أفق نيوز
الخبر بلا حدود

انسحاب قاذفات (B-52) يُتوّج ختام “الدوحة”.. ولبنان يُجرّد “اتفاق واشنطن” من صفته الإلزامية

33

أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة 

انقضى اليوم الرابع عشر من عمر مذكرة “إسلام آباد” على وقع تحولات ميدانية وسياسية حادة. فبينما أسدلت الدوحة الستار على جولة المفاوضات الفنية بتقدم إيجابي أثمر عن تفاهمات أولية حول الإفراج المشروط عن الأصول الإيرانية، سارعت بيروت إلى تفريغ “إعلان واشنطن” من مضمونه الإلزامي، واضعة إياه في خانة “الإطار التوجيهي” فقط. وفي الأجواء، ترسم حركة الطيران العسكري الأمريكي مشهداً واضحاً لإعادة تموضع استراتيجي، تُوّج بمغادرة آخر القاذفات الاستراتيجية الثقيلة، في إشارة لا تخطئها العين إلى تراجع احتمالات المواجهة المفتوحة وانكفاء البنتاغون نحو تبريد الجبهات لحماية مسارات الطاقة.

أولاً: الرصد الجوي الاستراتيجي (OSINT) وإعادة التموضع الأمريكي

تُظهر بيانات التتبع الملاحي وحركة الطيران العسكري سلسلة من الانسحابات وإعادة التموضع بعيداً عن مسرح العمليات المباشر في الشرق الأوسط، ما يعكس توجهاً أمريكياً لخفض التصعيد العسكري:
* انتهاء عملية (Epic Fury): في تطور استراتيجي لافت، سُجلت مغادرة آخر قاذفة استراتيجية من طراز (B-52H Stratofortress)، التي تحمل الرقم المالي (60-0044) وتطير تحت رمز النداء (DORM66)، من قاعدة “فيرفورد” الجوية الملكية في بريطانيا (RAF Fairford)، لتختتم بذلك واشنطن استعراضها الاستراتيجي بالقاذفات الثقيلة.
* انسحاب طائرات الحرب الإلكترونية: غادرت طائرتا حرب إلكترونية وتشويش متقدمتان من طراز (L3Harris EA-37B Compass Call)، تحملان رموز النداء (AXIS 43) و(AXIS 86)، قاعدة “ميلدنهال” البريطانية عائدتين إلى قاعدة “ديفيس مونثان” الجوية في الولايات المتحدة، بعد توقف قصير للوقود قادمتين من قاعدة سودا في جزيرة كريت (خانية).
* إخلاء القواعد الإقليمية: تواصل طائرات التزويد بالوقود (KC-46 و KC-135) سحب أسراب المقاتلات من المنطقة؛ حيث تم سحب 12 مقاتلة من طراز (F-16C) تابعة لقاعدة أفيانو الإيطالية، من قاعدة الأمير سلطان الجوية (PSAB). في حين تُظهر التحركات البحرية عبور مجموعة الاستعداد البرمائية (Boxer ARG)، والتي تضم السفينتين (USS Boxer) و(USS Portland)، في المحيط الهندي كجزء من انتشارها المجدول مسبقاً، دون الانخراط في عمليات هجومية.

ثانياً: ختام “الدوحة”.. تقدم فني وفيتو نووي إيراني

أسفرت وساطة قطر وباكستان عن إنهاء جولة المباحثات الفنية المنفصلة بتقدم إيجابي، حيث حُسمت ملفات حساسة وُضعت فيها الخطوط الحمراء الإيرانية قيد التنفيذ:
* الأموال المجمّدة: تم التوصل إلى تفاهم واضح بشأن الدفعة الأولى من الأصول الإيرانية (الـ 6 مليارات دولار). وقد حسم وزير الزراعة الإيراني الجدل حول استغلال هذه الأموال، مؤكداً عدم وجود أي إجبار على شراء منتجات زراعية أمريكية، تاركاً الباب مفتوحاً للتعاملات التجارية فقط “إذا قُدمت مقترحات جيدة”.
* اللاءات النووية: قطع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الطريق على أي ابتزاز غربي، نافياً بشكل قاطع السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش المنشآت التي تعرضت للقصف. وشدد على أن التفتيش سيبقى محصوراً ومقيّداً بمحطة بوشهر ومفاعل طهران للأبحاث وفقاً لقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي.
* مضيق هرمز: رسّخت طهران سيادتها الملاحية، حيث جنحت سفينة حاويات أجنبية بعد دخولها مياهاً ضحلة لمحاولتها الخروج عن “الممر الإيراني” المعتمد جنوبي جزيرة لارك، مما يثبت عملياً وعي شركات الشحن بأن المرور الآمن يتطلب الالتزام بالمسارات التي حددتها السلطات الإيرانية. وفي هذا السياق، مددت وكالة سلامة الطيران الأوروبية تحذيرها للشركات بتجنب أجواء إيران والعراق ولبنان حتى 8 تموز.

