أفق نيوز
الخبر بلا حدود

واشنطن تستبدل “لينكون” المنهكة، والمقاومة تُعرّي أوهام الاحتلال في جنوب لبنان

46

أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة 

في اليوم الثامن والخمسين لتوقيع مذكرة التفاهم (الجمعة 14 آب 2026 – اليوم 167 للحرب)، دخل الصراع الإقليمي مرحلة عض أصابع بالغة التعقيد، تآكلت فيها المظلة الردعية الأمريكية إلى حدود غير مسبوقة. ففي مياه الخليج، أسقطت الدفاعات الجوية للحرس الثوري طائرة مسيرة أمريكية استراتيجية من طراز (MQ-9 Reaper)، تزامناً مع كشف البنتاغون عن فقدان ربع أسطوله من هذه المسيرات منذ اندلاع الحرب، واستهداف ناقلتي نفط إماراتيتين في هرمز. هذا الانكشاف العسكري يتزامن مع عجز لوجستي وبحري دفع واشنطن إلى سحب حاملة الطائرات المنهكة “أبراهام لينكون” بعد انتشار قياسي، ومواجهة أزمة إنتاج خانقة لصواريخ (SM-3) الدفاعية تستغرق عقوداً لترميمها. وعلى الجبهة اللبنانية، أطلق الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم مواقف حاسمة نسفت بدعة “المناطق التجريبية” وعرّت رضوخ السلطة، في وقت تحاول فيه تل أبيب الهروب إلى الأمام بفرض “احتلال دائم” يرفضه الميدان وتنتقده واشنطن علناً وسط تصدع عميق بين ترمب ونتنياهو.

المحور الأول: حرب المضائق واستنزاف الردع الأمريكي (إسقاط الـ MQ-9 واستهداف الناقلات)

سقوط مسيرة الـ MQ-9 واعتراف واشنطن: أسقطت الدفاعات الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني طائرة مسيرة أمريكية متطورة من طراز (MQ-9) فوق محافظة هرمزغان. ويأتي هذا الإسقاط تزامناً مع ما كشفته صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤولين أمريكيين بأن الجيش الأمريكي فقد ما لا يقل عن 45 طائرة مسيرة من هذا الطراز (ما يعادل 25% من إجمالي أسطوله الاستراتيجي) خلال الحرب مع إيران، مما يعكس كلفة استنزاف جوي غير مسبوقة.

استهداف ناقلتي “أدنوك” وإدانة خليجية: أكدت شركة “أدنوك” الإماراتية تعرض سفينتين تابعتين لها لهجوم مباشر أثناء عبورهما مضيق هرمز، مما أثار موجة إدانات واسعة من السعودية، وقطر، والكويت، ومجلس التعاون الخليجي، التي اعتبرت الاستهداف تصعيداً خطيراً وطالبت بإعادة فتح المضيق دون قيد أو شرط.

تكريس السيطرة الإيرانية والردع الملاحي: أكد قائد بحرية الحرس الثوري (الأدميرال علي عظمائي) وقائد قوات الباسيج (حسين طائب) أن مضيق هرمز مغلق بالكامل وتحت السيطرة والإشراف الإيراني الدقيق، نافين تماماً ادعاءات ترمب بـ “السيطرة الكاملة”. وصادق البرلمان الإيراني مبدئياً على خطة لمنع عبور السفن الأمريكية والإسرائيلية والمعادية، في حين سجلت منصات الرصد (كبلر) تراجعاً إضافياً لحركة الملاحة إلى 9 سفن فقط عبر المضيق (معظمها عبر المسار الإيراني)، مقابل 19 سفينة في باب المندب.

الخنق الاقتصادي النفطي: وثقت بيانات الأقمار الصناعية تراجعاً حاداً في حركة تصدير النفط الإيراني من جزيرة خارك بفعل الحصار البحري الأمريكي، مما دفع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت للتلويح بتدابير اقتصادية غير مسبوقة لملاحقة الحسابات والعملات الرقمية الإيرانية لعزل طهران عالمياً.

المحور الثاني: أزمة الصواريخ الاعتراضية والإنهاك البحري (سحب “لينكون” ووهن ترسانة SM-3)

سحب حاملة الطائرات “أبراهام لينكون”: أعلنت البحرية الأمريكية بدء تحريك حاملة الطائرات النووية “يو إس إس جورج واشنطن” (USS George Washington – CVN-73) لتحل محل “يو إس إس أبراهام لينكون” (USS Abraham Lincoln – CVN-72). يأتي هذا الانسحاب بعد أطول انتشار قتالي متواصل لـ “لينكون” تجاوز 260 يوماً في البحر، وسط تفجر فضيحة في الكونغرس الأمريكي وتقارير عن أزمات صحية ونفسية حادة وتلوث مياه ونقص غذاء بين بحارتها، فضلاً عن أن هذا التبديل يُفرغ مسرح الإندو-باسيفيك من ثقله البحري أمام الصين.

أزمة إنتاج صواريخ “ستاندرد-3” (SM-3): وقّع البنتاغون اتفاقين طارئين مع شركتي “بوينغ” و”RTX” لمضاعفة إنتاج صواريخ (SM-3) الدفاعية ضمن منظومة “إيجيس”، إثر استنزاف مئات الصواريخ في التصدي للهجمات الإيرانية واليمنية. وتكشف الأرقام عن فضيحة صناعية؛ إذ تبلغ الطاقة الإنتاجية الحالية 96 صاروخاً سنوياً فقط، بينما يطلب البنتاغون 2600 صاروخ خلال 5 سنوات، ما يعني أن سد فجوة الاستنزاف الحالية يحتاج إلى 27 عاماً بمعدلات التصنيع الراهنة.

