنال” عن ترامب قوله لمستشاريه: “لا أحد يستطيع التعامل مع نتنياهو، إنه يريد قصف الجميع وهو يندفع أكثر من اللازم”، مضيفاً علناً: “هجوم إسرائيل على بيروت لم يعجبني وعليها أن تكون أكثر مسؤولية تجاه لبنان.. من دوني لكانت إسرائيل قد مُحيت كلياً”. وكشفت “إسرائيل اليوم” أن ترامب يدرس إقالة وزير دفاعه بيت هيغسيث ومدير الـ CIA جون راتكليف بسبب معارضتهما للاتفاق وتساوقهما مع تل أبيب.

طرد بن غفير وسخرية “أبروموفيتش”: منعت إدارة ترامب منح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير تأشيرة دخول دبلوماسية إلى أمريكا، مما اضطره لإلغاء زيارته وسط غضب موالي لليكود بدأ يهاجم ترامب علناً. وفي سياق متصل، أثار اقتراح ترامب العبثي بأن “تتولى سوريا ورئيسها أمر حزب الله” سخرية النخب؛ حيث هاجمه الصحفي آرون أبروموفيتش واصفاً ترامب بالأبله: “كيف يطلب من جيش سوري لم يرمم نفسه القضاء على حزب الله الذي واجه أقوى جيش في الشرق الأوسط لثلاث سنوات ولم يُهزم؟”.

ثالثاً: لبنان في متن الاتفاق.. سقوط “الخديعة الاستسلامية” وفضيحة أرقام الحزب

فرض الوفد الإيراني حضور جبهة لبنان كبند سيادي معطل لأي تلاعب أمريكي، مسقطاً مسار واشنطن التفاوضي:

نص البند الأول الحرفي: ورد اسم لبنان صراحة ثلاث مرات في البند الأول، ونص على الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وضمان وحدة أراضيه وسيادته الإقليمية.

وأكد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن البند 14 يربط الاتفاق النهائي باعتماد مجلس الأمن، بينما تمنح المادة 13 إيران وحزب الله حق تفعيل معادلة “البادئ أظلم” والرد الناري في حال حدوث أي خرق إسرائيلي مستقبلاً.

فضيحة الاتصال ببعبدا: كشفت صحيفة “المدن” عن تفاصيل بالغة الإحراج للسلطة اللبنانية (عون وسلام) اللذين هاجما الدبلوماسية الإيرانية؛ حيث اتصلت سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض بالرئيس جوزيف عون مذهولة لتخبره أن ترامب طلب منها شخصياً تزويده بأرقام هواتف مسؤولي حزب الله لدعوتهم مباشرة إلى البيت الأبيض، متجاوزاً مؤسسات الدولة الرسمية. بعبدا اتصلت ببري، الذي أحال الطلب فوراً إلى المرجعية الحصرية في طهران. وجاء إعلان الموفد الفرنسي جان إيف لودريان من قمة السبع ليؤكد: “لبنان في قلب اتفاق أمريكا وإيران، والمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية يجب أن تبدأ من حيث وصل هذا الاتفاق حصراً”.

رابعاً: مفرمة الحافة الأمامية.. محرقة القيادة في الطيبة واليوم الأصعب للاحتلال

ميدانياً، حاول جيش الاحتلال الهرب من قيود النار الأمريكية والمشاغبة بمسيراته في كفرتبنيت وميفدون وبيت ياحون، فجاءه العقاب من رجال المقاومة الإسلامية في يوم اعترفت وسائل الإعلام العبرية بأنه “الأصعب على الجيش منذ شهرين”:

كمين الطيبة ومسح قيادة الفرقة 36: في عملية نوعية معقدة، تسللت مجموعات النخبة للمقاومة إلى قرية الطيبة (منطقة الليطاني) وزرعت شبكة عبوات كمينية فائقة التفجير؛ حيث فجرت العبوات بجيب عسكري وقوة راجلة تابعة للواء غولاني والفرقة 36. الحصيلة الرسمية التي سمح الرقيب العسكري بنشرها تمثلت في سقوط قتيل و11 مصاباً بجروح حرجة جداً، وكشفت هيئة البث الإسرائيلية أن من بين المصابين بجروح بالغة قائد الفرقة 36 وضابطاً رفيعاً آخر (نائب قائد الفرقة)، لينضم هذا الكمين إلى مفرمة لواء جفعاتي في كفرتبنيت بمسيرات انقضاضية مزدوجة أوقعت قتلى وجرحى، مما دفع المستوطنين للقول بمرارة: “من الأفضل أن تموت لأجل ترامب المختل أو العجوز الأحمق نتنياهو وليس لأجل الدولة.. ومَن يصوت لبيبي مجدداً إما غير عاقل أو غبي جداً”.

الخلاصة والقراءة الاستراتيجية للمرحلة المقبلة

بدءاً من اليوم، تتبدد أوهام وزراء اليمين (بن غفير وسموتريتش وستروك وإلياهو) بالبقاء في الجنوب؛ فالأوامر الأمريكية كبلت حركة جيشهم، والمذكرة نصت على ربط إنهاء الحرب بالانسحاب الكامل من الأقضية اللبنانية المحتلة طيلة الـ 60 يوماً القادمة.

ومع استمرار تدفق الأهالي بشجاعة وعفوية نحو بيوتهم في الجنوب والضاحية، فإن تحذير رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف يحدد ملامح “ساعة الصفر” الحالية: “مضيق هرمز لن يعود لظروف ما قبل الحرب أبداً، وأيدينا لا تزال على الزناد؛ مَن لا يفهم المنطق بالدبلوماسية سنفهمه المنطق بالقوة والمسافة قريبة جداً”. إن أي غدر إسرائيلي أو تلاعب ترامبي بالصيغة النهائية لن يؤدي فقط إلى تجميد قطار جنيف وعزل الكيان دولياً، بل سيواجه فوراً ببند العقاب والآلية الجاهزة لمقر “خاتم الأنبياء” ومقاتلي “حزب الله”.