أفق نيوز
الخبر بلا حدود

مفرمة “علي الطاهر” وتجميد مسار جنيف.. المقاومة ترسم حدود السيادة من كربلاء

46

أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة 

شهد اليوم الثاني من توقيع مذكرة التفاهم الإلكترونية بين واشنطن وطهران انتكاسة دراماتيكية لمسار “إسلام آباد” الدبلوماسي، إثر قرار إيراني حاسم بربط التوقيع الحضوري في سويسرا بالانسحاب الفوري والوقف الكامل للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.

هذا الموقف الصارم أجبر البيت الأبيض على الإعلان رسمياً عن تأجيل مغادرة نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى سويسرا، متذرعاً بـ “عدم اكتمال الخطط اللوجستية”، في حين أكدت وزارة الخارجية السويسرية إلغاء المحادثات التي كانت مقررة في منتجع بورجنستوك. وكشف مسؤول أمريكي لموقع “أكسيوس” أن المطالب الإيرانية المتعلقة بسيادة لبنان ووقف إطلاق النار الفعلي هي السبب الحقيقي وراء إلغاء الزيارة، في ضربة سياسية تثبت مصداقية إيران كحليف استراتيجي يرفض التخلي عن الساحة اللبنانية أو مقايضتها.

تزامن هذا الجمود الدبلوماسي مع فشل ميداني ذريع لجيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان؛ حيث تكبد لواء النخبة “غفعاتي” خسائر فادحة في محور كفرتبنيت (مرتفعات علي الطاهر) إثر كمائن قاتلة نصبتها المقاومة الإسلامية، مسفرة عن مقتل 4 جنود، بينهم قائد الكتيبة 52، وإصابة 17 آخرين، في عملية وصفتها الأوساط العسكرية الإسرائيلية بـ “التحول الخطير في تكتيكات حزب الله”.

أولاً: مسرحية الانسحاب والمأزق الإسرائيلي.. ضغوط أمريكية وتخبط يميني

يعيش الكيان الإسرائيلي حالة من الانقسام الحاد بين إملاءات واشنطن ومطامع اليمين المتطرف، وسط اعترافات مبطنة باستحالة البقاء في الجنوب اللبناني:

 * الكلفة الباهظة والفشل في الاحتلال: اعترفت وسائل إعلام عبرية بفشل الجيش الإسرائيلي في احتلال مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية في النبطية، رغم القصف التدميري الذي سبق التوغل. وأقر مسؤولون عسكريون بأن البقاء في المنطقة الأمنية سيصبح شبه مستحيل وفق صيغة الاتفاق الحالية، مما يضع المستوى السياسي أمام اختبار قاسٍ.

 * عويل اليمين والتهديد بفتح أبواب الجحيم: رداً على الخسائر الفادحة، أطلق وزراء اليمين تصريحات هستيرية؛ حيث دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى “فتح أبواب الجحيم والتحدث بالنار”، بينما طالب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بـ “حرق لبنان بأكمله”، معتبراً أن النصر لا يتحقق بالردود المحسوبة، وأن مقابل كل دمعة أم إسرائيلية يجب أن تبكي ألف أم لبنانية، في تجاهل تام لحقيقة أن قواته هي التي خرقت وقف إطلاق النار. وطالب أفيغدور ليبرمان بتدمير الضاحية الجنوبية، معتبراً بقاءها فشلاً مباشراً لنتنياهو.

 * أزمة العلاقات الخارجية وتوبيخ نتنياهو: حذر زعيم المعارضة يائير لبيد من انهيار علاقات إسرائيل الخارجية إذا استمرت الحكومة الحالية في عنادها، مشيراً إلى غضب جي دي فانس من سموتريتش وبن غفير، وتصريح دونالد ترامب بأن نتنياهو يتصرف “بشكل غير مسؤول”. وفي هذا السياق، أكد ترامب لموقع “أكسيوس” توقعه بوقف تام لإطلاق النار على جميع الجبهات، مشيراً إلى أن الاتفاق جاء لمنع انزلاق الحرب إلى كساد اقتصادي عالمي.