استجواب هيغسيث وتكلفة الحرب: خضع وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث لمساءلة عاصفة في مجلس الشيوخ، كشف خلالها أن كلفة الحرب ضد إيران قفزت إلى 37.5 مليار دولار (بزيادة 8 مليارات دولار عن التقديرات السابقة)، وسط اعتراضات ديمقراطية على خوض “حرب اختيارية مكلفة وغير دستورية”.

المحور الثالث: الجبهة اللبنانية وخطاب الشيخ قاسم (نسف بدعة “المناطق التجريبية” وفضح الاحتلال)

خطاب تاريخي للأمين العام لحزب الله: في كلمة مفصلية بمناسبة ذكرى انتصار تموز 2006، حسم سماحة الشيخ نعيم قاسم الموقف من التطورات:

نسف بدعة “المناطق التجريبية”، مؤكداً أن العدو يمنع الأهالي من دخول القرى (كزوطر والمنصوري) ويواصل تهجيرهم وتدمير منازلهم، واصفاً اتفاق الإطار بأنه إملاءات إسرائيلية وقعت عليها السلطة تحت الوصاية.

انتقد بشدة ارتهان السلطة اللبنانية وتصويبها على المقاومة بدلاً من إدانة الخروقات الإسرائيلية المستمرة منذ 15 شهراً، داعياً لرد رسمي حازم على صلف كاتس ونتنياهو.

أكد أن المعركة “حرب وجودية قُوتلت بنَفَس كربلائي”، مشدداً على أن الرهان على استسلام المقاومة سراب، وموجهاً رسالة حاسمة لجمهور المقاومة: “اختزنوا غضبكم، وسينفجر في وجه كل من يعمل ضد المقاومة في الوقت المناسب، ولن نترككم وسنقاتل إلى آخر نقطة دم”.

صفعة “تلة علي الطاهر”: على عكس التهويل الإسرائيلي بإطباق الحصار وخيارات الموت أو الاستسلام في تلال علي الطاهر، كشفت المعطيات الميدانية خروج مقاتلي المقاومة من إحدى المنشآت في التلة عبر منافذ سرية أربكت العدو، تاركين جيف جنود الاحتلال داخل المنشأة، في وقت أبلغ فيه مسؤولون أمنيون عن محاولات إسرائيلية لتنفيذ تفجيرات موضعية لحفظ ماء الوجه قبل خفض التصعيد العسكري.

الغطرسة الإسرائيلية والرفض اللبناني: كرر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أوهامه بالبقاء الدائم في 700 كيلومتر مربع في جنوب لبنان وفرض منطقة عازلة، وهو ما واجهه رئيس الحكومة نواف سلام بالرفض القاطع معتبراً ذلك انتهاكاً لاتفاق الإطار، في حين أكد الرئيس نبيه بري للموفد الأمريكي كليرفيلد أن مفتاح الاستقرار هو إلزام العدو بالانسحاب ووقف تدمير القرى والمساحات الحرجية.

المحور الرابع: التموضع العسكري والتصدع السياسي بين ترمب ونتنياهو

تصدع حلف واشنطن وتل أبيب: نقل موقع “أكسيوس” والإعلام العبري (باراك رافيد) عن مسؤولين أمريكيين كبار أن الرئيس ترمب بات محبطاً بشدة من سياسات نتنياهو ووصفه بأنه “أسوأ عدو لنفسه”، ممتنعاً عن منحه أي دعم علني مع بقاء 75 يوماً على الانتخابات الإسرائيلية التي تشير كافة الاستطلاعات إلى خسارة نتنياهو فيها.

انتقاد أمريكي غير مسبوق لـ “احتلال الجنوب”: أصدرت الخارجية الأمريكية بياناً حاداً انتقدت فيه تصريحات كاتس حول البقاء الدائم في جنوب لبنان، مؤكدة أن هذا التوجه يخرق التزامات إسرائيل في اتفاق الإطار ويهدد أمن المنطقة، ومجددة دعمها لسيادة لبنان ووحدة أراضيه.

التحالف البحري السعودي: أعلنت السعودية من جدة التفعيل الرسمي للتحالف البحري الدفاعي بمشاركة 39 دولة في محاولة لملء الفراغ الناجم عن التراجع الأمريكي، إلا أن غياب المظلة الدفاعية الصاروخية الفعالة يُبقي هذا التحالف خطوة استعراضية أمام ترسانة الصواريخ اليمنية والإيرانية.

الخلاصة والمآلات الاستراتيجية
تُظهر تطورات اليوم الـ 58 لمذكرة التفاهم أن الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي يغرقان في أزمة خيارات عسكرية مغلقة؛ فالإدارة الأمريكية مجبرة على التراجع التكتيكي (سحب الحاملات واستبدال المسيرات الساقطة) وتكثيف الضغط الاقتصادي بعد عجز القوة الخشنة، بينما يعيش نتنياهو ساعاته السياسية الأخيرة محاصراً بعزلته وخلافاته مع البيت الأبيض وفشله الميداني في تثبيت أي إنجاز عسكري بجنوب لبنان.
المرحلة المقبلة ستشهد تثبيتاً لمعادلة الصمود الإيراني في هرمز ورفض أي فتح للمضيق قبل كسر الحصار بالكامل، بينما ستتحول جبهة جنوب لبنان، بعد تحذيرات الشيخ قاسم وكسر أسطورة حصار علي الطاهر، إلى بركان استنزاف دائم لن يسمح للاحتلال بتحويل شريطه الأمني إلى واقع دائم، واضعاً حكومة العدو بين فكي كماشة: الانفجار الداخلي مع اقتراب الانتخابات، أو الانسحاب الإجباري تحت ضربات الميدان.