ثالثاً: الساحة اللبنانية.. تراجع السراي وتأجيل “الخطة التجريبية”

اصطدمت محاولات تسويق “إعلان واشنطن” كمعاهدة ملزمة بواقع الميدان والسياسة اللبنانية، ما دفع رئيس الحكومة إلى التراجع التكتيكي:
* تجريد الاتفاق من إلزاميته: أعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام صراحة أن ما جرى التوصل إليه هو مجرد “إطار توجيهي ثلاثي” للمفاوضات، وليس اتفاقية أو معاهدة. وأكد أن أولوية الجولات المقبلة هي وضع جدول زمني لانسحاب إسرائيل، نافياً السعي لأي صدام مسلح مع المقاومة. وفي بعبدا، حاول الرئيس جوزيف عون امتصاص الاحتقان بنفي وجود أي نية لإقالة قائد الجيش، مشيداً بدور الرئيس بري في درء الفتنة.
* التعنت الإسرائيلي وتأجيل الانسحاب: في مقابل التراجع اللبناني، زاد وزير حرب الاحتلال يسرائيل كاتس من جرعة التصعيد معلناً بقاء جيشه في “المناطق الأمنية” في لبنان وسوريا وغزة حتى إشعار آخر.

هذا التعنت أدى عملياً إلى إجهاض الخطة الميدانية؛ حيث أكدت هيئة البث الإسرائيلية تأجيل بدء “المرحلة التجريبية” في لبنان لعدم وجود آلية إشراف فعلية تُجبر الجيش اللبناني على التحرك ضد حزب الله.
* استمرار الأرض المحروقة: رداً على هذا العجز السياسي، واصل جيش الاحتلال سياسة التدمير الممنهج عبر تنفيذ عمليات نسف وحرق للمنازل في بلدات بيت ياحون، حداثا، وعيناثا، في محاولة لخلق مناطق عازلة بالنار.

رابعاً: الداخل الإسرائيلي والإيراني (تناقضات الأولويات)

* إسرائيل (العزلة والإنهاك المالي): يواجه الكيان مأزقاً استراتيجياً وصفه يائير لابيد بأنه “كارثة” في العلاقات الخارجية. وفي خطوة تعكس الانفصال عن الواقع، طالب نتنياهو ببدء مرحلة الاستغناء التدريجي (على مدى 10 سنوات) عن المساعدات العسكرية الأمريكية التي وصفها بـ”الإعانة الاجتماعية”. ويأتي هذا في وقت تطالب فيه وزارة الحرب بزيادة طارئة بقيمة 40 مليار شيكل لمواجهة التأخر الخطير في بناء القوة وتأمين صواريخ الاعتراض.
* إيران (استنفار التشييع وتثبيت الشرعية): أعلنت الأجهزة الإيرانية استنفاراً غير مسبوق استعداداً لتشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي. تم تجنيد 150 ألف جندي، وتجهيز 1900 مركز طوارئ، وإغلاق سماء طهران بالكامل يوم الاثنين المقبل. ويهدف هذا الحشد الجماهيري، الذي سيشارك فيه مبعوثون دوليون كديمتري ميدفيديف (نيابة عن بوتين)، إلى إرسال رسالة تماسك وتلاحم شعبي، تقطع الطريق على رهانات تفكك الجبهة الداخلية الإيرانية.

الخلاصة والمآلات الاستراتيجية

تقودنا المعطيات المتراكمة في ختام اليوم الأربعاء إلى استنتاج جيوسياسي حاسم: إن مرحلة فرض الشروط عبر القوة العسكرية الأمريكية المباشرة قد انتهت، والمنطقة تدخل حقبة جديدة ترسم فيها التوازنات الاقتصادية حقائق الميدان وتحدد شكل الاتفاقات السياسية.

على المدى القصير (اختبار الستين يوما)
نجحت طهران في فرض معادلة “أمن الممرات مقابل تسييل الأصول والسيادة”. الإدارة الأمريكية، المدفوعة بهاجس استقرار أسواق النفط العالمية وتأمين مخزوناتها وفقا لتصريحات نائب الرئيس، أظهرت براغماتية واضحة تجلت في الانسحاب الهادئ للقاذفات الاستراتيجية وأسراب الدعم الجوي من المنطقة. هذا الانكفاء العسكري الأمريكي يفرغ التهديدات الإسرائيلية من غطائها الفعلي، ويجعل من “إعلان واشنطن” الخاص بلبنان وثيقة غير قابلة للتنفيذ على الأرض. فتراجع رئيس الحكومة اللبنانية خطوة إلى الوراء واعتبار الاتفاق مجرد “إطار توجيهي”، وتأجيل جيش الاحتلال لخطته التجريبية في الجنوب، يؤكدان أن الفيتو السياسي اللبناني ونيران المقاومة قد نجحا في تعطيل فخ الصدام الأهلي ومنع تحويل الجيش اللبناني إلى أداة أمنية تخدم مصالح الاحتلال.

على المدى البعيد (إعادة هندسة الإقليم)
الكيان الإسرائيلي يتجه نحو استنزاف داخلي مركب، يجمع بين العجز المالي الخانق الذي يهدد خطط بناء القوة العسكرية (أزمة الـ 40 مليار شيكل)، وبين العزلة الإقليمية المتزايدة. وفي المقابل، تندفع دول الخليج بواقعية نحو بناء هيكل أمني إقليمي جديد يعتمد على تقليص التوتر مع طهران بعيدا عن المظلة الأمريكية التقليدية التي أثبتت هشاشتها.
داخليا، ستستثمر القيادة الإيرانية التشييع المليوني المرتقب لتوجيه رسالة ردع مزدوجة للخارج والداخل، تثبت من خلالها تماسك مؤسسات الدولة والتفاف الشارع حول سياساتها. هذا التماسك سيمنح المفاوض الإيراني تفويضا صلبا لعدم التنازل عن أي من مكتسبات إسلام آباد، ليضع واشنطن أمام خيار وحيد: إما إجبار نتنياهو على انسحاب شامل وغير مشروط من لبنان، أو مواجهة اختناق بطيء ومميت في شرايين الطاقة العالمية.