 * فاتورة الحرب والخزانة الأمريكية: في دلالة على الاستنزاف الاقتصادي والعسكري، كشفت “وول ستريت جورنال” أن البنتاغون أبلغ الكونغرس بحاجته العاجلة لـ 80 مليار دولار لتغطية تكاليف الحرب الإيرانية، محذراً من نقص تمويل العمليات إذا رُفض الطلب.

ثانياً: مفرمة “علي الطاهر”.. المقاومة تدمر أسطورة “غفعاتي” وتفرض تكتيكاً هجومياً

لم تقف المقاومة الإسلامية مكتوفة الأيدي أمام استمرار العدوان الإسرائيلي، بل بادرت إلى ترجمة معادلة “الأمن مقابل الأمن” من خلال عمليات ميدانية معقدة، حولت مرتفعات علي الطاهر إلى مقبرة لدبابات الميركافا:

 * كمين المقتل وتدمير الميركافا (البيان رقم 1): أعلنت غرفة عمليات المقاومة الإسلامية في سلسلة بيانات ضمن “عمليات عاشوراء” عن رصد محاولات توغل إسرائيلية استمرت لـ 4 أيام باتجاه كفرتبنيت وعلي الطاهر. وفجر اليوم (الساعة 1:50)، استدرج المجاهدون فصيل مدرعات ومشاة يحاول التسلل نحو الجهة الشمالية لمرتفع علي الطاهر إلى “منطقة المقتل”، مستهدفين 3 دبابات ميركافا بصواريخ موجهة، مما أدى إلى تدميرها واشتعال النيران فيها، وسط صليات صاروخية ومدفعية مكثفة.

 * الكمين المزدوج لقوة الإنقاذ (البيان رقم 2): لم تكتفِ المقاومة بتدمير القوة المتقدمة، بل نصبت كميناً ثانياً لقوة الإنقاذ التي حاولت التقدم لسحب القتلى والجرحى تحت غطاء دخاني وقنابل مضيئة، مستهدفة إياها بصلية صاروخية وقذائف هاون محققة إصابات مؤكدة.

* سقوط قائد الكتيبة 52 وتخبط التحقيقات الإسرائيلية: اعترف الجيش الإسرائيلي بمقتل 4 جنود، بينهم المقدم “دور جدليا بن شمخون” (32 عاماً)، قائد الكتيبة 52 في لواء النخبة “غفعاتي”، وإصابة 17 آخرين، حالة بعضهم حرجة جداً. وتخبطت الرواية الإسرائيلية حول سبب تدمير دبابة قائد الكتيبة؛ حيث أشارت التحقيقات الأولية إلى احتمال دخول طائرة مسيرة مفخخة من فتحة الدبابة التي لم تُغلق، في حين أكدت القناة 12 أن الهجوم نفذ بصواريخ مضادة للدروع أعقبها هجوم مضاد من قبل قوات المشاة في الحزب، في تكتيك يعيد للأذهان عمليات المقاومة في التسعينيات.

 * استمرار الاستنزاف: لم يتوقف النزيف الإسرائيلي عند هذا الحد؛ فقد أفاد موقع “حدشوت” بنقل جريحين إضافيين بحالة خطيرة إلى مستشفى رمبام في حيفا إثر حدث أمني جديد.

ثالثاً: موقف طهران الصلب والتمسك بالساحة اللبنانية

تواصل القيادة الإيرانية إرساء معادلات الردع والتفاوض من موقع القوة، مؤكدة أن لبنان ليس مجرد ملف تفاوضي بل هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي للمحور:

 * جاهزية الردع و”الأصابع على الزناد”: أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن رسالة المرشد الأعلى أوضحت أن توقيع المذكرة هو “بداية طريق صعب”، محذراً من أن إيران لن تسمح للعدو بالمساس بحقوق شعبها وجبهة المقاومة، ومؤكداً الاستعداد للرد الحازم والأيادي على الزناد إذا سعى العدو لفرض مطالبه.

 * التعهد الرئاسي والاهتمام بالمحور: شدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على تعهده للمرشد الأعلى بضمان مصالح الشعب وجبهة المقاومة، مؤكداً أن “الخط الأحمر” هو مصالح البلاد وفريق التفاوض سيهتم بأدق التفاصيل لتحقيق النصر.

 * الاعتراف بالهزيمة الأمريكية: اعتبر عضو المكتب السياسي لحركة أنصار الله علي العماد أن الاتفاق هو اعتراف أمريكي صريح بالهزيمة السياسية والعسكرية، مؤكداً أن المحور استطاع كبح جماح العدو وأن إدارة ترامب لن تستطيع تغيير الواقع الجغرافي الذي فرضه اليمن في باب المندب. كما اعتبرت صحيفة “الغارديان” أن الاتفاق يمثل إقراراً بعدم تحقيق الأهداف الأمريكية المتمثلة في وقف التخصيب وتفكيك المنشآت الإيرانية.

رابعاً: الاستهدافات الإسرائيلية العمياء ومواقف الداخل اللبناني

في محاولة للتعويض عن الإخفاقات الميدانية، وسع جيش الاحتلال نطاق استهدافاته الجوية والمدفعية في جنوب لبنان والبقاع:

 * غارات تدميرية وغطاء دخاني: شنت الطائرات الحربية والمسيرة الإسرائيلية منذ الصباح أكثر من 20 غارة استهدفت بلدات في قضائي النبطية وجزين (حاروف، سجد، تول، حبوش، الدوير، كفررمان، دير الزهراني، كفرتبنيت)، بالإضافة إلى غارات على البقاع الغربي (مرتفعات أبو راشد وزلايا) ومحيط بعلبك (عين بورضاي). وترافق ذلك مع قصف مدفعي عنيف وفوسفوري لمحاولة تشكيل غطاء دخاني لسحب خسائر قوات النخبة من كمائن علي الطاهر.

 * موقف بري الثابت: جدد رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري تأكيده على التزام حزب الله بوقف إطلاق النار “طالما التزمت إسرائيل به بشكل كامل وشامل”، في إشارة واضحة إلى أن المقاومة في حالة دفاع مشروع عن النفس والأرض ضد خروقات الاحتلال.

الخلاصة والمآلات المتوقعة

تُظهر تطورات اليوم الـ 112 أن مذكرة التفاهم الإطارية هي مجرد إطار نظري يتكسر على صخرة الواقع الميداني. طهران ترفض تقديم “شيك على بياض” لواشنطن، وتل أبيب تتخبط بين رغبتها في التمرد على الإملاءات الأمريكية وعجزها عن تحمل فاتورة الدم الباهظة في جنوب لبنان.

عمليات “عاشوراء” في كفرتبنيت وعلي الطاهر وجهت رسالة نارية لا لبس فيها: المقاومة قادرة على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، ومحاولة إسرائيل فرض “مناطق أمنية” أو استنزاف القرى الجنوبية ستكلفها خسائر غير مسبوقة في صفوف ألوية النخبة.

إذا استمر نتنياهو في عناده، وإذا فشلت إدارة ترامب في كبح جماح حليفها وإلزامه بالانسحاب الفوري، فإن مسار جنيف سيظل مجمداً، وستتحول فترة الـ 60 يوماً إلى حرب استنزاف طاحنة، وتؤدي إلى انهيار ما تبقى من هيبة الردع الإسرائيلية والمصداقية الأمريكية في المنطقة. الأصابع لا تزال على الزناد، والكلمة الفصل تبقى للحسينيين الذين يكتبون بالدم حدود السيادة والاستقلال.